– الهدف إسقاط السلطة بعد التصويت في الجمعية العامة على قيام دولة فلسطينية
– بحث مصير سكان المخيمات وإمكانية عودتهم من عدمها
في أعقاب العملية التي استهدفت مستوطنيّن في القدس المحتلة، والتي نفذها شابان من قريتيّ قطنة والقبيبة في الضفة الغربية، تدخل الساحة الفلسطينية مرحلة حرجة قد تحدد شكل المستقبل السياسي والأمني للمنطقة، وسط تحذيرات إسرائيلية من أن حركة «حماس» تسعى تنفيذ عمليات موجعة في القدس والداخل الإسرائيلي.
وكشف تحقيق أولي أجرته الشرطة و«الشاباك» أن منفذي عملية القدس، التي تبنتها “كتائب القسام” تسلّحا بسلاح محلي الصنع وسكاكين، وتسللا عبر ثغرة في جدار الفصل العنصري المحيط بالقدس، ثم استقلا سيارة نقل فلسطينيين غير حاصلة على تصاريح، وتمكنا من الوصول إلى مفترق مستوطنة «راموت» حيث نفذا عمليتهما.
وفق تقديرات جيش الاحتلال، فإنّ هذه العملية، وإن كانت فردية، إلا أنّها أدخلت قيادة المنطقة الوسطى في الجيش في حال تأهب قصوى، حيث تُخطط القيادات العسكرية لفترة توتر متصاعد تتقاطع مع أعياد يهودية قريبة، واستمرار العمليات العسكرية في غزة، وتوقعات بإعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة الاعتراف بدولة فلسطينية، إلى جانب دعوات من وزراء في الحكومة الإسرائيلية لضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية المحتلة.
تغيير ديموغرافي وأمني
في سياق متصل، يواصل جيش الاحتلال وجوده المكثف منذ أشهر في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، حيث قام بهدم مئات المباني وتفكيك بنى تحتية لـ «كتائب المقاومة»، وتغيير وجه هذه المخيمات بشكل جذري.
وذكرت مصادر عسكرية، أنه بعد تدمير مئات المنازل تم فتح أكثر من 11 كيلومتراً من الطرق العريضة داخل المخيمات لضمان حرية حركة قوات الاحتلال، في خطوة توصف بأنها الأكبر منذ عقود والأكثر تدميراً.
وأعلن وزير الدفاع يسرائيل كاتس، أن القوات ستظل في مخيمات شمال الضفة «حتى نهاية العام على الأقل»، لكن هناك مناقشات جارية حول مصير السكان وإمكانية عودتهم من عدمها.
أعادت عملية القدس طرح إشكالية جدار الفصل والعمالة الفلسطينية في إسرائيل. فمنذ بداية حرب الإبادة والتدمير على غزة، أوقفت الحكومة دخول العمال الفلسطينيين، باستثناء فئات محدودة، مثل الأطباء والمهندسين والمعلمين.
أدى هذا القرار إلى تفاقم ظاهرة التسلل والعمل غير القانوني، ما دفع جيش الاحتلال إلى تكثيف إجراءاته (الرادعة) على خط التماس بإطلاق النار على العمال ومن ينقلهم.
مستقبل الضفة
تشهد الضفة تغييرات جيوسياسية عميقة لم تشهدها منذ عقود، ليس على المستوى الأمني فحسب، بل أيضاً على المستوى الاستيطاني. فخلال العامين الماضيين، تمت المصادقة على بناء آلاف الوحدات الاستيطانية في عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة في حدود العام 1967، وإعلان مساحات كبيرة من الأراضي الفلسطينية «أراضي دولة»، وإضفاء الشرعية على بؤر استيطانية كانت غير قانونية.
علماً أن الاستيطان برمته غير شرعي في الأراضي المحتلة، القانون الدولي.
وتأتي ذروة هذه التحركات وهذا الاستيطان المحموم وغير المسبوق مع تصريحات وزراء في الحكومة الإسرائيلية حول «إحلال السيادة» على أجزاء واسعة من الضفة كرد على التحركات الدولية الداعمة للدولة الفلسطينية – بهدف ضرب والقضاء على حل الدولتين.
إلا أنّ مصادر سياسية تشير إلى أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو «يفضل عدم الإسراع في خطوة الضم والانتظار لمعرفة نتائج التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة».
السلطة: بين التعاون والتقويض
إلى ذلك، تثار إشكالية التعامل مع السلطة الفلسطينية، حيث يحذر جهاز الأمن الإسرائيلي من تقويضها، مشيراً إلى أن العلاقة الوثيقة مع أجهزتها الأمنية تخدم المصالح الإسرائيلية (التنسيق الأمني يساعد إسرائيل في السيطرة على الضفة ويحول دون وقوع مئات العمليات ضد الجيش والمستوطنين).
في المقابل، يصر وزراء في الائتلاف الحاكم على ضرورة «تقويض السلطة الفلسطينية والقضاء عليها تدريجياً».
وتؤكد المصادر الأمنية أن الضفة تقترب من «نقطة حسم تاريخية» ستحدد مصيرها، خصوصاً في مناطق (A) و(B) التابعة للسلطة بموجب اتفاق أوسلو.
وتخلص إلى أن «العودة إلى الوضع السابق قبل ثلاث سنوات أصبحت مستحيلة، فالواقع الجديد على الأرض يحتم مساراً مختلفاً، إلا أن طبيعة الثوران الأمني ستختلف جذرياً بعد الحرب المدمرة على غزة».
