– دعم كويتي للمؤسسة ورؤيتها التطويرية كدولة حاضنة للمقر
– قيادة الشيخ مبارك الصباح اتجهت إلى تعزيز حضور المؤسسة في بيئتها الخليجية وبناء منظومة من التفاهمات والشراكات الإستراتيجية التي تدعم دورها
– إبان الأوضاع الراهنة في المنطقة انتقلت من برامج الأطفال إلى صناعة الخطاب الإعلامي الخليجي الموحد في استجابة مؤسسية متميزة
في الذاكرة الخليجية، تحتفظ مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لمجلس التعاون لدول الخليج العربية بمكانة يصعب تجاوزها.
منذ تأسيسها عام 1976، حضرت المؤسسة في بيوت الخليج من خلال برامج الطفولة، والأعمال التربوية، والمحتوى الذي ساهم في تشكيل وجدان أجيال كاملة، كانت الشاشة يومها أقل ازدحاماً، وكانت الرسالة الإعلامية تصل إلى جمهور واسع عبر قنوات محدودة، فيما ارتبط اسم المؤسسة بالمحتوى العائلي والطفولي والقيم المشتركة.
اليوم، تتحرك المؤسسة في مشهد مختلف تماماً، الشاشات تعددت، والمنصات أصبحت جزءاً من الحياة اليومية، والروايات لم تعد تُدار عبر نشرات الأخبار وحدها، وإنما عبر مقاطع قصيرة، وحسابات مؤثرة، ومنصات عابرة للحدود، ومع هذا التحول، بدأت المؤسسة تدخل مرحلة جديدة تتجاوز استعادة الماضي إلى إعادة تعريف دورها المؤسسي ضمن المشهد الإعلامي الخليجي المتغير، ما استوجب الرهان على قيادات شبابية واعية للمتغيرات وأطر الحداثة الإعلامية.
في قلب هذه المرحلة يقف مديرها العام الشيخ مبارك فهد جابر الأحمد الصباح، الذي ارتبطت هذه المرحلة من مسيرة المؤسسة برؤيته الجديدة.
فمنذ توليه قيادة المؤسسة في يوليو عام 2024 بترشيح من وزارة الإعلام الكويتية وموافقة اللجنة الوزارية لوزراء الاعلام الخليجي وصدور القرار من الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، اتجه إلى التعامل معها باعتبارها مؤسسة خليجية ذات إرث قابل للتجديد والتطوير، ومساحة عمل إبداعية مشتركة يمكن أن تجمع بين الإعلام، والثقافة، والقوة الناعمة، وتعزيز الخطاب الخليجي الموحد.
فقد عزّز الارتباط بالمؤسسات الخليجية والشراكات الإقليمية والدولية، حيث سعى لبناء التوافق مع سياسات وزارات الإعلام والجهات الخليجية، وفتح مسارات جديدة للمحتوى الخليجي في منصات التأثير العالمية.
ومع احتفال المؤسسة بيوبيلها الذهبي، ظهرت أمامها لحظة انتقال واسعة، هناك إعادة ترتيب للداخل المؤسسي، وتطوير في منظومة الإنتاج، وتوسيع للنفوذ الإعلامي الخليجي عبر المنصات الرقمية، وشراكات خارجية، ودور أكثر تقدماً في تنسيق الخطاب الإعلامي الخليجي في الأزمات، هذه التحركات لا تقدم نفسها كأنشطة متفرقة، وإنما كملامح مرحلة قيادية جديدة تسعى إلى رفع الجاهزية المؤسسية، وتعظيم الأثر، وربط الإرث القديم بأولويات المستقبل.
وأقيم الحفل برعاية من سمو الشيخ أحمد عبدالله الأحمد الصباح، رئيس مجلس الوزراء في دولة الكويت وحضور ممثل سموه وزير الإعلام بالوكالة المهندس عمر سعود العمر، والذي أكد خلال كلمته بالإنابة عن سمو رئيس مجلس الوزراء دعم دولة الكويت للمؤسسة ورؤيتها التطويرية التي تقدمت بها للجنة الوزارية الخليجية والأمانة العامة، وذلك بحضور رسمي خليجي، وممثلين عن وزراء الإعلام في دول المجلس، والأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، ورواد الفن الذين ارتبطت أسماؤهم بأعمال المؤسسة، إلى جانب جيل جديد من صناع المحتوى.
بدا المشهد وكأنه يختصر رحلة المؤسسة، ذاكرة حاضرة، وقيادة تنفيذية تحاول أن تنقل المؤسسة إلى مساحة أوسع من العمل والتأثير وبدعم مستمر ومستدام من دولة الكويت كدولة مقر حاضنة للمؤسسة.
مؤسسة تقليدية في مشهد جديد
طوال سنوات، عُرفت المؤسسة كبيت إنتاج خليجي مشترك، له حضوره في برامج الطفل والأسرة والمحتوى التربوي، ومع تغير البيئة الإعلامية، أصبح السؤال، كيف يمكن لمؤسسة تأسست في زمن التلفزيون التقليدي أن تحتفظ بتأثيرها في زمن المنصات، وأن تتحول من منتج محتوى إلى لاعب في تشكيل السردية الخليجية؟
خلال عام 2026، بدأت الإجابة تظهر من خلال سلسلة تحركات انطلقت منذ منتصف عام 2024 شملت الإنتاج، والحضور الرقمي، والشراكات، والإدارة الداخلية، فقد وسعت المؤسسة اهتمامها بمشاريع تتصل بالسياحة، وأدب الطفل، والتنمية، والتوعية المجتمعية، والهوية الخليجية.
كما عملت على تطوير منصاتها الرقمية وفتح نوافذ لها في المنصات الخليجية «منصات OTT-VOD»، وتعزيز حضورها في وسائل التواصل الاجتماعي، وفتح قنوات تعاون مع جهات خليجية ودولية.
داخل المؤسسة، جرى قبل ذلك مسار لا يقل أهمية، إعادة هندسة عدد من الإجراءات بما يخدم كفاءة التشغيل وسرعة اتخاذ القرار ورفع دراسة متكاملة للجنة الوزارية لوزراء الإعلام في دول مجلس التعاون الخليجي لتعظيم دور المؤسسة في المجتمع الخليجي بما يتوافق مع التحولات الرقمية والاقتصاد الإبداعي لتكون المؤسسة راعياً للمشاريع الإعلامية المبتكرة من القطاع الخاص وليس منافساً لها.
كما جرى توقيع اتفاقية مقر للمؤسسة كمنظمة دبلوماسية مقرها دولة الكويت في خطوة تحقق للمؤسسة وموظفيها امتيازات تسهّل لهم أعمالهم وتضمن لهم بيئة عمل متميزة، هذه التفاصيل لا تظهر عادة للمشاهد، لكنها تصنع الفرق في قدرة أي مؤسسة على التحرك، خصوصاً عندما تكون مؤسسة خليجية مشتركة تتعامل مع أطراف متعددة وتحتاج إلى مواءمة ومرونة مستمرة بين الأولويات.
الشيخ مبارك ومساحة التوافق الخليجي
في مؤسسة تحمل صفة «المشترك»، لا تكفي الرؤية الفنية وحدها، النجاح يحتاج إلى قيادة قادرة على قراءة المشهد، وتقدير اللحظة، وجمع الأطراف، وتنسيق المصالح، وبناء التوافق حول مشروعات قابلة للتنفيذ، هنا يظهر جانب أساسي من مرحلة الشيخ مبارك فهد جابر الأحمد الصباح.
فقد اتجهت قيادته إلى تعزيز حضور المؤسسة في بيئتها الخليجية، وبناء منظومة من التفاهمات والشراكات الإستراتيجية التي تدعم دورها كمؤسسة إعلامية خليجية متكاملة وفاعلة، تعمل على ترجمة الأولويات والرؤى الخليجية إلى رسائل إعلامية ومحتوى هادف يُسهم في ترسيخ الهوية الخليجية ودعم مسيرة التنمية في شتى المجالات.
ويتجلى ذلك بوضوح من خلال الجولة الخليجية التي قام بها الشيخ مبارك فهد الجابر الصباح، إلى وزارات الإعلام والمؤسسات الخليجية في القطاعين العام والخاص، والتي هدفت إلى عرض رؤية المؤسسة الجديدة وتعزيز حضورها في محيطها الخليجي، إلى جانب توسيع مجالات التعاون والشراكة مع مختلف الجهات الإعلامية والثقافية والإبداعية.
كما حرصت المؤسسة على التواجد الفاعل والمشاركة في أبرز الفعاليات الخليجية، من ملتقيات ومنتديات ومؤتمرات واجتماعات واحتفالات، بما يعكس توجهها نحو بناء منظومة خليجية إعلامية متكاملة تقوم على التعاون وتبادل الخبرات وتوحيد الرسائل الإعلامية بما يخدم الأولويات الخليجية المشتركة.
