– تقديرات بتضاعف استهلاك الطاقة إلى 945 تيراوات
– ساعة 2030… و1200 عام 2035
– استهلاك مراكز البيانات للكهرباء مرشح لتمثيل ثُمن إجمالي الطلب في الولايات المتحدة
– بمساعدة الذكاء الاصطناعي يمكن تحرير 175 جيجاواط من سعة النقل دون خطوط جديدة
اعتبرت شركة الوطني للثروات، في سلسلة تقارير قيادة الفكر، أن قصة الذكاء الاصطناعي (AI) على مدى السنوات الماضية، كانت تدور حول البرمجيات والشرائح الإلكترونية: النماذج القادرة على الكتابة، والبرمجة، والتفكير المنطقي، إضافة إلى المعالجات التي دربت عليها. وخلال هذه المرحلة، كانت الطاقة الكهربائية تُعامل كعنصر تشغيلي ثانوي لا يحظى باهتمام يُذكر من المستثمرين. إلا أن التوسع المتسارع في اعتماد تطبيقات الذكاء الاصطناعي غيّر هذه المعادلة؛ إذ لم يعد التحدي الرئيسي مقتصراً على قدرات الشرائح الإلكترونية، بل أصبح يتمثل في تأمين إمدادات كافية من الطاقة وتوفير البنية التحتية المادية اللازمة لدعم التشغيل على نطاق واسع.
وذكر التقرير أن المبالغ المستثمرة كبيرة بدرجة تؤثر بشكل مباشر على المحافظ الاستثمارية. وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية (IEA) لسعة مراكز البيانات إلى حجم استثمارات تراكمية يبلغ نحو 3.9 تريليون دولار حتى 2030.
حجم الطلب الفعلي
كما أشار التقرير إلى استهلاك مراكز البيانات ما يُقدّر بـ 485 تيراوات-ساعة (TWh) في 2025، أي نحو 1.5 % من إجمالي استهلاك الكهرباء العالمي (وفقًا لوكالة الطاقة الدولية). ولكن الأهم من الحصة الحالية هو سرعة النمو. فتتوقع التقديرات الرئيسية أن يتضاعف الاستهلاك أكثر من مرتين ليصل إلى نحو 945 تيراوات-ساعة بحلول 2030، وهو ما يزيد قليلاً عن إجمالي الاستهلاك الحالي لليابان، ليعود ويصل إلى 1200 تيراوات-ساعة بحلول 2035.
وبعد أن كان استهلاك مراكز البيانات للكهرباء يشكل حصة هامشية من الطلب الوطني قبل سنوات قليلة فقط، أصبح مرشحاً لتمثيل نحو ثُمن إجمالي الطلب على الكهرباء في الولايات المتحدة خلال السنوات المقبلة.
البنية التحتية المادية
ولفت التقرير إلى أن الطلب على الكهرباء يحوّل الصناعةَ من مجال افتراضي غير ملموس إلى صناعة مادية بحتة. فتشغيل الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع يتطلب توليد الطاقة.
ولا يوجد مصدر وقود واحد يحتكر المشهد. كما باتت شبكات الكهرباء تمثل عائقاً رئيسياً أمام التوسع، الأمر الذي يعود بالنفع على الجهات القادرة على تقديم حلول فعالة لهذه التحديات. إذ يتطلب تطوير خطوط نقل جديدة في الاقتصادات المتقدمة فترة تتراوح بين 4 و8 سنوات، فضلاً عن تضاعف فترات الانتظار للمحولات والكابلات خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
ويمكن بمساعدة الذكاء الاصطناعي تحرير ما يصل إلى 175 جيجاواط من سعة النقل دون الحاجة إلى بناء خطوط جديدة.
التمويل
ويتناول التقرير حجم الإنفاق لإعادة تمويل هذه المشاريع. فالمبلغ المقدر بنحو 3.9 تريليون دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة يُعد كبيراً جداً بحيث لا يمكن تغطيته من ميزانيات الشركات وحدها.
وبلغ متوسط إجمالي إصدارات الديون السنوية لأكبر 5 شركات تقنية (hyperscalers) حوالي 35 مليار دولار سنوياً بين عامي 2020 و2024، قبل أن يقفز إلى 93 ملياراً 2025 ونحو 132 ملياراً خلال الأشهر السبعة الأولى 2026، بحسب بيانات «فانغارد».
وتظهر هياكل تمويل جديدة إلى جانب الديون؛ ففي أغسطس 2026، أعلنت شركة «إنفيديا» عن شراكات مع العديد من مديري الأصول العالميين لإطلاق منصات تهدف إلى استقطاب أكثر من 500 مليار من رؤوس أموال المستثمرين، ما يمنح مشغلي السحابة والمؤسسات موارد تمويل مخصصة للأنظمة القائمة على تقنيات «إنفيديا».
بالنسبة للمحافظ الاستثمارية المتنوعة، فإن الانكشاف الحقيقي والأكبر على هذا القطاع قد يوجد في البنية التحتية، والائتمان الخاص، والأصول المادية، بدلاً من الاقتصار على أسهم التكنولوجيا المدرجة في الأسواق المالية.
فرصة لدول المنطقة
ويعتبر التقرير أن التحول يعنى المستثمرين في المنطقة بشكل مباشر. إذ تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يكون أكثر من نصف الطاقة المستهلكة من مراكز البيانات خارج الولايات المتحدة، في ظل بحث المشغلين عن الطاقة، والأراضي، والسيطرة الأكبر على الموارد الحسابية.
هنا تبرز دول الخليج باعتبارها من أكبر المستفيدين من هذا التحول العالمي؛ إذ تسعى شركة (HUMAIN) السعودية إلى تطوير سعة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تصل إلى 1.9 جيجاواط بحلول 2030، لتصل إلى 6.6 جيجاواط في 2034، فيما أعلنت الإمارات عن إنشاء مجمع في أبوظبي بقدرة 5 جيجاواط، يُعد من أكبر مشروعات مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي خارج الولايات المتحدة. كما خصصت قطر استثمارات كبيرة لتوسيع قدراتها في مراكز البيانات واسعة النطاق. وتتمتع المنطقة بعدد من المزايا التنافسية، تشمل انخفاض تكاليف الطاقة نسبياً، وتطور البنية التحتية للاتصالات، وموقعاً جغرافياً إستراتيجياً يتيح الوصول إلى شريحة واسعة من سكان العالم. وبالنسبة للمستثمرين الإقليميين، تمثل هذه التطورات فرصة استثنائية للاستفادة من أحد أهم الاتجاهات الهيكلية العالمية، والذي يتشكل وينمو في محيطهم المباشر.
مخاطر وتحديات
ويحذر التقرير من أن مسار النمو ليس خالياً من التحديات، ما يستوجب تقييماً دقيقاً للمخاطر المصاحبة له.
فالخطر الأول في مستوى الطلب نفسه. إذ تعتمد توقعات استهلاك الكهرباء المرتبطة بالذكاء الاصطناعي على افتراضات تتعلق بمعدلات تبني التكنولوجيا، وقدرتها على تحقيق الإيرادات، ومستويات الكفاءة التشغيلية. ومن الممكن أن تتغير هذه المعطيات بمرور الوقت، خاصة إذا أسهمت التطورات المتسارعة في تصميم الشرائح الإلكترونية والنماذج الذكية في خفض استهلاك الطاقة بوتيرة أسرع من المتوقع.
أما الخطر الثاني فيتعلق بكفاءة التنفيذ. فالتحديات المرتبطة بربط المشاريع بشبكات الكهرباء، وطول فترات توريد المعدات الأساسية، ونقص الكفاءات والعمالة المتخصصة، قد تؤدي إلى تأخير تنفيذ العديد من المشاريع. وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن جزءاً ملموساً من السعات المخطط إضافتها لمراكز البيانات يواجه مخاطر التأخير نتيجة هذه العوامل.
والخطر الثالث يكمن في الجانب المالي، فالبنية التحتية الداعمة للذكاء الاصطناعي تتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة، ما يجعل العوائد المستقبلية شديدة الحساسية لأي انحراف في الافتراضات الأساسية. كما أن هناك بُعداً اجتماعياً وتنظيمياً لا يقل أهمية، إذ قد يؤدي النمو السريع في الطلب على الكهرباء، إذا لم يُدر بكفاءة، إلى ارتفاع تكاليف الطاقة على الأسر والشركات، الأمر الذي قد يستدعي مزيداً من التدخل والإشراف التنظيمي.
ورغم أهمية المخاطر، فإنها لا تُغيّر من الاتجاه العام للنمو الذي يشهده القطاع، بل تؤكد ضرورة التعامل معه باعتباره فرصة استثمارية طويلة الأجل في مجال البنية التحتية.
أبرز 6 استنتاجات
1 – العائق الرئيسي للذكاء الاصطناعي ينتقل من الشرائح والبرمجيات إلى الكهرباء والبنية التحتية المادية، ما يحول القطاع من صناعة افتراضية إلى قصة طاقة وأصول مادية.
2 – من المتوقع أن يتضاعف الطلب العالمي على كهرباء مراكز البيانات أكثر من مرتين، من نحو 485 تيراوات-ساعة 2025 إلى نحو 945 تيراوات-ساعة 2030، مع اتجاه الولايات المتحدة لنحو 9 % إلى 17 % من الاستخدام الوطني للطاقة بحلول 2030، مقارنة بحوالي 4-5 % حالياً.
3 – تعتمد تلبية هذا الطلب على الطاقة المتجددة، والغاز الطبيعي، والطاقة النووية مستقبلاً، ما يعيد إحياء شركات المرافق، ومعدات الطاقة، وبنية الشبكات كقطاعات نمو بعد عقود من الركود.
4 – حجم الاستثمارات المترتبة حتى 2030 أكبر من أن تتحمله الميزانيات العمومية لشركات التكنولوجيا بمفردها، ما يفتح المجال أمام مستثمري البنية التحتية، والائتمان الخاص، والأصول المادية بدلاً من الاقتصار على أسهم التكنولوجيا المدرجة.
5 – تبرز منطقة الخليج كمركز رئيسي مع انتقال السعة إلى خارج الولايات المتحدة، ما يمنح المستثمرين الإقليميين فرص الانكشاف على اتجاه عالمي بالقرب من ديارهم.
6 – المخاطر حقيقية: عدم اليقين الواسع في حجم الطلب على الذكاء الاصطناعي، وعقبات الشبكات والمعدات، وكثافة رأس المال العالية، كلها عوامل تدعو إلى تبني نهج طويل الأجل ومتنوع بدلاً من الرهان المباشر المركز.
