الديمقراطية ليست قدَرنا! – الراي


إذا تربى المجتمع على مدى عقود من الديمقراطية المشوبة التي علمتنا أن تكون الحقيقة طي الكتمان وأن تكون المحاسبة الرشيدة حبيسة الأدراج… وأن تكون مواجهة الفساد المستشري فقط بالدواوين وفي أعماق النفوس الصامتة! وعلمتنا الديمقراطية أن نرى كل ما في الكويت لامعاً وبراقاً يقطر من الفضائل والتديّن! ولكن ما تحت السطح لا يهم أن يكون عفناً وصديداً بشعاً!

حتى أفرز لنا هذا الواقع السياسي المأسوي جيلاً توارث الخنوع والطاعة العمياء لنظام بارونات الانتخابات أو عسكر الحزب أو القبيلة أو الطائفة وليس نظام الدولة التي تحتضنه وتصرف عليه من المهد إلى اللحد!

وهذا الجيل أخذ ينقل أمراضه إلى الجيل الثاني ويُعلّم أبناءه الهزيمة أمام التفكير السليم والتقوقع أمام التعلم الذاتي مع وضع القيود والوصايا على عقولهم! ويكرس في أذهانهم أن النقد رذيلة وأن المبادرة تهور والشجاعة الأدبية عبث لا طائل من ورائه، وأن أي إصلاح حقيقي وجذري فهو وقوع في هاوية سحيقة… كل هذا يتم تحت شعار الخوف على الهوية الوطنية والمحافظة على كيان الجماعة والمذهب!

كما أن هذا الجيل قد انسلخ عقله وسُلبت إرادته واختياره وقراره فأصبح منطفئاً ساكتاً مقموعاً… ويكبر هذا الفرد وسط هذا المناخ الملوث تلوثاً ثلاثي الأبعاد بدءاً بتزوير الجناسي ومروراً بالتلاعب بعنوان البطاقة المدنية لتزوير نتائج الاقتراع وانتهاءً بتحليل نتائج الانتخابات من مراكز إعلامية تستهدف الربح المادي فقط…!

كما علمتنا الديمقراطية أنها معصومة من الخطأ ولا يمكن أن تكون إلا هي الأفضل للإنسان تصونه من الضياع وتحفظ حقوقه… وتضعه على جادة الطريق للتنمية… وتلقنه دائماً أن الخطأ في الرأي الآخر، وأنه هو الشيطان المخرِّب حتى أصبحت عنده قناعة مطلقة أنه وحده المواطن الصالح، والآخر إنما هو طالح، والديمقراطية هي السلطة العليا التي من حقها دائماً أن تُملي عليه الأوامر والنواهي وعليه أن يتخذها في حياته وسلوكه حتى يصبح كبيراً مع هيمنة هذه السلطة عليه، وأن الخروج عليها خروج عن الثوابت والقيم والتراث والأصل! حتى وجد نفسه محشوراً في الغث بعيداً عن السمين وفي وظيفة ثقافية واجتماعية فرضها العُرف والعادة والسوابق البرلمانية المخالفة لفحوى الدستور. ولذلك كان لزاماً علينا أن نعي أهمية هدم هذه الصروح الوثنية وإزالة كل هذه الهياكل والطقوس ونزع القداسة عنها وتجاوزها وطي صفحتها واعتبارها مرحلة من مراحل التاريخ المُرّ تخطيناها وخرجنا من المياه الآسنة إلى فضاء الهواء الطلق والحزم والصدق والعزم طالما نحن نعيش اليوم فترة التقاط الأنفاس وتعطيل المجلس! لإعادة ترتيب الأوراق من جديد… فهل نعي هذا؟!





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *