العقل التفاوضي الإيراني… محمد الرميحي يُفكك حسابات طهران


– الكويت معنية بتعميق الدراسات المتخصصة في الشأن الإيراني والاستفادة من الخبرات البحثية الخليجية

– التفاوض الإيراني امتداد لبنية النظام وتركيبته المؤسسية وتاريخه السياسي

– المرشد الأعلى والأمن القومي والحرس الثوري… مؤسسات تتداخل أدوارها في صناعة القرار

– مذكرات وزير الخارجية الإيراني لا تكفي وحدها لفهم اعتبارات السياسة الإيرانية

– المحافظة على قنوات الاتصال وفهم مراكز القرار الإيراني ركيزتان لإدارة الخلافات

صدر للإعلامي والأكاديمي الكويتي الدكتور محمد الرميحي، أخيراً، تقرير إستراتيجي بعنوان «العقل التفاوضي الإيراني.. بين المؤسسية ومذكرات وزراء الخارجية»، ضمن سلسلة التقارير الإستراتيجية التي يصدرها مركز دراسات الخليج والجزيرة العربية بجامعة الكويت، برقم (58) لعام 2026، مقدماً قراءة تحليلية للسلوك التفاوضي الإيراني، تنطلق من بنية النظام السياسي ومؤسساته وتاريخه، وتتجاوز متابعة التصريحات الرسمية ونتائج المفاوضات إلى بحث الجهات التي تحدد الأهداف وتمنح الصلاحيات وتتخذ القرارات النهائية.

وتنطلق الدراسة من فرضية رئيسية مفادها أن التفاوض الإيراني امتداد لطبيعة النظام السياسي وتركيبته المؤسسية وتاريخه، وليس نشاطاً دبلوماسياً مستقلاً. فالمفاوض الإيراني، وفق هذا التصور، لا يمثل نفسه بالضرورة، ولا يملك دائماً سلطة اتخاذ القرار النهائي، حتى عندما يبدو متمتعاً بصلاحيات واسعة.

ومن ثم، تميز الدراسة بين الخطاب السياسي المعلن، والأداء التفاوضي للدبلوماسية الإيرانية، ومراكز السلطة الفعلية التي تحدد القرار، بما يساعد على تفسير التباينات الظاهرة بين تصريحات المسؤولين وسلوك الدولة.

شبكة المؤسسات وصناعة القرار

وتوضح الدراسة أن وزارة الخارجية الإيرانية ليست الجهة الوحيدة المسؤولة عن رسم السياسة الخارجية، إذ تتداخل أدوار المرشد الأعلى، والمجلس الأعلى للأمن القومي، والحرس الثوري، ورئاسة الجمهورية، ووزارة الخارجية، مع اختلاف نفوذ كل منها تبعاً لطبيعة القضية المطروحة.

ولا تعني الخلافات بين هذه المؤسسات بالضرورة انقسام القرار أو انهيار وحدته، فقد تعكس تبايناً في الوسائل والأولويات مع استمرار الأهداف الاستراتيجية المشتركة.

ويبرز من هذا التحليل أن موافقة المفاوض الإيراني على اتفاق لا تكفي وحدها لضمان تنفيذه، ما لم يحظَ مضمونه بقبول المؤسسات المؤثرة في النظام. وبذلك، يصبح فهم مراكز القرار وشبكة المصالح داخل الدولة مدخلاً ضرورياً لتقدير فرص نجاح التفاوض ومآلاته.

وتربط الدراسة هذا السلوك بتراكم تاريخي يمتد من التجربة الإمبراطورية الفارسية والدولة الصفوية إلى الدولة الحديثة والثورة الإسلامية عام 1979.

وأسهم هذا المسار، وفق تحليل الرميحي، في تشكيل تصورات سياسية تركز على المحافظة على الدولة وحماية الهوية وتجنب العزلة وتوسيع هامش النفوذ. كما تركت الحرب العراقية – الإيرانية والعقوبات الدولية آثاراً في إدارة الأزمات والمفاوضات، وأسهمت في تكوين مزيج من التشدّد في الخطاب والمرونة في الوسائل، مع إمكان تقديم تنازلات مرحلية تفرضها الظروف، مع المحافظة على الأهداف الإستراتيجية.

تجربة التفاوض النووي

وتخصص الدراسة مساحة لتجربة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أحد أبرز المشاركين في المفاوضات النووية، مستخلصة منها أهمية الإعداد الفني والقانوني والاقتصادي، والصبر في إدارة المفاوضات الممتدة، والمرونة التكتيكية التي تتيح تغيير الوسائل من دون التخلي بالضرورة عن الأهداف الأساسية، فضلاً عن ضرورة التنسيق بين الفريق المفاوض ومراكز القرار داخل الدولة.

في المقابل، يحذر الرميحي من التعامل مع مذكرات عراقجي باعتبارها مصدراً كافياً لفهم السياسة الإيرانية، فهي توثق تجربة أحد المشاركين، ولا تكشف بالضرورة جميع الاعتبارات التي تحكم القرار، ويقتضي استخدامها مقارنتها بالمصادر الرسمية والوقائع التاريخية وشهادات المسؤولين الآخرين.

