في مقال نشره موقع psychologytoday.com، طرح اختصاصي الأمراض النفسية والعصبية الأميركي الدكتور جاستن غارسون فرضية بحثية جديدة من شأنها أن تُغيّر المعادلة العلاجية للاكتئاب من جذورها. فخلافاً للنموذج السائد الذي يُقدّم الاكتئاب باعتباره خللاً في الدماغ – ولا سيما نقص في هورمون السيروتونين يُصحَّح بالدواء – يقترح غارسون ما يُسمّيه «نظرية الإشارة الوظيفية»: أي أن الدماغ حين يصاب بالاكتئاب فإن ذلك لا يعني إصابته بخلل، بل يعني إرسال إشارة وظيفية تحذيرية.
وتستند هذه الفرضية إلى دراسة كانت قد نُشرت في مجلة «Cognition and Emotion»، قادتها إليزابيث نيلاند وزملاؤها في قسم الطب النفسي بجامعة «ميشيغان» الأميركية، وشملت ما يقارB300 مشارك. وأظهرت الدراسة نتيجتَين لافتتَين:
• أولاً، أن «نموذج خلل الدماغ» يُفضي الى نتائج علاجية أسوأ لدى المرضى.
• ثانياً، وهو ما ينقلب على حجج سابقة – أن وصف الاكتئاب بأن له سبباً بيولوجياً لا يُلحق الضرر في حدّ ذاته، وإنما الضارّ هو الزعم بأن «دماغك معطوب»، لا أنه يُؤدّي وظيفته التطورية بالشكل الذي نشأ عليه.
لكن هذا التحوّل الفرضي يُثير سؤالاً لا مفرّ من مواجهته: وظيفة لخدمة ماذا؟ يُقدّم الباحثون التطوريون منذ نحو ثلاثة عقود إجابات متعددة، جوهرها أن الاكتئاب يُنبّه المصاب إلى أن علاقاته الاجتماعية أو مساره في الحياة أو بيئته لا تسير كما ينبغي. ومن أبرز هذه الفرضيات «نظرية التنافس الاجتماعي» التي ترى أن الاكتئاب يُرسل إشارة استسلام حين يجد الفرد نفسه في وضع دوني ثابت، فتُحفّز هذه الإشارة على إعادة تقييم الأهداف والأدوار بدلاً من الاستمرار في صراع خاسر.
وفي معرض مناقشة الدلالات العلاجية لهذه الفرضية، يُنبّه غارسون إلى أن ذلك لا يعني التخلّي عن الأدوية بالضرورة؛ فتخفيف الألم بالمسكّنات لا يمنع جرّاح العظام من التصدي لكسر الساق. لكنه يدعو إلى توجيه ثقل المعالجة نحو طرح سؤال مختلف على المريض: «ما الذي يُخبرني به اكتئابي؟ وما الذي يحتاج إلى التغيير في حياتي؟» بدلاً من الاكتفاء بمحاولة إسكات الإشارة.
جديد بالذكر أن هذه الفرضية تتقاطع مع موجة واسعة من إعادة النظر في النموذج الكيميائي للاكتئاب، وذلك بعد أن فنّدت أبحاث موثّقة الادعاء بأن نقص السيروتونين هو سببه، فاتحة الباب أمام نماذج تفسيرية أكثر تعقيداً وأكثر أملاً في آنٍ واحد.
