قبل كل شيء، أتقدّم بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد فلاح صالح الطويل، الذي فقد حياته إثر هجوم الكلاب الضالة، سائلاً المولى عز وجل أن يتغمّده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان.
وإن كانت الكلمات لا تُعيد غائباً، فإن أقل ما يمكن أن نقدمه لأسرة الفقيد ألا تمر هذه الحادثة مرور الكرام، وألا يتحوّل فقدان إنسان إلى مجرد خبر عابر ينتهي أثره بانتهاء تداول الخبر.
وحين يقول ابن الفقيد: «أبوي راح، لكن نقدر نحمي أرواح غيره»، فإن هذه الكلمات لا ينبغي أن تُقرأ كرثاء فقط، بل كرسالة واضحة إلى الجهات المعنية والمجتمع بأسره.
رحم الله فلاح صالح الطويل، وحمى الله أهل الكويت من كل مكروه.
هناك مشكلات يمكن تأجيلها، وأخرى يمكن احتمالها، وثالثة لا يجوز للجهات المعنية أن تنتظر حتى تتحوّل إلى مأساة.
أما أن يخرج المواطن من منزله، أو يترجل من مركبته، أو يمشي في منطقة سكنية، وهو لا يعرف هل سيعود سالماً إلى أسرته أم ستطارده مجموعة من الكلاب الضالة، فهذه لم تعد قضية رفاهية، ولا ملفاً بيئياً ثانوياً، ولا موضوعاً يصلح للمناقشة الموسمية.
هذه قضية أمن وسلامة وحياة.
وما حدث للفقيد فلاح صالح الطويل يجب أن يكون جرس إنذار حقيقياً، لا خبراً آخر في وسائل التواصل الاجتماعي، ثم ينتهي مفعوله بعد ساعات.
فالسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم بكل صراحة:
كم حادثة أخرى نحتاج حتى نتعامل مع الظاهرة باعتبارها خطراً حقيقياً؟
المشكلة ليست في وجود الحيوان بحد ذاته، ولا في الدعوة إلى التعامل معه بطريقة عشوائية أو قاسية. المشكلة في ترك أعداد متزايدة من الكلاب الضالة تتكاثر وتنتشر بالقرب من المناطق السكنية والطرق والمرافق العامة، دون منظومة فعّالة ومستدامة للسيطرة عليها.
عندما تتحوّل مجموعة من الكلاب إلى مصدر تهديد للمارة، فإن المسؤولية لا تتوقف عند إصدار التحذيرات.
التحذير وحده لا يحمي طفلاً.
والمنشور التوعوي لا يمنع هجوماً.
والاتصال الذي يصل بعد وقوع الحادث لا يُعيد حياة مَنْ فقدناه.
الجهات المعنية لا تنتظر وقوع الضرر حتى تتحرك، بل تبني منظومة تمنع الخطر قبل وصوله إلى المواطن.
نحتاج إلى خطة لا إلى حملة.
الحل ليس حملة تستمر أسبوعين، ثم تختفي الكلاب وتعود المشكلة بعد أشهر.
نحتاج إلى مشروع وطني متكامل للسيطرة على الكلاب الضالة، تشترك فيه الجهات البلدية والبيئية والصحية والأمنية، وتكون له ميزانية واضحة ومؤشرات أداء معلنة.
أولاً: مسح شامل للمناطق التي تنتشر فيها الكلاب الضالة، وتحديد البؤر الخطرة بدقة.
ثانياً: الاستجابة السريعة للبلاغات الخطرة، خصوصاً داخل المناطق السكنية وبالقرب من المدارس والحدائق والمرافق العامة.
ثالثاً: السيطرة على التكاثر من خلال برامج بيطرية منظمة، لأن معالجة النتائج وترك أصل المشكلة يعني أننا سندور في الدائرة نفسها.
رابعاً: تنظيم إطعام الحيوانات في الأماكن العامة، بحيث لا يتحوّل الإطعام العشوائي إلى سبب لتجمع القطعان بالقرب من مساكن المواطنين.
خامساً: إنشاء قاعدة بيانات وطنية للبلاغات والهجمات وأماكن التجمع، حتى لا تتعامل الجهات الحكومية مع كل حادثة وكأنها حادثة منفصلة.
سادساً: تطبيق المسؤولية القانونية على مَنْ يتسبّب في التخلي عن الحيوانات أو تكاثرها بصورة تؤدي إلى الإضرار بالآخرين، وفق قانون واضح وعادل.
وسابعاً، وهو الأهم:
قياس النتيجة.
لا نريد أن نسمع: «قمنا بحملة».
نريد أن نعرف: كم انخفضت البلاغات؟ كم منطقة تم تأمينها؟ كم حادثة تم التعامل معها؟ وما الزمن الذي تستغرقه الجهة المختصة منذ وصول البلاغ حتى اتخاذ الإجراء؟
المواطن ليس طرفاً في تجربة مفتوحة، ولا يمكن أن نطلب من المواطن أن يتعلّم كيف يتصرف أمام قطيع من الكلاب، ثم نعتبر أن المشكلة حُلت.
نعم، التوعية مهمة.
لكن التوعية ليست بديلاً عن الإدارة.
المواطن من حقه أن يمشي في حيه دون أن يحمل معه وسيلة للدفاع عن نفسه، ومن حق الطفل أن يركب دراجته أمام منزله، ومن حق الأسرة أن تذهب إلى حديقة عامة دون أن تتحوّل النزهة إلى حالة طوارئ.
وفي الوقت نفسه، فإن حماية الإنسان لا تعني التخلي عن الرفق بالحيوان.
التوازن ممكن، والقانون قادر على حماية الإنسان والحيوان معاً، لكن لا تنتظروا الضحية التالية.
أخطر ما يمكن أن يحدث أن ننتظر وقوع المأساة، ثم نتحرك.
أن يموت إنسان، ثم نبدأ في البحث عن الحل.
أن يُصاب طفل، ثم نبحث عن المسؤول.
أن تتكرر الحوادث، ثم نشكل لجنة.
والأشد خطراً أن نعتاد على كل ذلك.
الفقيد فلاح صالح الطويل لن يعود إلى أسرته مهما اتخذنا من إجراءات بعد رحيله، لكن يمكن أن يكون فقده سبباً في حماية أرواح أخرى إذا تعاملنا مع القضية بجدية ومسؤولية.
المطلوب ليس إبادة الكلاب، والمطلوب أيضاً ليس ترك المواطنين يواجهونها وحدهم. المطلوب أن تدير الجهات المعنية الظاهرة بعلم وقانون ومسؤولية، وأن تمنع وصول الخطر إلى أبواب الناس قبل أن يتحول كل بلاغ إلى جنازة.
لقد قال ابن الفقيد:
«أبوي راح، لكن نقدر نحمي أرواح غيره».
هذه ليست مجرد عبارة في نعي.
هذه مسؤولية.
رحم الله فلاح صالح الطويل، وحفظ الكويت وأهلها من كل سوء.
فالكلاب الضالة قد تبدأ كظاهرة بيئية، لكنها عندما تتحوّل إلى خطر على الإنسان داخل الأحياء والطرق والمرافق العامة، فإنها تصبح قضية سلامة عامة لا تحتمل التأجيل.
