الخيانة… هل هي رجل أم أنثى؟


من أكثر السلوكيات الإنسانية التي أُسيء فهمها، لأنها غالباً ما تُختزل في سؤال بسيط ظاهرياً، لكنه مضلل علمياً: هل الرجل أكثر خيانة أم المرأة؟ والحقيقة أن هذا السؤال يعكس رغبتنا في البحث عن إجابة سهلة لظاهرة معقدة، بينما تؤكد الدراسات النفسية والاجتماعية أن الخيانة ليست صفة ذكورية ولا أنثوية، بل هي سلوك ينتج عن تفاعل عوامل شخصية وأخلاقية ونفسية واجتماعية، تختلف من فرد إلى آخر أكثر مما تختلف بين الجنسين.

تشير الدراسات السكانية المنشورة خلال السنوات الأخيرة إلى أن الرجال لا يزالون يبلغون عن معدلات أعلى قليلاً من الخيانة الزوجية مقارنة بالنساء، إذ تتراوح نسب الاعتراف بها عبر الحياة لدى الرجال بين 20 و25 % تقريباً، مقابل 10 إلى 20 % لدى النساء، مع اختلاف واضح بين المجتمعات والثقافات. إلا أن الملاحظة الأهم ليست الفارق في النسبة، بل إن هذه الفجوة تضيق تدريجياً بين الأجيال الأصغر، وهو ما يشير إلى أن العوامل الثقافية والاجتماعية، وليس البيولوجية وحدها، تؤثر في هذا السلوك.

ومن منظور علم النفس الإكلينيكي، لا يمكن تفسير الخيانة بالدافع الجنسي فقط، كما يعتقد كثيرون. فالرجل قد يخون بحثاً عن الإثارة أو تعزيز تقديره لذاته أو بسبب الاندفاع وضعف ضبط النفس، وقد تخون المرأة نتيجة شعورها بالإهمال العاطفي أو فقدان الاحتواء أو الرغبة في الانتقام أو البحث عن التقدير. ومع ذلك، فإن هذه الدوافع ليست قواعد ثابتة، إذ يمكن أن تتبادل الأدوار، ويبقى العامل الحاسم هو البناء النفسي للفرد، وليس جنسه.

لقد أثبتت الأبحاث أن بعض السمات الشخصية ترتبط باحتمالية أعلى للخيانة، مثل النرجسية، والمكيافيلية، وضعف الضمير، وانخفاض التعاطف، والاندفاع، وحب المخاطرة، وتبرير السلوكيات غير الأخلاقية. لذلك قد نجد رجلاً أو امرأة يمران بالظروف نفسها، لكن أحدهما يختار المواجهة والحوار أو حتى الانفصال باحترام، بينما يختار الآخر الخيانة، لأن الفرق الحقيقي يكمن في منظومة القيم والقدرة على ضبط الرغبات، لا في نوع الجنس.

والخطأ الذي يقع فيه كثير من الناس هو اعتبار الخيانة دليلاً على نقص الطرف الآخر. ففي الواقع، لا توجد دراسة علمية تثبت أن جمال الشريك أو نجاحه أو إخلاصه يمنع الخيانة. بل إن التاريخ مليء بقصص أشخاص تعرضوا للخيانة رغم امتلاكهم مقومات العلاقة الصحية. فالخيانة ليست انعكاساً لقيمة الضحية، وإنما هي انعكاس للطريقة التي يتعامل بها الطرف الخائن مع رغباته وصراعاته الداخلية.

ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: من يخون أكثر؟ بل: ما الذي يجعل إنساناً يسمح لنفسه أن يتجاوز حدوده الأخلاقية؟ ففي اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان بتبرير الخطأ لنفسه، تبدأ الخيانة قبل أن تتحول إلى فعل. إنها تبدأ بفكرة، ثم بسر، ثم بحدود تُكسر تدريجياً، حتى يصبح الفعل نتيجة متوقعة لسلسلة من التنازلات الأخلاقية.

وقد لخّص الشاعر العربي هذه الحقيقة الإنسانية بقوله:

إذا جارَ الصديقُ فلا صديقَ لهُ

ولا خيرَ في ودٍّ يجيءُ على غدرِ

إن الثقة هي رأسمال أي علاقة إنسانية، وبمجرد انهيارها يصبح ترميمها من أصعب التحديات النفسية، لأن الدماغ لا يتعامل مع الخيانة بوصفها حدثاً عابراً، بل بوصفها تهديداً للأمان والانتماء، ولذلك قد تستمر آثارها النفسية سنوات حتى بعد انتهاء العلاقة.

ومن هنا، فإن الوقاية من الخيانة لا تكون بالمراقبة، ولا بتقييد حرية الشريك، ولا بكثرة الشكوك، بل ببناء علاقة قائمة على النضج العاطفي، والتواصل الصادق، والحدود الواضحة، وتعزيز القيم الأخلاقية منذ الصغر، إلى جانب نشر الوعي بأهمية العلاج النفسي للأزواج عند ظهور مؤشرات التباعد قبل أن تتحول إلى أزمة يصعب احتواؤها.

وفي الختام، لا تبحث عن جنس الخائن، بل ابحث عن جودة الإنسان الذي تمنحه ثقتك. فالخيانة ليست كروموسوماً يُولد مع الرجل أو المرأة، وإنما هي قرار يتخذه شخص عندما يضع رغبته فوق ضميره، ومصلحته فوق الوفاء، ولذته الموقتة فوق قيمة الإنسان الذي ائتمنه على قلبه. وعندما ندرك هذه الحقيقة، نتوقف عن اتهام جنسٍ كامل، ونبدأ في بناء مجتمع يربي أبناءه على أن الشرف ليس ما يراه الناس، بل ما يختاره الإنسان عندما لا يراه أحد.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *