السيرة النبوية من العلوم التي يحتاج إليها كل فرد من مجتمعنا، صغيراً كان أو كبيراً؛ فهي ليست سرداً لأحداث مضت، ولا أسماء نحفظها ثم ننساها، وإنما هي حياة نبينا الكريم الذي حمل رسالة، وبنى مجتمعاً، وربّى رجالاً، وعاش بين الناس زوجاً وأباً وصاحباً وقائداً وداعية، وترك في كل جانب من جوانب حياته مواقف تستحق أن تُعرف وتُدرس.
بدأت دعوته عليه الصلاة والسلام في مكة وسط الرفض والأذى، فصبر وثبت، وربّى أصحابه في أشد الظروف، ثم هاجر وبنى في المدينة مجتمعاً جديداً، وقاد الناس في السلم والحرب، وعقد العهود، وواجه المحن، حتى عاد إلى مكة فاتحاً بعد سنوات من الإيذاء، فأظهر من العفو والرحمة ما بقي درساً للأجيال.
إنها حياة حافلة بالمواقف التي تعلمنا الصبر والقيادة والتربية والدعوة وحسن التعامل مع الناس.
ومع هذه المكانة العظيمة للسيرة، فإن معرفة كثير منا بها لا تزال محدودة؛ فقد نعرف أسماء زوجات النبي عليه الصلاة والسلام، وأسماء بعض الغزوات، وشيئاً من أحداث الهجرة، ولا نعرف الكثير عن صفاته ومواقفه وطريقته في التعامل مع الناس، وكيف كان يعالج الخطأ، ويتعامل مع المخالف، ويصبر على الأذى، ويجمع بين الرحمة والحزم.
وكان المنتظر أمام هذا الضعف في معرفة السيرة أن تتسع مجالسها، وأن يكون لها حضور أكبر في المساجد والمجالس ووسائل الإعلام، وأن يتعلمها الصغار قبل الكبار بأسلوب يقرب إليهم حياة النبي عليه الصلاة والسلام. ومع وجود جهود طيبة في هذا المجال، فإنها لا تزال دون ما تستحقه من عناية وانتشار.
ومع دخول شهر ربيع الأول تقام بعض المجالس التي تُقرأ فيها السيرة، وتُذكر أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام ومواقفه العظيمة.
وفي المقابل تتجدد كل عام الفتاوى والأسئلة حول هذه المجالس؛ فالمعترض عليها قد لا يعترض على ما يُذكر فيها في ذاته، وإنما يرى أن تخصيص هذا الوقت بها لا يصح، كما يثار الحديث عن تاريخ مولده عليه الصلاة والسلام، وهل ثبت على وجه الدقة.
ومع اتساع وسائل التواصل والبرامج الإعلامية، لم يعد هذا الخلاف محصوراً في مجالس العلم، بل أصبح يصل إلى عامة الناس، وإلى الشباب والصغار أيضاً، وتتوالى فيه الفتاوى والردود، وقد تشتد بعض العبارات والاتهامات. ومثل هذا الجدل لا يقرب الناشئة من السيرة، بل قد يجعل المناسبة في أذهانهم مرتبطة بالخلاف والإنكار أكثر من ارتباطها بحياة النبي عليه الصلاة والسلام وأخلاقه وهديه.
ولا اعتراض على أن يبيّن العالم رأيه ودليله في مسألة اختلف فيها الناس، وإنما الحديث هنا عن هذا القدر من الجدل الذي يتكرر كل عام، وتشتد فيه الخصومة، ويُشغل به عامة الناس. والأولى أن يكون اهتمامنا الأكبر بذكر سيرة النبي عليه الصلاة والسلام والتعريف بحياته وهديه، وألا يشغلنا الخلاف عنها، ونحن لا نزال نجهل كثيراً من حياته عليه الصلاة والسلام.
فنحن بحاجة إلى معرفة سيرته طوال العام؛ لا لنعرف أحداثها وتواريخها فحسب، بل لنعرف كيف عاش، وكيف دعا، وكيف عامل الناس، وماذا ترك لنا من هدي نقتدي به.
ونسأل الله أن تكون السيرة النبوية حاضرة في حياتنا علماً واقتداءً، وأن نهتدي بهدي نبينا عليه الصلاة والسلام في أقوالنا وأعمالنا.
aaalsenan @