وقد حظيت تحركات المؤسسة بقيادة مديرها العام الشيخ مبارك الصباح، بترحيب وثقة من وزارات الإعلام والمؤسسات الخليجية، لما اتسمت به من رؤية متوازنة تجمع بين الانفتاح المهني والإدارة الدبلوماسية الواعية للتحديات، الأمر الذي أسهم في إعادة ترسيخ مكانة المؤسسة كمنظومة خليجية فاعلة في صناعة المحتوى الإعلامي والثقافي الهادف.
إصلاح داخلي يسبق الصورة ومؤشرات مالية مستدامة
في المؤسسات الإعلامية، يرى الجمهور المنتج النهائي، برنامجاً جديداً، حملة، وثائقياً، أو حضوراً على منصة عالمية، أما التحول الحقيقي فيبدأ غالباً خلف الكواليس، في طريقة اتخاذ القرار، وفي وضوح المسؤوليات، وفي قدرة المؤسسة على إدارة الفكرة من بدايتها حتى وصولها إلى الجمهور.
في مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك، حملت المرحلة الأخيرة عملاً داخلياً واضحاً لإعادة ضبط آليات التشغيل وتوسيع الشراكات مع القطاع الخاص وحوكمة الإجراءات بشفافية ضمن توجه لتعظيم جودة الإنتاج، وتوضيح خطوط المسؤولية، وتعزيز التكامل بين القطاع الخاص والمؤسسة بما يساهم في رفع جودة الإنتاج الخليجي.
ومن الخطوات اللافتة، إنشاء لجنة فنية تضم خبراء ومختصين لمراقبة وضبط جودة الأعمال والمشاريع والمقترحات من المؤسسات الخليجية والقطاع الخاص والأفراد، هذه اللجنة منحت عملية الإنتاج مساراً أكثر مهنية، بحيث لا تمر الأعمال إلى التنفيذ اعتماداً على الحماس أو العلاقات أو المبادرات الفردية، وإنما من خلال قراءة فنية ومؤسسية للفكرة، وجدواها، واتساقها مع هوية المؤسسة وأهدافها.
وتتجه اللجنة الفنية خلال عام 2026 إلى مرحلة أكثر تقدماً، تشمل بناء شراكات وتعاون مع جهات وشركات كبرى، من بينها جهات غير ربحية، والعمل على إحداث تحولات جذرية في منظومة استقطاب العروض الفنية والأفكار الإبداعية، سواء جاءت من الشركات، أو الأفراد، أو الجهات الحكومية، كما يجري العمل على تطوير دليل إجرائي متكامل ينظم آليات استقبال العروض، ودراستها، والرد عليها بأسلوب مؤسسي قائم على التحول الرقمي، بما يعزز الشفافية، ويرفع كفاءة الإنجاز، ويمنح أصحاب الأفكار مساراً واضحاً للتعامل مع المؤسسة.
الجدير بالذكر، أن المؤسسة تعكف على دراسة دخولها المسرح كنافذة من نوافذ الإنتاج الفني والاقتصاد الإبداعي ومن المقرر أن يتم عرض أول مسرحية من إنتاج المؤسسة في عام 2027 على المسرح الجديد للمؤسسة، والذي يتم تطويره وصيانته الآن ضمن خطوات لرفع جاهزية المؤسسة الإنتاجية من تطوير مرافقها بشكل يضمن جودة الأداء.
وتجدر الإشارة إلى أن تطوير المسرح من ضمن الخطوات الإستراتيجية في تطوير الموارد المالية وتحقيق الاستدامة المالية.
كما أن توجه المؤسسة إلى التعاون مع شركات الإنتاج الخليجية، بما فيها الشركات الشبابية والناشئة، يشير إلى نموذج جديد في إدارة الإنتاج، فالمؤسسة تتحرك باتجاه أن تكون جهة تخطيط وإشراف وضبط جودة، وفي الوقت نفسه منصة لتمكين الاقتصاد الإبداعي الخليجي، وفتح المجال أمام المواهب والشركات الجديدة للمشاركة في تنفيذ أعمال تحمل الهوية الخليجية وتلتزم بمعايير مهنية أوضح.
الظروف الإقليمية الراهنة والاستجابة الإعلامية المؤسسية
جاءت الحرب الأخيرة والعدوان الإيراني الآثم على دول مجلس التعاون الخليجي وما تمر به المنطقة من ظروف دقيقة وتحولات إقليمية ودولية لتضع المؤسسة أمام اختبار حقيقي، في تلك اللحظة، لم تكن الحاجة إلى محتوى إعلامي عادي، وإنما إلى استجابة إعلامية إستراتيجية قادرة على تنسيق الرسائل الإعلامية الخليجية، وتعزيز وضوح الموقف العام، ومواجهة حملات التضليل، وصون تماسك الرواية الخليجية.
تحركت المؤسسة ضمن هذا السياق، مستندة إلى موقعها كبيت إعلامي خليجي مشترك، وقد حظيت مرئياتها بدعم وزراء الإعلام في دول مجلس التعاون، بما شمل إعداد وإنتاج برنامج تلفزيوني يوحد الصوت الخليجي، وتنسيق الرسائل الإعلامية، والتواصل مع القنوات الإقليمية والدولية، والعمل على الدليل الاسترشادي للخطاب الإعلامي الخليجي الموحد بالتنسيق مع الأمانة العامة والدول الأعضاء.
أهمية هذا الدليل أنه يأتي في توقيت تواجه فيه المنطقة حملات تضليل واستقطاب رقمي، لذلك جاءت ضرورة وجود إطار مهني يساعد المؤسسات الإعلامية على تعزيز ضبط خطابها، وتوحيد مفاهيمها، وتقدير حساسية اللحظة، والحد من الارتباك في المجال العام.
يقدم الدليل بوصلة للخطاب الخليجي الموحد في الأزمة، خطاب موحد وواضح ومتماسك، وقادر على حماية الثقة العامة، وهذا النوع من العمل الإعلامي يقترب من مفهوم الأمن الإعلامي، حيث تصبح الرسالة جزءاً من حماية الوعي، لا مجرد تعليق على الحدث.
أكثر من نحو 50 مادة إعلامية خلال الظروف الراهنة
خلال الأزمة والظروف الراهنة التي تمر بها المنطقة، لم تقف المؤسسة عند إعداد التصورات، فقد أنتجت وبثت أكثر من 50 مادة إعلامية تضمنت رسائل توعوية ومعنوية ومجتمعية، وجرى توزيعها عبر التلفزيونات والمنصات الخليجية ومواقع التواصل الاجتماعي وبتعاون غير مسبوق مع المؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي، ووفق بيانات لأعمال المؤسسة، فقد تجاوز مستوى الانتشار والتأثير الرقمي لعدد من المواد الإعلامية عشرات ملايين المشاهدات عبر المنصات المختلفة.
هذه الأرقام تمنح التحول بعداً عملياً، فالمؤسسة أصبحت تتعامل مع المحتوى كرسالة تمر بدورة كاملة، تحديد الفكرة، إنتاجها، تكييفها مع المنصات، توزيعها وتسويقها، ثم متابعة أثرها. وفي زمن تتسابق فيه الروايات عبر الهواتف والمنصات، تصبح هذه القدرة شرطاً أساسياً لتعظيم الأثر، وضبط الإيقاع، وحماية وضوح الموقف العام.
كما أن التعاون مع مؤثرين وجهات إعلامية خليجية منح الرسائل مساحة أوسع للتحرك خارج القنوات الرسمية وحدها، وهذا مهم في بيئة إعلامية يتلقى فيها الجمهور رسائله من مصادر متعددة، ولا ينتظر دائماً الشاشة التقليدية.
«جسر الخليج» وصوت خليجي مستمر
من المشاريع التي ولدت من رحم الظروف الراهنة، جاءت فكرة برنامج «جسر الخليج»، الذي تعمل المؤسسة على إعداده بالتعاون مع وزارة الإعلام في دولة الكويت. البرنامج مصمم ليكون مساحة دورية لتوحيد الخطاب الإعلامي الخليجي، وليتاح بثه عبر التلفزيونات والمنصات الخليجية بواقع حلقة شهرية في مرحلته الأولى، وحلقة أسبوعية في مرحلته الثانية.
أهمية البرنامج أنه ينقل تجربة الأزمة إلى مسار مستدام، فالخطاب الموحد لا يظهر فقط عندما تشتد الأحداث، هو يحتاج إلى حضور دوري يتابع القضايا المشتركة، ويعزز الوعي الخليجي، ويقدم رواية متماسكة حول الملفات التي تمس دول المجلس.
