– خطورة السيناريوهين.. فوز أو خسارة نتنياهو كخيارين وجوديين
– 50 % يخشون من أن «خاسر الانتخابات» قد لا يعترف بنتائجها وتحذيرات من سيناريو «الشارع ضد الشارع»
– 58 % من الشباب يعبّرون عن أنفسهم يمينيين مقابل 8 % فقط اعتبروا أنفسهم يساريين أو وسط
– يسار.. جيل الحرب ومنصات التواصل الاجتماعي
– التحريض بين معسكري اليمين واليسار يتغلغل في أوساط الجماهير.. النظر إلى الطرف الآخر كخطر وجودي
أجمع خبراء الشأن السياسي في إسرائيل والولايات المتحدة، على ان إسرائيل اليوم تقف على مفترق طرق وجودي، ليس بفعل التحديات الأمنية التي تحيط بها فحسب، بل بسبب زلزال داخلي يُعيد تشكيل هويتها السياسية والاجتماعية من جذورها.
فبينما تنقضي الأسابيع المتبقية على موعد الاقتراع، ترسم استطلاعات الرأي صورة لم تغب عنها النذر الثقيلة: انهيار المقولات السياسية التقليدية، صعود نجم الجنرالات على حساب رجال السياسة المخضرمين، وبروز جيل جديد من الناخبين لا تعنيه الانقسامات القديمة بقدر ما تعنيه اللغة المباشرة والوعود القاطعة.
هذه الانتخابات، كما يراها المحللون الإسرائيليون أنفسهم، ليست مجرد معركة على مقاعد الكنيست، بل هي استفتاء على مشروع سياسي بأكمله (صهيوني غير صهيوني وديني وغير ديني)، وعلى قدرة الدولة العبرية على تجاوز تداعيات السابع من أكتوبر 2023، وعلى مستقبل علاقتها بمؤسساتها، ودينها، ومجتمعها، وأمنها.
إنها اللحظة الحاسمة التي سترسم ملامح إسرائيل في العقد القادم، وربما تحدّد ما إذا كانت ستظل «ديمقراطية يهودية» أم ستتحول إلى كيان (سياسي عنصري منبوذ) مغاير تماماً لما أسسه آباؤها المؤسسون.
صعود الجنرالات
في تحوّل يحمل دلالات عميقة، يخترق غادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق، المشهد السياسي بثقل عسكري وسياسي لم تشهده إسرائيل منذ عقود. فحزبه الناشئ «يشار!» يتصدر استطلاعات الرأي متقدماً على الليكود التاريخي، في انقلاب في موازين القوى يعكس مرارة إسرائيلية عميقة تجاه الطبقة السياسية القائمة، وإيماناً متزايداً بأن القيادة العسكرية هي الأجدر بإدارة شؤون الدولة في زمن الاضطرابات.
آيزنكوت، الذي خاض الحرب في قطاع غزة كعضو في مجلس الحرب، يجسّد اليوم نموذج «الجنرال المنقذ» الذي يرى فيه قطاع واسع من الإسرائيليين، خاصة بين جنود الاحتياط والضباط السابقين، البديل الأخلاقي والكفؤ لسياسيين أنهكتهم الفضائح والتهميش للمؤسسة الأمنية.
ما يعزز هذا التوجه هو التحول النوعي في قاعدة الناخبين لآيزنكوت، إذ لا يقتصر تأييده على اليسار التقليدي، بل يمتد إلى أوساط اليمين المعتدل والناخبين المستقلين الذين أصيبوا بالإحباط من أداء الائتلاف الحاكم، خاصة في ملف التجنيد وإدارة الحرب.
هذا التصويت «العابر للانقسامات» هو ما يمنح آيزنكوت قوة استثنائية، ويضعه على بعد خطوات قليلة من تشكيل حكومة بديلة. غير أن تسارع صعوده يحمل في طياته أيضاً مخاطر، إذ يُعيد إنتاج إشكالية العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية، ويثير تساؤلات حول مدى قدرة الجنرالات على ترجمة لغتهم الأمنية الفاعلة في الميدان إلى سياسات مدنية قادرة على إدارة مجتمع متشظٍ يعاني من أزمات هوية حادة.
انهيار الثقة
المفارقة الأكثر إثارة للقلق، كما تكشفها استطلاعات الرأي، هي أن تعزيز قوة حزبَي «عظمة يهودية» العنصري و«الصهيونية الدينية» الفاشي، مع تراجع الليكود، رفع كتلة الائتلاف بمقعد واحد إلى 49 مقعداً، بينما قفزت المعارضة إلى 60 مقعداً.
لكن هذا التقارب العددي لا يعكس فقط حالة من الجمود السياسي، بل يكشف عن هوة أعمق: نصف الإسرائيليين، أي 50 في المئة بالتمام، يعربون عن خشيتهم الصريحة من أن الطرف الخاسر في الانتخابات قد لا يعترف بنتائجها.
هذا الرقم ليس مجرد إحصاء، بل هو تشخيص لمرض عضال في جسد الديمقراطية الإسرائيلية، يشير إلى انهيار الإجماع الوطني حول قواعد اللعبة السياسية ذاتها، ويعكس حالة من التشظي المجتمعي قد تنذر بما هو أخطر من أي خلاف أيديولوجي: أزمة شرعية قد تطيح بالديمقراطية إلى هاوية مجهولة.
هذا الاستعداد النفسي للرفض، الذي يغذيه خطاب التحريض المتبادل بين معسكري اليمين واليسار، لا يقتصر على النخب السياسية، بل يتغلغل في أوساط الجماهير التي أصبحت تنظر إلى الطرف الآخر ليس كخصم سياسي، بل كخطر وجودي يهدد هويتها ومستقبلها.
في هذا السياق، فإن أي انتخابات مقبلة لن تكون مجرد منافسة على الحكم، بل ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة المجتمع الإسرائيلي على استيعاب الخسارة، وتقبّل نتائج الصندوق، وهو اختبار لم يجتزه اليمين في حقبة الانسحاب من غزة، ولم يجتزه اليسار في حالات أخرى. لكن ما يثير القلق هذه المرة هو أن السلاح لم يعد سياسياً فحسب، بل أصبح خطر الانزلاق إلى مواجهة داخلية مفتوحة يلوح في الأفق، مع تحذيرات بعض المحللين الإسرائيليين من سيناريو «الشارع ضد الشارع» الذي قد يجر إسرائيل إلى أزمة دستورية غير مسبوقة.
خطورة السيناريوهين
في حال فوز بنيامين نتنياهو، فإن المشهد لن يكون مجرد استمرار لولاية جديدة، بل سيكون تتويجاً لمشروع سياسي قمعي يميني بالكامل يسعى إلى إعادة تعريف هوية الدولة العِبرية برمتها.
فالفوز سيمنحه شرعية جديدة لمواصلة (مشروعه الاستيطاني – انهاء أوسلو والسلطة) وتقييد المؤسسات القانونية والإعلامية، ودفع تشريعات تهدف إلى ترسيخ العلاقة بين الدين والدولة على أسس جديدة، وتعزيز الاستيطان في الضفة الغربية إلى درجة تجعل أي حل للدولتين مستحيلاً عملياً.
لكن الأخطر من ذلك، كما يراقب محللون إسرائيليون، هو احتمال أن يكون نتنياهو معنياً باندلاع مواجهة أمنية مع إيران أو في جبهات أخرى (سوريا ولبنان وتركيا) قبيل موعد الانتخابات أو بعدها، بهدف تغيير أجندة النقاش العام من الملفات الداخلية التي تؤرقه، إلى ملف الأمن القومي الذي يتفوق فيه خطابياً على خصومه.