وتعرض الدراسة فلسفة التفاوض الإيراني باعتبارها وسيلة لتحقيق أهداف الدولة، لا غاية مستقلة. ويشكل الوقت عنصراً مؤثراً في هذه العملية، إذ يمكن توظيفه لتعديل موازين القوى أو انتظار تغير الظروف السياسية والاقتصادية والدولية.

كما أن استمرار قنوات الاتصال لا يعني بالضرورة الاقتراب من اتفاق نهائي، فيما قد يتزامن التشدد في الخطاب السياسي مع مواصلة التفاوض العملي، مع الحرص على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة حتى خلال فترات التصعيد.

ولا تقدم الدراسة هذه الأساليب باعتبارها خصائص إيرانية حصرية، بل ترى أن خصوصية الحالة تنبع من تفاعلها مع طبيعة النظام السياسي والبيئة الإقليمية.

الاتفاق النووي والبيئة الخليجية

وتتخذ الدراسة من الاتفاق النووي لعام 2015 اختباراً عملياً لتفسيرها، موضحة أن المفاوضات كشفت قدرة إيران على إدارة ملفات تقنية وسياسية معقدة، مع الحفاظ على تماسك فريقها التفاوضي ضمن الحدود التي ترسمها مؤسسات الدولة.

لكنها تؤكد أن التقدم في الملف النووي لا يعني بالضرورة تغير السياسة الإيرانية في الملفات الإقليمية.

وتتداخل في علاقات إيران بدول الخليج، وفق الدراسة، اعتبارات الأمن البحري والطاقة والنفوذ الإقليمي والتوازنات الدولية، فيما تؤثر التطورات في العراق وسوريا ولبنان واليمن بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الموقف التفاوضي الإيراني. ولذلك، فإن الفصل الكامل بين المسار الدبلوماسي والبيئة الإقليمية قد يقود إلى تقديرات غير دقيقة.

وتولي الدراسة أهمية للدروس التي يمكن أن تستفيد منها دول الخليج العربية، وفي مقدمتها بناء خبرة تفاوضية مؤسسية لا تعتمد على مهارات الأفراد وحدهم، من خلال إعداد الكوادر المتخصصة وتوثيق التجارب السابقة وتطوير مراكز البحوث والتحليل. كما تدعو إلى الربط بين الاعتبارات السياسية والأمنية والاقتصادية، والمحافظة على قنوات الاتصال في فترات الخلاف، وتحليل مواقع المسؤولين الإيرانيين ومدى تأثيرهم في القرار النهائي، إلى جانب تطوير الخبرات في القانون الدولي والأمن والطاقة والاقتصاد والسياسة الإقليمية.

دلالات خاصة للكويت

وتكتسب الدراسة أهمية خاصة للكويت، بالنظر إلى موقعها الجغرافي وعلاقاتها التاريخية مع إيران وارتباط أمنها باستقرار منطقة الخليج. ويمكن، في ضوء التحليل الذي تقدمه، استخلاص أهمية المحافظة على العلاقات الدبلوماسية وقنوات التواصل، حتى في أوقات الخلاف السياسي والأمني، والاستناد إلى فهم مؤسسي لطبيعة النظام الإيراني عند تقدير مواقفه، بدلاً من بناء السياسات على تصريحات فردية أو تحولات موقتة في الخطاب.

كما تبرز أهمية التعاون الخليجي في الدراسات الإستراتيجية وتبادل المعلومات وبناء الخبرات التفاوضية، إلى جانب دعم الدراسات المتخصصة في الشأن الإيراني والاستفادة من خبرات جامعة الكويت ومراكز البحوث الخليجية.

وتمثل هذه الاستنتاجات قراءة تحليلية لدلالات الدراسة على الكويت، وليست توصيات منقولة مباشرة عن المؤلف.

وفي قراءتها النقدية، تطرح الدراسة مجالاً لمزيد من البحث في مدى استقرار العقل التفاوضي الإيراني وسط التحولات السياسية والأمنية، وما إذا كان استخدام الوقت وإطالة المفاوضات استراتيجية مقصودة في جميع الحالات، أم أنهما قد ينتجان أحياناً عن الخلافات الداخلية والضغوط الخارجية. كما تثير مسألة إمكان بناء دول الخليج سياسة تفاوضية مشتركة تجاه إيران، في ظل اختلاف مصالحها وأولوياتها وعلاقاتها الثنائية.

وتؤكد هذه التساؤلات، وفق الخلاصة التحليلية للدراسة، أهمية اختبار أنماط السلوك التفاوضي الإيراني في ضوء التحولات السياسية وتغير موازين القوى والبيئة الإقليمية والدولية.

وتتمثل الرسالة الأساسية للتقرير في أن فهم إيران يبدأ بفهم الدولة التي تقف خلف المفاوض، بما تتضمنه من مؤسسات وتاريخ وأيديولوجيا ومصالح وضغوط داخلية وخارجية. أما بالنسبة إلى دول الخليج، فتتمثل أبرز الدروس في بناء معرفة مؤسسية عميقة، والاستعداد للتفاوض على المدى الطويل، والجمع بين استمرار الحوار وحماية المصالح الوطنية، بما يتيح الانتقال من ردود الفعل على السياسة الإيرانية إلى فهم الآليات التي تنتجها، وصولاً إلى سياسة خارجية أكثر واقعية وتوازناً.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *