الأصول أغلى… أم النقود أرخص؟


لم تكن العملات الكبرى مجرد أوراق ومعادن، بل انعكاساً للقوة الاقتصادية والمالية التي تقف خلفها. وحين تتغير تلك القوة، لا تختفي العملة فجأة، لكنها تفقد تدريجياً بعض قدرتها على حفظ القيمة. لذلك قد لا يكون السؤال الأهم، أي عملة ستقود العالم؟ بل، أين تستقر الثروة حين لا يعود الاحتفاظ بالنقد وحده كافياً؟ فما يبدو ارتفاعاً في أسعار الأصول يعكس، في جانب منه، تراجع القوة الشرائية للنقد التي نقيسها به. وإذا كانت كل مرحلة اقتصادية سابقة حملت اسم عملة، فإن المرحلة القادمة قد تحمل اسم الأصول.

ارتبط صعود العملات الكبرى بمصادر القوة في عصرها، فكان لكل منها سند حقيقي. انتشر البيزو الإسباني، المعروف بقطعة الثمانية، مستنداً إلى محتواه من الفضة واتساع التجارة. ثم برز الغيلدر الهولندي مع صعود أمستردام مركزا للتجارة والتمويل، وحمل الجنيه الإسترليني ثقل الصناعة والبحرية البريطانية.

أما الدولار، فصعد مع اتساع قوة الاقتصاد الأميركي، وترسخت مكانته بعد اتفاق بريتون وودز عام 1944 الذي ربطه بالذهب مباشرة. لم تكن قيادة أي منها صفة دائمة في العملة نفسها، بل انعكاساً للقوة التي تسندها.

وفي 1971، علقت الولايات المتحدة قابلية تحويل الدولار إلى الذهب للسلطات النقدية الأجنبية. لم ينته دور الدولار، لكنه دخل مرحلة لم تعد فيها مكانة العملات الكبرى قائمة على حق تحويلها إلى الذهب، بل على الثقة بالاقتصادات والمؤسسات والسياسات التي تقف خلفها. ولأول مرة صار ضامن الورقة هو الدولة وقوتها وحدهما. وبقي الدولار محور النظام المالي العالمي، لكن السؤال تغير منذئذ، لم يعُد هل يرتفع الأصل؟ بل كم فقد النقد من قيمته حتى بدا الأصل مرتفعاً؟

لا يعني ذلك أن الدولار على وشك السقوط، أو أن العملات الورقية ستختفي. فالنقد ضروري للرواتب والتجارة وتسوية الالتزامات، والاحتفاظ بسيولة يمنح الأفراد والشركات قدرة على مواجهة الطوارئ واقتناص الفرص. لكن الخلط بين السيولة والثروة هو المشكلة. فما نحتاج إليه في المدى القريب ليس بالضرورة أفضل ما نحفظ به قدرتنا الشرائية لسنوات طويلة.

وتزداد أهمية هذا التمييز مع ارتفاع الديون العامة. فقد قدر صندوق النقد الدولي الدين العام العالمي بنحو 94 % من الناتج 2025، وتوقع بلوغه 100 % بحلول 2029، أي قبل سنة من توقعاته السابقة. كما تجاوز إجمالي ديون الحكومات والأسر والشركات 365 تريليون دولار النصف الأول 2026، وفق تقرير معهد التمويل الدولي الصادر الأسبوع الماضي، الذي لاحظ أن تراجع نسبة الدَين إلى الناتج عن ذروة 2021 يعود في معظمه إلى تضخم رفع الناتج الاسمي، لا إلى خفض فعلي للمديونية.

أي أن الدَين تآكل ولم يسدد. وإذا كان ضامن العملة قوة الدولة، فإن ما يثقل الدولة يضعف عملتها، خصوصا حين يصبح التضخم أسهل الحلول سياسياً لتخفيف عبء الدين. وهنا تتضح السلسلة كاملة، ما دامت الديون تتزايد، فإن الدولة التي تضمن الورقة تزداد ثقلاً، وتضعف قدرة نقدها على حفظ القيمة، فيبدو كل أصل يقاس بهذا النقد أغلى، وينتقل الناس من الاحتفاظ بالنقد إلى الاحتفاظ بما له منفعة اقتصادية حقيقية.

وقد يخفف التضخم العبء الحقيقي للديون القائمة، لكن أصحاب الأرصدة النقدية يدفعون كلفته بتراجع ما تستطيع نقودهم شراءه. لهذا لا يكفي أن ينمو الرصيد بالأرقام، الأهم ما يتيحه من سكن وسلع وخدمات بعد سنوات. فقد يرتفع سعر منزل أو شركة بالعملة المحلية، لا لأن الأصل أصبح أفضل، بل لأن وحدة القياس نفسها أصبحت تشتري أقل. فلم ترتفع الأصول بقدر ما انخفضت العملة مقابل الأصول الموجودة أصلاً.

ولا يقتصر السؤال على الأفراد. فالبنوك المركزية نفسها، وهي الجهة التي تصدر النقد، اشترت نحو ألف طن من الذهب سنوياً على مدى أربع سنوات، ضعف متوسط العقد السابق، وفق المجلس العالمي للذهب، ونسبة قياسية منها تعتزم زيادة احتياطاتها. مَنْ يصدر الورقة يحتفظ بالمعدن.

من هنا تأتي أهمية الأصول، لا بوصفها ضمانة للربح، بل عودة إلى ما كان يسند العملة أصلا، شركة منتجة تستطيع تحقيق الأرباح ومواكبة ارتفاع التكاليف، أو عقار يدر دخلاً، أو موارد يحتاجها الاقتصاد، أو معادن ثمينة للتنويع. والقاسم المشترك بينها أن لها منفعة اقتصادية قائمة بذاتها، لا تعتمد على الورقة التي تقاس بها. وقد يرتفع سعر الأصل أيضا لأن أرباحه نمت أو منفعته تحسّنت، لا لأن النقد فقد قيمته. كما أن الأصل الجيد قد يصبح استثماراً ضعيفاً إذا اشتُري بسعر مبالغ فيه. لذلك يبقى حُسن الاختيار وإدارة المخاطر أهم من مجرد الانتقال من النقد إلى أي أصل.

مرّت المراحل الاقتصادية الكبرى وكل مرحلة تحمل اسم عملة، البيزو، ثم الغيلدر، ثم الجنيه، ثم الدولار. وفي تقديري، لن تحمل المرحلة القادمة اسم عملة، بل ستكون مرحلة الأصول، وسيتحوّل السؤال من العملة التي نحتفظ بها إلى الأصول التي نملكها. ليس انتقالاً إلى عالم بلا عملات، بل إعادة لكل شيء إلى موقعه، النقد للحركة والسيولة، والأصول المختارة بعناية لحفظ الثروة وتنميتها. وحين نرى أسعار الأصول تتضاعف عبر السنوات، فلنتذكر أن جزءاً من ذلك ليس صعوداً فيها، بل هو هبوط في النقد الذي نقيسها به، فالثروة لا تُقاس بعدد الأوراق التي نعدها، بل بما تحفظه لنا من قدرة على الشراء عبر الزمن.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *