في تقرير لافت نشرته صحيفة «The Economist» في 9 أغسطس 2026 بعنوان»China is now the world’s great oil power»، «الصين أصبحت الآن القوة النفطية الكبرى في العالم»، تطرح الصحيفة مفارقة تستحق التوقف ملياً عندها وتتمثل في كيف يمكن لدولة ليست من منتجي النفط أن تصبح قوة نفطية مؤثرة إلى هذا الحد؟ الإجابة التي يقدمها التقرير تتجاوز النفط نفسه، فالصين لم تبنِ قوتها النفطية من خلال امتلاك الآبار، وإنما من خلال قدرتها على إدارة الطلب والمخزون والتكرير والتجارة في اللحظة التي تحتاج فيها السوق إلى ذلك.
لطالما كانت القوة النفطية مرتبطة بالمنتجين الكبار، ثم جاءت منظمة أوبك لتمنح هؤلاء المنتجين قدرة جماعية على التأثير في الأسعار من خلال التحكم في العرض. لكن الصين دخلت اللعبة من الجهة المقابلة تماماً، فهي أكبر مستورد للنفط في العالم، وحجم اقتصادها يجعل الطلب الصيني عاملاً لا يمكن للسوق العالمية تجاهله، وعندما تستطيع دولة بهذا الحجم أن تزيد أو تخفض مشترياتها بصورة كبيرة، فإنها تتحول من مجرد مستهلك للنفط إلى طرف قادر على التأثير في سعره.
الأرقام التي أوردها التقرير تكشف حجم هذا التحول، ففي الفترة بين فبراير ويونيو، خفضت الصين وارداتها من الخام بنحو 5.5 مليون برميل يومياً، أي قرابة النصف، وهو مقدار ترى الصحيفة أنه ساهم في خفض سعر خام برنت بنحو 30 دولاراً أو أكثر. وفي الأشهر الاثني عشر السابقة لبداية عام 2026، كانت الصين قد اشترت نحو 200 مليون برميل بأسعار منخفضة، لتضيفها إلى مخزونات تقدر بنحو مليار برميل. وفي الوقت نفسه خفضت صادراتها من المنتجات النفطية المكررة إلى نحو 430 ألف برميل يومياً، أي بما يقارب النصف. ثم جاء العامل الثالث وهو خفض الطلب الداخلي، إذ قلصت المصافي الصينية في يونيو إنتاجها بنحو 2.7 مليون برميل يومياً مقارنة بالعام السابق، وانخفض إنتاج البنزين 14 في المئة والديزل ووقود الطائرات 21 في المئة.
هذه الأرقام تعتبر أهم من عنوان التقرير نفسه، لأنها تكشف أن الصين لا تتعامل مع النفط كسلعة تشتريها عندما تحتاج إليها، وإنما كأداة يمكن إدارة توقيتها وكمياتها وتأثيرها، لقد بنت الصين لنفسها 3 مفاتيح وهي المخزون والصادرات والطلب الداخلي، وعندما تستخدم هذه المفاتيح معاً تستطيع أن تؤثر في السوق بطريقة تشبه، من الجانب الآخر، ما كانت «أوبك» تفعله من خلال التحكم في الإنتاج. ولذلك ليس غريباً أن تصف الصحيفة الصين بأنها «أوبك الجديدة».
وهنا تظهر براعة التخطيط الصيني التي أعتقد أننا في الخليج بحاجة إلى التوقف عندها. الصين لم تنتظر اندلاع الأزمة لكي تفكر في كيفية التعامل معها، لقد بنت بكين قدراتها التخزينية والتكريرية، ونوعت مصادر إمداداتها، واستثمرت في السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة، بحيث تستطيع عندما يتغير أحد أرقام المعادلة أن تعوضه برقم آخر يعطي ذات النتيجة أو أفضل منها. إن الصين لا تتنبأ بالمستقبل بقدر ما تبني قدرة على التعامل أكثر مع متغيراته، وهذه هي القيمة الحقيقية لرسم السيناريوهات التي لا تتعاطى فقط مع ماذا سيحدث، بل ماذا سنفعل إذا حدث ما لا نتوقعه.
وهنا تصبح المسألة أكثر ارتباطاً بالخليج وبالصراع على النفوذ في المنطقة، فإذا كانت إحدى الغايات الإستراتيجية الأميركية في حربها مع إيران هي الحد من تنامي النفوذ الصيني في الخليج، واذا كانت إيران تستخدم سلاح مضيق هرمز في تدويل صراعها مع واشنطن، فإن المفارقة أن الصين استطاعت، بهدوء، أن تتعامل مع هذه المعضلة بطريقة مختلفة. فبدلاً من مواجهة الإستراتيجية الأميركية مباشرة او التفريط بعلاقتها مع إيران، بدأت الصين تدخل من جانب آخر. فكلما أصبح النفط الخليجي أكثر أهمية لأمن الطاقة الصيني، وكلما ازدادت استثماراتها في الطاقة والصناعة والتجارة والبنية التحتية، أصبح وجودها في المنطقة أكثر ارتباطاً بالمصالح الاقتصادية لدول الخليج. وبذلك لا تحتاج الصين إلى منافسة الولايات المتحدة عسكرياً في الخليج بل يكفيها أن تجعل نفسها جزءاً من المعادلة التي يصعب على أي قوة أخرى تجاهلها.
ولعل هذا هو الجانب الذي ينبغي أن نتعلم منه في الخليج أكثر من أي شيء آخر، فدول الخليج تمتلك ميزة تاريخية لا تمتلكها الصين من حيث إنها تمتلك المورد الذي يحتاج إليه الآخرون، لكن امتلاك المورد وحده لم يعد كافياً لضمان استمرار القوة. فالسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا كخليجيين ليس فقط، كم برميلاً نستطيع أن ننتج؟ وإنما ماذا سيحدث إذا انخفض الطلب العالمي على النفط؟ ماذا لو تسارعت السيارات الكهربائية أكثر ما نتوقع؟ ماذا لو أصبحت الصين والهند أكثر قدرة على التحكم في طلبهما؟ ماذا لو ظهرت تقنيات جديدة للطاقة؟ وماذا لو أصبحت قيمة النفط في المستقبل أقل ارتباطاً بحجم الإنتاج وأكثر ارتباطاً بالقدرة على إدارة سلاسل الإمداد والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتمويل؟ هذه ليست أسئلة نظرية بعيدة عن صناعة النفط، بل أسئلة ينبغي أن تدخل اليوم في صميم التخطيط الإستراتيجي لدول الخليج ومنظمة «أوبك».
إن امتلاك النفط كان مصدر القوة في القرن العشرين، أما إدارة منظومة الطاقة فقد تكون مصدر القوة في القرن الحادي والعشرين.
فإن دول الخليج تمتلك الآبار، لكن الصين تتعلم كيف تدير السوق، ودول «أوبك» وتمتلك المورد، بينما تبني الصين القدرة على التأثير في الطلب. ومن هنا فإن التحدي أمام دول الخليج و«أوبك» لا ينبغي أن يكون المحافظة على مستويات الإنتاج فقط، وإنما الحفاظ على القدرة على التأثير في السوق في عالم تتغير فيه طبيعة الطلب نفسه. وهذا يتطلب التفكير في المخزونات الإستراتيجية، والقدرات التكريرية، وتنويع مصادر الدخل، وأمن سلاسل الإمداد، والصناعات المرتبطة بالطاقة، والتكنولوجيا، والتمويل والاستثمار المعرفي، بقدر ما يتطلب التفكير في عدد البراميل التي ستنتجها الآبار.
وهنا بالضبط يظهر الذكاء الصيني الذي يستحق الاستفادة منه، فالقوة لا تُبنى عندما تقع الأزمة، وإنما قبل وقوعها بسنوات، والتخطيط الإستراتيجي الحقيقي ليس أن نتوقع المستقبل بدقة، فهذا أمر يكاد يكون مستحيلاً، وإنما أن نبني قدرات تسمح لنا بالتحرك في أكثر من سيناريو. الصين اشترت عندما كان النفط رخيصاً، وخفضت الشراء عندما أصبح مرتفعاً، واستخدمت مخزوناتها عندما احتاجت إليها، وقلصت الطلب عندما كان ذلك يخدم مصالحها، وفي الوقت نفسه تستثمر بقوة في بدائل النفط، وهذه ليست سياسة نفطية فحسب، إنها هندسة إستراتيجية للمستقبل.
وهذا تحديداً ما يمكن أن تستفيد منه دول الخليج في إعادة النظر في طريقة التخطيط للطاقة، فبدلاً من بناء السياسات على توقع واحد لسعر النفط أو لحجم الطلب العالمي بعد عشرين عاماً، يمكن بناء مجموعة من السيناريوهات في عالم يستمر فيه الطلب على النفط مرتفعاً، وعالم يتراجع فيه تدريجياً، وعالم يتراجع فيه بصورة أسرع من المتوقع، وعالم تحدث فيه أزمات جيوسياسية تعيد النفط إلى مركز النظام العالمي. ثم يكون السؤال الأهم، ما القدرات التي نحتاج إلى بنائها اليوم حتى نكون في وضع قوي في كل واحد من هذه السيناريوهات؟ هنا يصبح الاستشراف أداة من أدوات القوة، وليس مجرد تمرين فكري أو ترف تنظيري.
ولذلك فإن عنوان «الإيكونومست» يستحق أن يؤخذ بجدية، ليس لأن الصين أصبحت فجأة أكبر مدير للنفط، وإنما لأنه يكشف عن تحول أعمق في مفهوم القوة النفطية. فالقوة لم تعد حكراً على من يملك أكبر الآبار، وإنما يمكن أن تنتقل إلى من يستطيع إدارة السوق والتوقيت والمخزون والطلب والتكنولوجيا في وقت واحد.
ومن هنا تأتي المفارقة التي ينبغي أن نتوقف عندها في الخليج… فالصين، الدولة التي لا تملك نفطنا، بدأت تبني حول النفط منظومة قوة واسعة، بينما دول «أوبك» التي تملك النفط، ينبغي أن تبدأ ببناء منظومة قوة تتجاوز النفط. فإذا كان التنين الصيني قد تعلم كيف يصبح قوة نفطية من خارج آبار النفط، فإن أوبك، بصفتها أخطبوط الطاقة العالمي، متعدد الأذرع، سريع التكيف، والقادر على إطلاق حبره عندما يشعر بأن مصالحه مهددة، عليها أن تتعلم كيف تستثمر كامل أذرعها الاقتصادية والاستثمارية والتكنولوجية، وكيف تحول حبر آبارها الأسود إلى قاعدة لقوة اقتصادية وتكنولوجية وإستراتيجية جديدة، تتيح لها أن تكتب بنفسها الفصل التالي من تاريخ الطاقة، وأن تكون شريكاً في صياغة عالم ما بعد النفط، وليس ضحية له.
وباختصار يمكن القول بأن المنافسة المقبلة على المستوى العالمي لن تكون على من يملك النفط فقط، بل على من يعرف كيف يدير العالم الذي يأتي بعد النفط.
* أستاذ العلاقات الدولية في جامعة الكويت
