
في وقتٍ تواجه الكويت تحديات دقيقة على المستويين الأمني والاقتصادي عقب التطورات الإقليمية الأخيرة، تبرز الشراكات الدولية بوصفها ركيزة أساسية لتعزيز الصمود وإعادة البناء. في السياق، أكد السفير الصيني لدى البلاد يانغ شين، أن بلاده تنظر إلى الكويت باعتبارها شريكاً استراتيجياً موثوقاً، مشدداً على التزام الشركات الصينية بمواصلة العمل والمساهمة في مشاريع البنية التحتية، رغم الظروف الاستثنائية التي فرضها التصعيد المرتبط بإيران. وفي حوار مع «الجريدة»، بعد أيام قليلة من تقديمه أوراق اعتماده الى سمو أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد، أوضح يانغ أن التعاون الصيني – الكويتي لم يتوقف حتى في أصعب الظروف، بل واصل زخمه بدعم حكومي مباشر من الجانبين، لافتاً إلى أن بكين تولي أهمية خاصة لمواءمة مبادرة «الحزام والطريق» مع «رؤية الكويت 2035»، بما يعزز فرص تطوير المشاريع الحيوية، وفي مقدمتها الموانئ والبنى التحتية الاستراتيجية. وشدد على أن الصين، بقيادة الرئيس شي جين بينغ، تواصل دعم أمن الكويت ودول الخليج، واستقرارها، عبر نهج يقوم على الحوار والدبلوماسية، ورفض التصعيد العسكري، بما يرسخ مكانة الكويت شريكاً محورياً في معادلة الاستقرار الإقليمي والتعاون الدولي، مؤكداً أن بلاده ستواصل تعزيز التبادل والتنسيق مع الجانب الكويتي، ودعم جهود الكويت في صون أمنها واستقرارها… وفيما يلي نص الحوار.
• هل ستساهم الشركات الصينية في إعادة إعمار المنشآت الكويتية التي تضررت بفعل القصف الإيراني، وهل ثمة أي مباحثات في هذا الخصوص؟
– منذ اندلاع الصراع المرتبط بإيران، تواصل جميع الشركات الصينية العاملة في الكويت أنشطة الإنتاج والتشييد رغم الغارات الجوية المتكررة وصفارات الإنذار.
واستمرت الحكومتان الصينية والكويتية، بالتعاون مع الشركات المعنية في التغلب على كل التحديات، مثل إغلاق المطارات وتعطّل حركة الملاحة، ودفع التعاون في المشاريع الكبرى بما فيها مشروع ميناء مبارك الكبير.
ويولي الجانب الصيني أهمية بالغة لتعزيز التعاون العملي مع الكويت في مختلف المجالات، ويتطلع إلى تعزيز مواءمة بناء «الحزام والطريق» بجودة عالية مع «رؤية الكويت الوطنية 2035».
كما ستواصل الشركات الصينية، انطلاقاً من مبادئ السوق، وبموقف إيجابي، المشاركة في تنفيذ مختلف مشاريع البنية التحتية في الكويت.
توطين الصناعات الدفاعية
• أظهرت التطورات الأخيرة الحاجة لتوطين الصناعات الدفاعية الخليجية… هل هناك أي خطط لدى الصين لتوسيع التعاون مع الكويت في هذا الشأن على غرار مصنع الذخيرة التي تم افتتاحه هذا العام؟
– أشار الرئيس الصيني شي جين بينغ أخيراً إلى أن الصين تدعم دول المنطقة لبناء «دار» مشتركة من حسن الجوار والتنمية والأمن والتعاون، والتحكم في مصيرها بأيديها بشكل ثابت، بما يعزز الأمن والأمان الدائمين في المنطقة.
كما أكدت الصين مراراً دعمها لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في تعزيز استقلاليته الاستراتيجية، وترسيخ وحدته وتضامنه، والتمسك بالتعددية، ودفع مسيرة التكامل الخليجي.
وشهد التعاون الصيني – الكويتي خلال السنوات الأخيرة نشاطاً وحيوية في مختلف المجالات بفضل التوجيه الاستراتيجي لقائدي البلدين.
ويُعدّ التعاون الأمني جزءاً مهماً من العلاقات الثنائية بين الصين والكويت، ويعكس مستوى الثقة السياسية المتبادلة بين الجانبين، وستواصل الصين تعزيز التبادل والتنسيق مع الجانب الكويتي، وتدعم جهود الكويت وسائر دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في صون أمنها واستقرارها.
التعاون الأمني جزء مهم ويعكس مستوى الثقة السياسية المتبادلة بين البلدين
شريك موثوق
• دائماً ظلت الصين وعلى مر التاريخ شريكاً موثوقاً به للكويت ووقفت بقوة إلى جانبها في مختلف الظروف، ما الدور الذي اطلعت به الصين في الحرب الاخيرة؟
– الصين، بوصفها دولة كبرى مسؤولة، تسير دوماً على طريق التنمية السلمية بكل ثبات، وتظل من يبني السلام العالمي ومن يساهم في التنمية العالمية ومن يحافظ على النظام الدولي.
وبصفتها صديقاً مخلصاً لدول الشرق الأوسط، فإن الركيزة الأساسية لسياسة الصين تجاه المنطقة تتمثل في تعزيز المصالحة وتحقيق السلام الإقليمي.
ومنذ اندلاع هذا النزاع، عارضت الصين بشدة اللجوء إلى الوسائل العسكرية، ودعت إلى الوقف الفوري لإطلاق النار.
كما أكدت باستمرار ضرورة الاحترام الكامل لسيادة الكويت وسائر دول الخليج، وأمنها، ووحدة أراضيها، مع توفير الحماية الكافية للمدنيين والمنشآت غير العسكرية، وضمان سلامة الممرات الملاحية والبنية التحتية للطاقة.
وقد أوضح وزير الخارجية الصيني وانغ يي موقف الصين بجلاء خلال اتصالاته الهاتفية مع عدد من نظرائه في الدول المعنية، مؤكداً أن الصين تولي أهمية كبيرة للمطالب المشروعة لدول الخليج وتدعم جهودها في صون سيادتها وأمنها الوطني، كما قام مبعوث الحكومة الصينية الخاص لشؤون الشرق الأوسط بزيارات مكوكية إلى الكويت وعدد من دول المنطقة، فأجرت الصين مشاورات معمّقة مع الأطراف المعنية، وستواصل أداء دور بنّاء في دعم الجهود الرامية إلى استعادة السلام والاستقرار في منطقة الخليج والشرق الأوسط.
مضيق هرمز
• تُعدّ الصين واحدة من أكبر الدول المستوردة للنفط من دول الخليج، هل ستواصل بلادكم الاعتماد على نفط الخليج في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز، أم ستعمل على تنويع مصادر الطاقة؟
– الرئيس جين بينغ صرح أخيراً بأنه ينبغي المحافظة على المرور الطبيعي عبر مضيق هرمز، إذ يتفق ذلك مع المصالح المشتركة لدول المنطقة والمجتمع الدولي.
وتؤكد الصين، شأنها شأن جميع الأطراف، رغبتها في عودة السلام والاستقرار في المضيق في أقرب وقت ممكن، وضمان استئناف الملاحة فيه.
ضمان استئناف الملاحة في مضيق هرمز بأقرب وقت ممكن أولوية دولية
إن جذور مشكلة الملاحة في مضيق هرمز تعود إلى استمرار الصراع المرتبط بإيران، ولحل المشكلة من جذورها ينبغي أولاً وقف العمليات العسكرية، وتبدي الصين استعدادها، إلى جانب المجتمع الدولي، لمواصلة بذل الجهود من أجل تهدئة الأوضاع.
وتُعدّ دول مجلس التعاون مصدراً رئيساً لواردات الصين من النفط الخام، كما يشكل التعاون الطاقي ركيزة أساسية في العلاقات الصينية الخليجية، وفي السنوات الأخيرة، يتعمق التعاون بين الجانبين في مجال الطاقة التقليدية، ويتطور في مجال الطاقة الجديدة بسرعة، ما أسهم في بناء نمط تعاون طاقي متعدد الأبعاد.
بكين مستعدة لمواصلة جهودها لتهدئة الوضع بالمنطقة وتحقيق السلام الدائم
وتأمل الصين مواصلة تعميق التعاون في مجال الطاقة مع دول الخليج على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة.
نأمل مواصلة التعاون في الطاقة مع الخليج على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة
رؤية الرئيس الصيني
• من الاتصالات الهاتفية لوزير الخارجية وانغ يي، إلى زيارة المبعوث الخاص تشاي جون، وصولاً إلى المبادرة ذات النقاط الخمس والرؤية ذات النقاط الأربع للرئيس شي، كيف تقيم الصين جهودها الدبلوماسية خلال فترة الحرب؟ وهل صحّ ما يُتداول عن أن الصين نجحت في إقناع إيران بعقد مفاوضات في إسلام آباد وقبول وقف النار؟
– منذ تصاعد التوترات في المنطقة في فبراير، تعمل الصين بنشاط على الدفع نحو المصالحة ووقف الحرب وخفض التصعيد، وأكد الرئيس شي جين بينغ أن الصين تدعو إلى وقف النار ومنع الحرب بشكل فوري وشامل، وتدعم جميع الجهود الرامية إلى استعادة السلام، وتلتزم بحل النزاعات عبر طرق سياسية ودبلوماسية.
