إلى من دنّس أقدس البقاع


تظل مكة المكرمة، بما تحتضنه من المسجد الحرام والكعبة المشرفة، أقدس بقاع الأرض ومهوى أفئدة المسلمين في مختلف أنحاء العالم، ومكاناً ارتبط في وجدان الأمة الإسلامية بمعاني الأمن والسلام والعبادة والطمأنينة.

من هنا، فإن أي تهديد يطول أمن مكة المكرمة أو محيطها لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تطور عسكري عابر، بل يُمثل مساساً بمكانة دينية وإنسانية تتجاوز حدود المملكة العربية السعودية إلى أكثر من مليار مسلم حول العالم.

وفي هذا السياق، أثارت هجمات جماعة الحوثيين واستهدفت مناطق باتجاه مكة المكرمة وما حولها إدانات واسعة، خصوصاً أن الأمم المتحدة وصفت في عام 2016 استهداف منطقة مكة المكرمة، بأنه تطور خطير يمس مشاعر أكثر من 1.5 مليار مسلم حول العالم.

كما شهدت السنوات اللاحقة إطلاق صواريخ بالستية وهجمات أخرى باتجاه أراضي المملكة، في إطار تصعيد عسكري واسع النطاق.

وفي أحدث تطور، أعلنت المملكة في سبتمبر الجاري اعتراض وتدمير طائرة مسيّرة للحوثيين جنوب مكة قبل دخولها المجال الجوي المحظور للمدينة.

وتكتسب هذه التطورات خطورتها من طبيعة المكان المستهدف أو المهدد؛ فمكة المكرمة ليست مدينة عادية، وإنما هي قبلة المسلمين، وفيها المسجد الحرام والكعبة المشرفة، ويقصدها المسلمون من مختلف دول العالم لأداء الحج والعمرة.

ولذلك، فإن تهديد أمنها يثير مشاعر دينية عميقة ويضع مسؤولية حماية أمنها وسلامة زوارها في مقدم الأولويات.

كما أن تكرار الاعتداءات الحوثية العابرة للحدود يثير تساؤلات واسعة حول طبيعة الخيارات العسكرية التي تتبناها الجماعة ومدى مراعاتها للقواعد التي تحمي المدنيين والأماكن ذات الحساسية الدينية.

وقد وثقت الأمم المتحدة في تقاريرها السابقة هجمات حوثية عبر الحدود استهدفت مدنيين وبنية تحتية مدنية في السعودية والإمارات، إلى جانب تهديدات متعمدة طالت مواقع مدنية.

إن خطورة الوصول بالتصعيد إلى محيط مكة المكرمة تكمن أيضاً في أنه يضع المنطقة أمام سابقة بالغة الحساسية؛ فالمجتمع الدولي مطالب بالتعامل مع أمن الأماكن المقدسة باعتباره قضية تتصل بالأمن والسلام الإقليمي والدولي، وليس مجرد جزء من الصراع العسكري الدائر في اليمن.

ومن هذا المنطلق، فإن حماية مكة المكرمة والمسجد الحرام، مسؤولية تتجاوز الاعتبارات السياسية والعسكرية، لأنها ترتبط بحرمة دينية راسخة لدى المسلمين.

كما أن تجنيب الأماكن المقدسة أي أعمال عسكرية أو تهديدات صاروخية أو مسيّرة يمثل ضرورة أخلاقية وإنسانية وقانونية، ويجب أن يكون محل توافق دولي واضح.

وتبقى مكة المكرمة رمزاً للسلام والعبادة والوحدة الإسلامية، ومن ثم فإن تحويل محيطها إلى مجال للتهديد أو التصعيد العسكري يتعارض مع طبيعتها ومكانتها.

والمطلوب هو تغليب لغة العقل والحوار، واحترام حرمة المقدسات، والعمل على منع استهدافها أو تعريض أمن زوارها وسكانها للخطر، بما يحفظ لمكة المكرمة مكانتها بوصفها قبلة المسلمين ومركزاً روحياً يجتمع حوله المسلمون من مختلف أنحاء العالم. فحسبي الله ونعم الوكيل في من ضل عن السبيل… والله الموفق.

[email protected]





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *