– الهروب من انهاء الاحتلال ورفض الانسحاب من غزة ولبنان وسوريا… ويعتبرون ذلك كـ«إنجاز مركزي»
– معظمهم ينظر إلى انهاء الاحتلال بأنه تنازل عن أمن إسرائيل… فمحظور التحدث عنه
- إسرائيل والولايات المتحدة على مفترق طرق بين التوجه إلى تسوية شاملة وبين استمرار الصراع وفقدان التحالف الإستراتيجي
- عمانوئيل: انهاء الاحتلال وفق المبادرة العربية… اعتراف وتطبيع وسلام «ماذا تريدون أكثر»؟
– المعارضة الإسرائيلية… جبن الجنرالات والقوة العمياء
يتشكل المشهد السياسي والأمني في إسرائيل اليوم على وقع مفارقة صارخة كلما اقترب موعد انتخابات الكنيست الإسرائيلية المقررة في 28 أكتوبر المقبل، فبينما تتسع رقعة الاحتلال في قطاع غزة ولبنان وسوريا، ويتمدد اليمين الفاشي المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو، وإيتمار بن غفير، وبتسلئيل سموتريتش، في تمسكه بالسلطة وكأنها غنيمة حرب، تتراجع المعارضة الإسرائيلية – بقيادة جنرالات مهووسين بالقوة والعنجهية العسكرية – إلى موقف جبان يتجنب الخوض في جوهر القضية: الاحتلال ذاته.
في مشهد يليق بمسرحية عبثية، يتصارع الفاشيون والجنرالات على من يقدم وعوداً أكثر تشدداً، متناسين أن عصر «الانتصار المطلق» بقوة السلاح قد ولى، وأن المنطقة برمتها لم تعد تحتمل أوهاماً الهيمنة الإقليمية ومشاريع «إسرائيل الكبرى» التي يروّج لها اليمين المتطرف. ففي غزة، يواصل الاحتلال جرائمه بحق المدنيين؛ وفي لبنان، يُدمَّر التراث الديني والمدني؛ وفي سوريا، تتمدد العصابات الاحتلالية تحت غطاء «الأمن» الوهمي.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تدرك إسرائيل أن استمرار احتلالها للأراضي الفلسطينية واللبنانية والسورية ليس مجرد خطأ إستراتيجي، بل هو انتحار سياسي يهدد مستقبلها كدولة، ويضع تحالفها الإستراتيجي مع واشنطن على حافة الهاوية؟ أم أن اليمين الفاشي المتطرف – بتواطؤ من معارضة جبانة – يصر على جر المنطقة برمتها إلى حرب إقليمية شاملة، في محاولة يائسة لتعويض فشلهم العسكري والإنساني؟
في تحليل لافت نشرته صحيفة «هآرتس»، يكشف المحلل العسكري عاموس هرئيل، أن إسرائيل تمتنع عمداً عن تنفيذ اتفاقات الانسحاب من المناطق المحتلة في لبنان وسوريا وغزة، وذلك «على إثر عدم قدرتها على تحقيق انتصار مطلق أو حسم في أي جبهة».
والأكثر إثارة للقلق، أن صناع القرار يلوحون بهذا الاحتلال كـ«الإنجاز المركزي» لإسرائيل – وكأن السيطرة على أراضٍ ليست لهم، واستباحة حياة الشعوب، يمكن أن تشكل بديلاً عن النصر الذي لم يحققوه.
ويؤكد هرئيل، أنه «ليس مريحاً لحكومة نتنياهو، أن تنفذ انسحابات كهذه عشية انتخابات الكنيست»، في إشارة صريحة إلى أن حسابات البقاء في السلطة تتغلب على أي اعتبار أخلاقي أو إستراتيجي. وتتفاقم المفارقة حين يرى اليمين المتطرف أن التمسك بالاحتلال ليس مجرد خيار عسكري، بل عقيدة دينية وسياسية لا تقبل النقاش، في الوقت الذي تلوح فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب – التي بدأ صبرها ينفد – بوقف جرائم الحرب الإسرائيلية وفرض خطة النقاط الـ15 التي طرحها مجلس السلام.
في هذا السياق، يأتي تحذير رام عمانوئيل – الداعم البارز لإسرائيل والمرشح الرئاسي المحتمل في انتخابات 2028 الأميركية – ليكشف عمق الأزمة. ففي خطاب ألقاه في تل أبيب، حذّر عمانوئيل، من أن السياسة الحالية لإسرائيل «ليست مستدامة سياسياً»، داعياً إلى وقف الدعم العسكري غير المشروط لإسرائيل.
وانتقد ما وصفه بـ«السياسة الأميركية التقليدية القائمة على الدعم غير المشروط من دون شروط أو عواقب»، معتبراً أنها «خلقت رئيس وزراء يعتقد أنه يستطيع تحقيق مصالحه الإستراتيجية دون الاكتراث بالمخاوف الأميركية».
ويقدم عمانوئيل، بديلاً واضحاً: «إسرائيل والولايات المتحدة على مفترق طرق بين التوجه إلى تسوية شاملة وبين استمرار الصراع وفقدان التحالف الإستراتيجي».
ويستند في ذلك إلى مبادرة الجامعة العربية – التي تضم 57 دولة إسلامية – والتي تقدم لإسرائيل اعترافاً وتطبيعاً وسلاماً شاملاً مقابل إنهاء الاحتلال. ويتساءل عمانوئيل، بسخرية لاذعة: «ماذا تريدون أكثر»؟
جبن الجنرالات وعبادة القوة العمياء
يكشف الكاتب أوري بار- يوسف في تحليله بصحيفة «هآرتس» بعنوان «لقد حان الوقت لقادة المعارضة لإظهار أنهم جديرون بالقيادة والتحدث عن القضية الشائكة: الاحتلال» عن ظاهرة مقلقة: قادة المعارضة يتجنبون بشكل منهجي الخوض في قضية الاحتلال خلال الحملة الانتخابية، بحجة أن «معظم الإسرائيليين ينظر إلى انهاء الاحتلال بأنه تنازل عن أمن إسرائيل، لذلك فإنه محظور التحدث عنه».
مواقف أبرز الجنرالات:
غادي آيزنكوت: يرى أن الحل يكمن في بناء القوة والنفوذ، وسياسة أمنية تقوم على الردع، والسعي لتحقيق نصر حاسم – وكأن القوة وحدها كفيلة بحل أزمات العقل.
نفتالي بينيت: يعتقد أن حل المشاكل الأمنية يكمن في اتفاق تطبيع مع السعودية يمكن تحقيقه من دون إقامة دولة فلسطينية – وكأن التطبيع يمكن أن يشتري الأمن من دون معالجة جذور الصراع.
بني غانتس: يرى أن الأمن يقوم على ركيزة أمنية قوية وركيزة القيم الديمقراطية والليبرالية – متناسياً أن الديمقراطية لا يمكن أن تبنى على أنقاض الحقوق الفلسطينية.
يئير غولان: أوضح أن الطريق إلى الأمن يكمن في الانفصال عن الفلسطينيين، رغم أنه لم يذكر كلمة «احتلال» صراحة – وكأن الانفصال يمكن أن يمحو واقع الاحتلال القائم.
أما اليمينيون، فكانت حلولهم مختلفة في الصياغة ولكنها متطابقة في الروح العنصرية، حيث دعا بن غفير، إلى «تشجيع الفلسطينيين على الهجرة من قطاع غزة ومن الضفة الغربية»، بينما رأى سموتريتش، أن مفتاح الأمن يكمن في منطق «الجدار الحديدي» لجابوتنسكي – وهو منطق يستند إلى القوة العمياء والتطهير العرقي المقنّع.
وهم أمني يخفي شروراً متعددة
يقدم الباحث في «مركز ديان» في جامعة تل أبيب، ميخائيل ميلشتاين، في صحيفة «يديعوت أحرونوت» تحليلاً أعمق لهذه الظاهرة، حيث يرى أنه «بغياب قدرة إسرائيل على إظهار انتصار مطلق أو حسم في أي جبهة، تحول مفهوم السيطرة على منطقة إلى الإنجاز المركزي الذي يلوح به صناع القرار».
ويحذر من أن هجوم 7 أكتوبر 2023 لم يحدث لأن الجيش لم يكن منتشراً عند الخطوط الحالية، بل بسبب «ثقة بالنفس لحد الغرور وجمود فكري واستهزاء بالعدو الفلسطيني».
ويشير ميلشتاين، إلى تطور «شرور» ناتجة عن المكوث الجامد في الأراضي المحتلة، مثل عمليات القتل الممنهجة في غزة، وعدم الاكتراث باستهداف المدنيين نساء وأطفالاً، وتدمير مواقع دينية مسيحية في لبنان، وضعف الطاعة في الجيش الإسرائيلي.
ويتوقع أن يؤدي هذا الوضع إلى «حرب استنزاف داخل أو عند حدود الأحزمة الأمنية المحتلة في غزة ولبنان وسوريا – الثلاثة» – وهي حرب ستأكل الأخضر واليابس، ولن توقفها إلا تسوية سياسية جريئة.
في هذا السياق، يشير بار-يوسف إلى أن نانسي بيلوسي، أبرز الداعمين في الكونغرس الأميركي لصالح إنهاء المساعدة العسكرية، تصاعد التوتر بشكل عام بسبب مواقفها. ويذكر أن «النفور المتزايد عالمياً من الاحتلال يحول إسرائيل إلى دولة منبوذة ومعزولة» – وهو تحذير لا يقل خطورة عن التهديدات العسكرية، إذ إن العزلة الدولية ستجرد إسرائيل من شرعيتها الأخلاقية والسياسية، وستجعلها عرضة لعقوبات دولية قد تطول وجودها ذاته.
في غزة، يُستباح المدنيون تحت أنقاض المنازل التي قصفتها الطائرات الإسرائيلية، وفي لبنان، تُدمَّر الكنائس والمساجد في مشهد يعكس عنصرية الاحتلال المتطرفة، وفي تل أبيب، يتصارع الفاشيون والجنرالات على من يقدم وعوداً أكثر تشدداً، بينما يلوح اليمين المتطرف باحتلال الأراضي الفلسطينية واللبنانية والسورية كـ«إنجاز مركزي» – وكأن السيطرة على حياة الشعوب يمكن أن تكون إنجازاً يُفتخر به في القرن الحادي والعشرين!
وفي واشنطن، يقدم الداعمون الليبراليون دعمهم غير المشروط لإسرائيل وكأنها قضية مقدسة، بينما يحذر عمانوئيل – المرشح الرئاسي المحتمل – من أن السياسة الحالية «ليست مستدامة سياسياً». ويقدم حل الدول الـ23 المستند إلى مبادرة الجامعة العربية – 57 دولة إسلامية مقابل انسحاب وانهاء الاحتلال، ويتساءل بسخرية لاذعة: «ماذا تريدون أكثر»؟
فهل تدرك إسرائيل أن استمرار احتلالها يضعها على مفترق طرق حاسم بين التوجه إلى تسوية شاملة تستند إلى مبادرة السلام العربية، وبين استمرار الصراع وفقدان التحالف الإستراتيجي مع الولايات المتحدة، وتحولها إلى دولة منبوذة ومعزولة دولياً؟
في هذه اللحظة التاريخية، تقف إسرائيل أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانسحاب من الأراضي المحتلة والانخراط في سلام إقليمي شامل يعترف بحقوق الشعوب، وإما الاستمرار في أوهام التوسع والتمدد التي يقودها اليمين الفاشي المتطرف، والتي ستقود المنطقة برمتها إلى حرب إقليمية شاملة لن يسلم منها أحد. والأسوأ من ذلك، أن هذا الخيار الثاني سيضع إسرائيل في مواجهة تاريخية مع التحالف الإستراتيجي مع واشنطن، وسيجردها من أي شرعية أخلاقية أو سياسية، تاركاً إياها وحيدة في مواجهة غضب المنطقة والعالم.