وتتزايد الدعوات داخل المؤسسة الأمنية والسياسية لـ«حسم» جبهة الضفة بشكل نهائي، عبر إسقاط سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني وخلق نموذج حكم بديل موالي ومساند لإسرائيل ومصالحها، في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات جيوسياسية وأمنية هي الأعمق منذ عقود.
وفي تحليل موسع، يرى الكاتب والعسكري الإسرائيلي الاحتياطي، أمير أفيفي، في مقاله بصحيفة «معاريف» بتاريخ 9 سبتمبر 2025، أن «هذه العملية الجريئة في قلب القدس الشرقية ليست فردية، بل هي جزء من جهد منظم تقوده السلطة الفلسطينية ومنظمات لإشعال جبهة متعددة الساحات بهدف إرهاق الجيش ومنعه من تحقيق أهدافه الحاسمة في غزة».
على أعتاب «النصر»!
ويستند المنطق الإسرائيلي الداعي لحسم مصير الضفة، إلى تقييم مفاده بأن حرب غزة تقترب من نهايتها.
ويستشهد أفيفي، رئيس «مؤسسة حركة الأمنيين»، بواقع أن «ثلاثة أرباع القطاع تحت السيطرة الإسرائيلية، تقريباً بلا سكان، مقاتلين وبنى تحتية لحركة حماس».
ويؤكد أن الجيش يستعد للمرحلة الحاسمة: احتلال معقلي حماس الأخيرين، مدينة غزة ومخيمات الوسط. الأهداف لما بعد الحرب، كما يحددها التيار المتشدد، هي:
– تصفية حماس ككيان عسكري وسلطوي.
– تجريد القطاع من السلاح.
– إعادة جميع المخطوفين.
– فرض سيطرة أمنية إسرائيلية كاملة على غزة.
– إقامة «حكم بديل» قائم على العشائر المحلية، وليس السلطة الفلسطينية أو حماس.
– المضي قدماً في «خطة ترامب للهجرة الطوعية».
– جبهة الضفة: الهدف هو «إسقاط حكم الرئيس محمود عباس.
بناءً على هذا التقييم، تدعو الأصوات المتشددة، كما في مقال «معاريف»، إلى نقل النموذج المطبق في غزة إلى الضفة. الهدف المعلن هو«تحديد هدف حرب واضح لجبهة الضفة: تصفية الإرهاب وإسقاط حكم الإرهاب للسلطة الفلسطينية»!
وتتلخص الرؤية المقترحة في الضفة:
-«تجريد من السلاح» شامل في الضفة بما فيها قوات الأمن الفلسطينية.
– استبدال سلطة الحكم الذاتي بـ«حكم محلي عشائري».
– تطبيق القانون الإسرائيلي على المنطقة (ج) على الأقل، وهي خطوة تمهيدية للضم الفعلي.
– تعزيز الاستيطان بملايين اليهود.
ويعبر التحليل عن رفض تام للوضع القائم، واصفاً سلطة الحكم الذاتي بأنها كيان«يروج للمقاطعة ومعاداة السامية العالمية، ويحرض في أجهزة التعليم ويدفع المليارات للمخربين على قتل اليهود».
يعيد التحليل أيضاً فتح ملف العمالة الفلسطينية، مطالباً بمعاقبة المساعدين للعمال«غير القانونيين» بشدة، والاستعاضة عنهم بعمال أجانب، حيث يشير إلى لقاء مع سفير الهند ورغبة نيودلهي في إرسال عمال، على أن يتم ذلك بشكل أسرع لسد الثغرة الأمنية والاقتصادية.
يختتم التحليل بربط الصورة الكبيرة، مشيراً إلى أن«نهاية المعركة متعددة الساحات» في غزة تقترب، ما يستدعي الاستعداد لـ«حسم المعركة التالية، المعركة على أرض إسرائيل»، في إشارة إلى الصراع الطويل الأمد مع الفلسطينيين والذي يرتدي أشكالاً مختلفة.
هذا الطرح المتشدد، الذي يعكس وجهة نظر جزء من المؤسسة والأجهزة الأمنية، يصطدم بتحفظات سياسية ودولية. فكما أشارت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، فإن نتنياهو يبدو متردداً في الإسراع بخطوات الضم، مفضّلاً التريث ومراقبة التحركات الدولية، خصوصاً التصويت المرتقب في الجمعية العامة، حول الاعتراف بدولة فلسطينية.
وعلى الأرض، تستمر سلطات الاحتلال لليوم الثاني في حصار نحو 70 ألف فلسطيني في بلدات وقرى شمال غربي القدس، وسط تشديد الإجراءات الأمنية وعمليات الاقتحام والهدم التي تفرض ضغوطاً كبيرة على الأهالي.
وقامت قوات الاحتلال بقياس منزل منفذي عملية القدس، الشهيدين مثنى ناجي عمرو (20 عاما) ومحمد بسام طه (21 عاما) في القبيبة وقطنة شمال غربي القدس.
وأعلن وزير الدفاع يسرائيل كاتس، فرض عقوبات على سكان المنطقة وأقارب المنفذين، تشمل هدم مبان من دون تراخيص وسحب تصاريح دخول وعمل في إسرائيل، فيما كشفت القناة 14 عن سحب 750 تصريح عمل ودخول من سكان المنطقة.

