أعلن فريق وكالة «ناسا» العلمي المشرف على مهمة مسبار المركبة الفضائية «بيرسيفيرنس» أن المركبة عثرت على أدلة دامغة على أن الماء تدفق بقوة عبر فوهة «جيزيرو» على كوكب المريخ قبل 3.7 مليار عام، تاركاً بصماته في صخور رسوبية لم تشهد الأرض مثيلاً لها إلا في الأنهار السريعة.
وأوضح الباحثون في ورقة نُشرت بدورية «Science» أن تحليل عينات الصخور باستخدام مطياف الأشعة تحت الحمراء كشف عن «تمايز طفيف في حبيبات السيليكا والطين» لا يمكن تفسيره إلا بوجود مياه سائلة جرفت الطبقات القديمة.
وقال الدكتور كينيث فارلي، كبير علماء المهمة في معهد «كالتيك»، في مؤتمر صحافي عن بُعد: «إنها المرة الأولى التي نرى فيها بنية كيميائية تشير إلى أن النهر الذي كنا نراه من المدار قد ترك بالفعل توقيعه الجزيئي في كل شق من تلك الصخور».
وأضاف أن هذه الاكتشافات تعزز فرضية أن «جيزيرو» كانت بحيرة متصلة بشبكة أنهار نشطة، ما يعني أن الكوكب الأحمر تمتع بغلاف جوي أكثر كثافة وسطح مائي دائم.
ومن أهم المؤشرات الجيولوجية التي عثر عليها «بيرسيفيرنس»:
• تموجات صخرية دقيقة (ضمن مقياس المليمتر) لا تتشكل إلا في مجاري المياه الجارية بعمق لا يقل عن 30 سنتيمتراً.
• معدن «السيلادونيت» النادر الذي ينشأ فقط في بيئات المياه العذبة المستقرة على مدى آلاف السنين.
• انفصالات طبقية تشبه دلتات الأنهار الأرضية، محفوظة بشكل استثنائي بسبب التبخر السريع للبحيرة القديمة.
ولفت مدير قسم علوم الكواكب في «ناسا»، الدكتور لوري غليز، إلى أن فهم طبيعة تلك المياه سيساعد في تضييق نطاق البحث عن أحافير ميكروبية محتملة، لأن الحياة كما نعرفها تحتاج إلى مياه سائلة لمئات آلاف السنين.
وأشار إلى أن المسبار أخذ بالفعل سبع عينات أساسية من تلك الصخور ستُعاد إلى الأرض عبر مهمة «Mars Sample Return» بحلول العام 2031 لتحليلها في مختبرات متطورة.
من جهة أخرى، تساءل باحثون أوروبيون عن قدرة هذه البيئة المائية على دعم كائنات حية أولية، في ظل حموضة عالية ومستويات إشعاع كانت أكبر بـ50 مرة من الحاضر. لكن الفريق الأميركي أكد أن الأدلة الجديدة تُظهر «نافذة مناسبة للسكن» امتدت لربما قرابة 200 مليون سنة، وهو وقت كافٍ لنشأة أبسط أشكال الحياة إن وُجدت.
وبينما تستعد المركبة «بيرسيفيرنس» لتسلق حافة فوهة «جيزيرو» الشهر المقبل، يبقى السؤال الأبرز: هل كانت أجواء المريخ دافئة ورطبة بما يكفي لظهور كائنات حية، أم أن الماء كان حامضياً ساماً لا يصلح إلا لعالم صخري معادٍ؟