منذ تصاعد التوترات بالمنطقة ندفع نحو المصالحة ووقف الحرب وخفض التصعيد
وقد طرح الرئيس شي رؤية ذات 4 نقاط بشأن صون وتعزيز السلام والاستقرار في الشرق الأوسط:
أولاً، التمسك بمبدأ التعايش السلمي، حيث إن دول الشرق الأوسط بما فيها دول الخليج جيران يعتمد بعضها على بعض ولا يمكن نقلها جغرافيا، ومن الضروري دعم دول الشرق الأوسط بما فيها دول الخليج لتحسين العلاقات فيما بينها، ودفع تشكيل إطار أمني مشترك ومتكامل وتعاوني ومستدام في منطقة الشرق الأوسط والخليج، بما يرسخ أساس التعايش السلمي.
ثانياً، التمسك بمبدأ سيادة الدول، إذ تعدّ السيادة ركيزة أساسية لبقاء وتنمية جميع دول العالم وخصوصاً الدول النامية الفقيرة، ولا يجوز المساس بها، ويجب احترام سيادة دول الشرق الأوسط بما فيها دول الخليج وأمنها وسلامة أراضيها بشكل جدي، ويجب الحفاظ على سلامة أفراد كل الدول ومنشآتها ومؤسساتها بخطوات ملموسة.
ثالثاً، التمسك بمبدأ سيادة القانون الدولي، فمن الضروري الحفاظ على هيبة سيادة القانون الدولي، ولا يجوز استغلالها بشكل انتقائي، ولا يجوز إعادة العالم إلى عصر يحكمه قانون الغابة، ومن الضروري الحفاظ بثبات على المنظومة الدولية المتمحورة حول الأمم المتحدة والنظام الدولي القائم على القانون الدولي والقواعد الأساسية للعلاقات الدولية القائمة على مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
تعزيز الوجود العسكري بالشرق الأوسط والتشبث بالقوة أديا إلى المزيد من الحروب في المنطقة
رابعاً، التمسك بالتوفيق بين التنمية والأمن، فالأمن شرط مسبق للتنمية، والتنمية ضمان للأمن، وينبغي على جميع الأطراف خلق بيئة مواتية وضخّ طاقة إيجابية في تنمية دول الشرق الأوسط بما فيها دول الخليج.
إن رؤية الرئيس شي تعكس بوضوح الموقف الثابت للصين الساعي إلى إحلال السلام ووقف الحرب، والداعي إلى اعتماد الحوار وسيلةً لحل الخلافات، كما تُبرز الجهود الإيجابية التي تبذلها الصين في هذا الإطار، وتقدّم حلاً صينياً يساعد منطقة الشرق الأوسط على الخروج من دوامة النزاعات وتحقيق السلام.
وتحافظ الصين على التواصل الوثيق مع جميع الأطراف، بما في ذلك إيران وإسرائيل.
وفي ظل وصول الوضع الحالي إلى مرحلة حاسمة بين الحرب والسلام، حيث تلوح بوادر نافذة للسلام، فإن الصين مستعدة، انطلاقاً من روح رؤية ذات 4 نقاط التي طرحها الرئيس شي، لمواصلة جهودها من أجل تهدئة الوضع في المنطقة وتحقيق السلام الدائم.
القوة ليست الحل
• يرى البعض أنه رغم قيام الصين بدور في تشجيع إيران والولايات المتحدة على الحوار، إلا أن غياب وجود عسكري صيني في الشرق الأوسط يحدّ من قدرتها على التأثير في صنع القرار… ما تعليقكم؟
– ترى الصين، بصفتها عضواً دائماً في مجلس الأمن، أن المشاركة البنّاءة في حل القضايا الساخنة مسؤولية مطلوبة تقع على عاتقها، وهي تدعو دائماً إلى تغليب الحلول السلمية، والالتزام بمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، واعتماد الحوار والتشاور كسبيل لحل النزاعات.
وتُظهر الوقائع أن بعض الدول، من خلال تعزيز الوجود العسكري في الشرق الأوسط والتشبث بالقوة العسكرية، أدت إلى مزيد من الحروب في المنطقة.
وتؤكد التجارب التاريخية أن القوة ليست الحل، وأن المواجهة المسلحة لا تؤدي إلا إلى المزيد من العداوات والأزمات.
وتبدي الصين استعدادها لمواصلة الدفع نحو الحوار والتشاور لإيجاد القواسم المشتركة التي تراعي مصالح جميع الأطراف.
القمة الأميركية – الصينية
• ما مدى تفاؤلكم حيال القمة المرتقبة بين الرئيسين شي جين بينغ ودونالد ترامب؟
• تؤدي الدبلوماسية على مستوى القمة دوراً لا بديل له في توجيه العلاقات الصينية – الأميركية استراتيجياً. وتتعامل الصين مع الولايات المتحدة على أساس مبادئ الاحترام المتبادل والتعايش السلمي والتعاون القائم على المكاسب المشتركة. وفي الوقت الحالي، تحافظ الصين والولايات المتحدة على التواصل بشأن زيارة الرئيس ترامب إلى الصين.