نجاح هذا النوع من البرامج لا يعتمد على جودة الإنتاج وحدها، بل يحتاج إلى شبكة مراسلين، ومشاركة مؤسسات إعلامية خليجية، وتنسيق مع وزارات الإعلام، وقدرة على تقديم مضمون مشترك من دون أن يتحول إلى خطاب رسمي ثقيل، وهذا ما يجعل «خليج العز» اختباراً جديداً لدور المؤسسة كمنسق، ومنتج، ومنصة خليجية للتواصل الإعلامي المشترك.
«دروب أريكة» على «Netflix»… قوة ناعمة خليجية
على مستوى الانتشار الدولي، شكل عرض برنامج «دروب أريكة» على منصة «Netflix» خطوة لافتة في مسار المؤسسة، فالعمل خرج من نطاق البث التقليدي إلى منصة عالمية شديدة التنافس، وتابعته شرائح من الجمهور داخل الخليج وخارجه.
البرنامج يقدم دول مجلس التعاون من زاوية ثقافية وسياحية وبصرية، ويراهن على الصورة والحكاية والمكان. وبعد عرضه على المنصة، حقق مؤشرات مشاهدة لافتة، حيث سجل نسب مشاهدات مرتفعة في الخليج وخارج المنطقة تمثلت في تبوؤه أكثر خمسة أعمال مشاهدة في منطقة الخليج على منصة «نتفليكس».
غير أن القيمة الأعمق لهذه الخطوة لا تقف عند حدود الترفيه أو الانتشار، بل إن وصول «دروب أريكة» إلى «Netflix» يمثل إيصالاً للرواية الثقافية الخليجية إلى إحدى منصات التأثير العالمية. هنا يتحول المحتوى السياحي والثقافي إلى أداة قوة ناعمة، تقدم الخليج بصورته الإنسانية والحضارية، وتفتح باباً أمام حضور أوسع للمحتوى الخليجي في منصات عالمية أخرى خلال المرحلة المقبلة.
هذه التجربة تمنح التوجه الجديد للمؤسسة مصداقية عملية، فالنقاش حول المنصات العالمية لم يعد فكرة مستقبلية أو طموحاً عاماً، وإنما تجربة حدثت فعلاً، وحققت مؤشرات يمكن البناء عليها، ومع تحسن منظومة الحوكمة وجودة الإنتاج داخل المؤسسة، يصبح الانتقال إلى منصات التأثير العالمية مساراً قابلاً للتطوير، لا حدثاً منفرداً.
خارطة إنتاجية تجمع الذاكرة بالمستقبل
رغم انفتاح المؤسسة على أدوار جديدة في الخطاب الإعلامي والأزمات والمنصات العالمية، فإنها لم تغادر مجالها التاريخي في إنتاج المحتوى التربوي والأسري، مشاريع مثل «مسلسل جمول» تستعيد علاقة المؤسسة بالطفل، من خلال لغة جديدة تربط الجيل الصغير برموز البيئة الخليجية، وفي مقدمتها الجمل بما يحمله من حضور في الذاكرة والمكان.
أما مسلسل «كلمة راس»، المكوّن من 30 حلقة، فيذهب إلى القضايا الاجتماعية اليومية، خصوصاً ما يتصل بالشباب والمراهقين، عبر حلقات تحمل رسائل قيمية وتوعوية، وهناك أيضاً الفيلم الوثائقي عن مسيرة المؤسسة، الذي يأتي في توقيت اليوبيل الذهبي ليعيد قراءة خمسة عقود من العمل الإعلامي الخليجي المشترك.
وتتسع الخريطة إلى بودكاست «برامجي»، الذي تم إنتاج أكثر من 20 حلقه منه خلال قمة بريدج العالمية للإعلام في أبوظبي والمنتدى السعودي للإعلام واحتفال المؤسسة بمرور خمسين عاماً على تأسيسها في دولة الكويت، وأعمال مرتبطة بالقمم الخليجية، ورسائل بصرية وموسيقية تؤكد وحدة الهوية والمصير، هذه الأعمال تعكس محاولة لربط المؤسسة بأكثر من جمهور، الطفل، الأسرة، الشباب، الجمهور الخليجي العام، والجمهور العالمي.
تمكين الشباب والاقتصاد الإبداعي
ضمن هذا التحول، يبرز ملف تمكين الشباب كأحد المسارات المهمة، فالمؤسسة لم تعد تنظر إلى شركات الإنتاج الخليجية الشابة كجهات خارجية فقط، وإنما كشركاء محتملين في تنفيذ الأعمال وتوسيع قاعدة الاقتصاد الإبداعي. هذا التوجه يسمح بتجديد الدماء داخل منظومة الإنتاج، ويمنح المواهب الخليجية فرصة أكبر للدخول في مشاريع ذات طابع إقليمي.
كما أن تطوير آليات استقبال العروض والأفكار الإبداعية خلال عام 2026 يمكن أن يفتح باباً أوسع أمام الأفراد والشركات والجهات الحكومية لتقديم مشاريعها ضمن مسار واضح وشفاف. ومع وجود لجنة فنية ودليل إجرائي، يمكن للمؤسسة أن تتحول إلى منصة أكثر تنظيماً لاستقطاب الأفكار، وتصفيتها، وتطويرها، وتحويلها إلى أعمال قابلة للتنفيذ.
هنا يتداخل البعد الشبابي مع الحوكمة، فتمكين الشباب لا يتحقق بمجرد فتح الباب، وإنما يحتاج إلى إجراءات عادلة، ومعايير معلنة، وسرعة في الرد، وقدرة على تحويل الفكرة الجيدة إلى مشروع، وهذا ما تعمل المؤسسة على ترسيخه في مرحلتها الجديدة.
اليوبيل الذهبي ومعنى البدايات الجديدة
خمسون عاماً في عمر مؤسسة إعلامية ليست رقماً بسيطاً، كثير من المؤسسات تتوقف عند هذه المحطة لاستعادة الأرشيف والاحتفاء بالرواد.
مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك تفعل ذلك أيضاً، لكنها تضع الذاكرة في سياق أوسع، كيف يمكن أن يتحول الإرث إلى رصيد للمستقبل؟
الاحتفاء بالماضي حاضر، غير أن أسئلة المرحلة المقبلة أكثر إلحاحاً، كيف تبقى المؤسسة مؤثرة؟ كيف تستثمر أرشيفها؟ كيف تدخل المنصات العالمية؟ كيف تدعم الخطاب الخليجي؟ كيف توازن بين الهوية والجمهور الجديد؟ وكيف تتحول من مؤسسة ارتبطت بذاكرة الطفولة إلى منصة خليجية قادرة على العمل في ملفات الإعلام، والثقافة، والقوة الناعمة، وإدارة الأزمات؟
هذه الأسئلة هي التي تمنح اليوبيل الذهبي معناه الأعمق، فالمؤسسة لا تتحرك للاحتفال بتاريخها فقط، وإنما لاختبار قدرتها على كتابة فصل جديد منه.
خمسون عاماً مضت… وخمسون تبدأ الآن
بعد نحو نصف القرن من تأسيسها، تبدو مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك أمام منعطف مهم، لديها إرث واضح في الذاكرة الخليجية، ولديها اليوم قيادة تعمل على إعادة ترتيب الداخل، وتوسيع الشراكات، وضبط جودة الإنتاج، وتطوير المسرح والبنية الفنية، وتحسين الاستدامة المالية، وفتح مسارات جديدة أمام المحتوى الخليجي.
وفي مركز هذا المسار يقف الشيخ مبارك فهد جابر الأحمد الصباح، الذي ارتبطت مرحلته بمحاولة نقل المؤسسة إلى مساحة أوسع، مؤسسة أكثر كفاءة من الداخل، أكثر حضوراً في المنظومة الخليجية، وأكثر قدرة على التعامل مع المنصات والجمهور الجديد، وأكثر استعداداً لتنسيق الرسائل في لحظات التعقيد.
قد يحتاج التحول إلى وقت حتى تظهر نتائجه كاملة، لكن ما حدث خلال الفترة الأخيرة يكشف عن اتجاه واضح، مؤسسة خليجية عريقة تستعيد دورها بأدوات مختلفة، وتبحث عن موقعها في زمن تتغير فيه وسائل التأثير بسرعة.
وفي زمن لا تنتظر فيه الروايات الرسمية طويلاً قبل أن تنافسها الإشاعات والحملات الرقمية، تبدو الحاجة أكبر إلى مؤسسة تستطيع أن تنتج المحتوى، وتضبط الرسالة، وتجمع الشركاء، وتقدم الخليج إلى جمهوره وإلى العالم بصورة أكثر ثقة وهدوء. هنا يستعيد اسم مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك حضوره القديم، في سياق جديد، ومع رهان واضح على أن اليوبيل الذهبي ليس نهاية مسيرة، وإنما بداية مرحلة أخرى.