هذا السيناريو، المتطرف لكنه وارد، يعيد إنتاج نمط «الخوف والتكتل» حول القائد الذي يروج لنفسه كضامن للبقاء في مواجهة أعداء خارجيين، وهو ما قد يمنحه فرصة لإعادة تموضعه رغم كل الإخفاقات الداخلية.
أما في حال خسارة نتنياهو، فتلك هي الكارثة السياسية بامتياز، ليس بالنسبة له ولأنصاره فحسب، بل بالنسبة لمشروع سياسي بأكمله قاده على مدى سنوات. فخسارته لن تعني فقط سقوطه من نتنياهو، بل ستكون إقراراً ضمنياً بالإخفاق الأمني الأكبر في تاريخ إسرائيل، إخفاق السابع من أكتوبر، وستضع حداً لطموحات اليمين في تعميق التغييرات الدستورية التي بشر بها.
ما يزيد الطين بلة هو أن الخسارة ستفتح الباب على مصراعيه أمام تحقيق قضائي ومحاسبي شامل، قد يفضي إلى تداعيات قانونية خطيرة على نتنياهو شخصياً، خاصة مع عودة ملفات قضائه إلى الواجهة دون حماية الحصانة السياسية. والأكثر تعقيداً، أن الأحزاب الدينية والحريدية التي راهنت على بقاء الائتلاف، ستجد نفسها فجأة في المعارضة، دون أي قدرة على تمرير تشريعاتها الحيوية، وفي مقدمتها قانون إعفاء طلاب المعاهد الدينية من التجنيد الذي أقر أخيرا، مما قد يفتح صراعاً داخلياً مريراً بين التيارات الحريدية ذاتها، ويعيد إنتاج الانقسام الداخلي حول علاقة الدولة بالدين بأكثر حدة من أي وقت مضى.
جيل الحرب والشبكات يقلب الموازين
ويرسم ران شمعوني في تحليل معمّق نشرته صحيفة «هآرتس»، ملامح القوة الانتخابية الأكثر غموضاً وتأثيراً في هذه الانتخابات: الناخبون الجدد، البالغ عددهم نحو 640 ألف شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 18 و22 عاماً، ما يعادل ستة مقاعد كاملة في الكنيست.
هذا الجيل، كما يصفه شمعوني، هو جيل فريد بكل المقاييس، فقد تربى في ظل وباء كورونا، وشهد بأم عينيه أحداث السابع من أكتوبر والحروب المتلاحقة التي أعقبتها، ولم يعرف الحياة السياسية إلا عبر شاشات هواتفه. تشير دراسة معهد الديمقراطية الإسرائيلي إلى أن 58 في المئة من هؤلاء الشباب يعتمدون بشكل شبه كامل على الشبكات الاجتماعية كمصدر وحيد لمعلوماتهم السياسية. هم لا يقرأون الصحف، ولا يشاهدون النشرات الإخبارية التقليدية، بل تصلهم السياسة عبر فيديوهات قصيرة على «تيك توك» و«إنستغرام» ورسائل مشفرة في مجموعات «تلغرام»، دون وسيط، ودون سياق، ودون أي إطار يشرح لهم الحقائق. وهذه الظاهرة تخلق جيلاً من الناخبين يتشكل وعيه السياسي في فراغ معلوماتي، حيث تُختزل القضايا المعقدة في شعارات جذابة، وتُصوّر الأحزاب من خلال لغتها البصرية المباشرة لا برامجها السياسية التفصيلية.
هؤلاء الشباب، وفقاً لاستطلاع أجراه الدكتور مناحيم لازار، يميلون بشكل كبير نحو اليمين، إذ اعتبر 58 في المئة منهم أنفسهم يمينيين، مقابل 8 في المئة فقط اعتبروا أنفسهم يساريين أو وسط-يسار. وهذا الميل اليميني ليس عفوياً، بل هو نتاج استثمار منظم من قبل أحزاب اليمين المتطرف، لاسيما حزب «عظمة يهودية» بقيادة إيتمار بن غفير، الذي أطلق حملة مكثفة للوصول إلى هؤلاء الشباب، شملت «حافلة قوة يهودية» تجوب أماكن تجمعهم، وتوزع منشورات بلغة بسيطة وحادة: «عقوبة الإعدام للإرهابيين – لا حاجة إلى المزيد من الشرح».
هذه الاستراتيجية تبدو ناجحة، إذ تشير التقديرات إلى أن حزب بن غفير يحصل على نحو 14 مقعداً من بين الناخبين الجدد، أي ضعف قوته في صفوف الناخبين العموميين، مما يمنحه نفوذاً هائلاً في تشكيل ملامح الكنيست القادم.
البحث عن الأصالة في زمن الصخب السياسي
ورغم هذا النفور العام من السياسة والانجذاب نحو اليمين، يصف ينيف وايزمن، الخبير في ثقافة الشباب، هؤلاء الناخبين الجدد بأنهم ينتمون إلى ما يسميه «النورميز»، أو التيار الطبيعي، وهم يمثلون الأغلبية الإسرائيلية التي تنظر إلى التطرف بازدياد برود وتحفظ.
ويقول وايزمن إنه بعد سنوات من السيطرة على الخطاب السياسي من قبل السياسيين الأكثر صخباً، بدأ بعض الشباب يشعرون بالتعب من الصخب والتخويف والتلاعب، ويدفعهم ذلك إلى البحث عن سياسيين يتحدثون معهم بجدية وشفافية، ويهتمون بهم كبشر وليس كأصوات فقط. هذا التناقض – الميل اليميني مع النفور من السياسيين التقليديين – يخلق فضاءً مفتوحاً لأحزاب جديدة تستطيع مخاطبة الشباب بلغتهم، وتقديم برامج بسيطة دون تعقيد، مع الحفاظ على مصداقية أخلاقية، وهذا ما يفسر صعود آيزنكوت الذي يقدم نفسه كجنرال نزيه في مواجهة سياسيين فاسدين.
ما يزيد الوضع تعقيداً، كما يظهر من مقابلة «هآرتس» مع بعض الشباب، هو أن الفجوة بين الأجيال في إسرائيل لم تعد مجرد خلاف حول السياسات، بل أصبحت فجوة وجودية حول معنى الدولة ذاتها. بينما يتحدث جيل الآباء عن الصهيونية التاريخية، والانقسام بين اليسار واليمين، يطرح جيل الحرب أسئلة جديدة: ما هي الدولة التي نريد أن نعيش فيها؟ هل يجب أن تكون دينية أم علمانية؟ هل الاستيطان هو مستقبل إسرائيل أم عبء عليها؟ وهل الديمقراطية مازالت القيمة العليا، أم أن الأمن هو الذي يعلو فوق كل اعتبار؟ هذه الأسئلة، التي لا تجد إجابات واضحة في خطاب الأحزاب التقليدية، تدفع الشباب نحو البحث عن بدائل راديكالية، وتجعل من هذه الانتخابات معركة على تعريف «إسرائيل» أكثر مما هي معركة على المقاعد.
وتؤكد استطلاعات الرأي وتحليلات كبار الكتاب الإسرائيليين، هو أن هذه الانتخابات ستكون مختلفة بكل المقاييس، وربما ستكون الأكثر حسماً في تاريخ الدولة العبرية منذ قيامها. إنها ليست مجرد معركة على الحكم، بل هي معركة على الروح، على المستقبل، وعلى ماهية الكيان الذي سيخرج من رحم هذه الأزمة. فهل سيكون دولة يسودها القانون، أم دولة يحكمها الخوف؟ هل ستكون ديمقراطية تحترم نتائج الصندوق، أم نظاماً سلطوياً يُعيد تعريف السلطة؟ الأسابيع القادمة وحدها كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد أن إسرائيل التي سنراها بعد هذه الانتخابات لن تكون تلك التي عرفناها قبل السابع من أكتوبر، وسيكون العنوان الأبرز: إسرائيل في زمن ما بعد الصدمة.
