– تبني نموذج عصري يمزج بين مستحدثات الذكاء الاصطناعي وصون الضمانات القضائية وسرية البيانات
– التعديلات التشريعية التي أقرت خلال سنة ونصف أثمرت انخفاضاً ملحوظاً في إجمالي القضايا المنظورة
شهدت دولة الكويت قفزة نوعية في ترسيخ العدالة الناجزة مستندة إلى حزمة إصلاحات تشريعية وتنظيمية تزامنا والمضي قدما نحو تبني نموذج عصري يمزج بين مستحدثات الذكاء الاصطناعي وصون الضمانات القضائية وسرية البيانات.
وتوزعت الإجراءات التي تسارعت خطاها منذ مايو من العام الماضي على مسارات عدة تشمل تسريع الفصل في القضايا وخلق معالجات ناجعة لملف تراكم الطعون والإعلانات القضائية وتدشين مراحل التقاضي الإلكتروني فضلا عن تطوير النصوص القانونية التي تخدم منظومة العدالة.
فحص الطعون
ففي يوليو من العام الماضي أعلنت وزارة العدل أن محكمة التمييز وبالتعاون مع المجلس الأعلى للقضاء ومجلس الخدمة المدنية ستبدأ العمل بعدد من الدوائر الجديدة المخصصة لفحص الطعون بهدف معالجة تراكمها وتسريع الفصل فيها.
وقد جاءت تلك الخطوة ضمن خطة موسعة لتعزيز كفاءة العدالة وسرعة إنجاز القضايا حيث استندت إلى دراسات ونتائج سابقة أثبتت نجاح آلية الفصل عبر دوائر الطعون المتخصصة.
وفي سبتمبر 2025 أكد رئيس محكمة التمييز المستشار الدكتور عادل بورسلي نجاح الخطة المعتمدة من المجلس الأعلى للقضاء وإدارة محكمة التمييز لمعالجة إشكالية تكدس وتراكم القضايا في المحكمة.
وقد فصلت محكمة التمييز في 17434 طعنا خلال العام القضائي 2025 – 2026 بزيادة 7ر17 في المئة عن العام القضائي 2024 – 2025 الذي بلغت نسبة الطعون المفصول فيها خلاله 14816.
وقال المجلس الأعلى للقضاء في بيان أصدره مؤخرا إن محكمة التمييز تواصل إنهاء إشكالية تكدس الطعون إعمالا وإنفاذا للتوجيهات السامية من لدن حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح حفظه الله ورعاه وإتماما للخطة المعتمدة من المجلس في هذا الشأن.
من جهتها فصلت دوائر الجنح المستأنفة بالمحكمة الكلية خلال العام القضائي (2025 – 2026) في 36093 طعنا بزيادة 203 في المئة عن العام الذي سبقه وذلك عن المدة من أكتوبر 2025 مما ترتب عليه تقصير أمد تحديد جلسات نظر هذه الطعون ليكون بما لا يتجاوز شهرين من تاريخ إيداع صحيفة الطعن قلم إدارة كتاب المحكمة الكلية بعد أن كانت هذه المدة تتجاوز السنتين.
بدورها فصلت محكمة الاستئناف بدوائرها المختلفة بنسبة 104 في المئة من الطعون خلال العام القضائي (2025 – 2026) حيث عرض على كافة دوائر المحكمة خلال الفترة من أول أكتوبر 2025 حتى نهاية أبريل الماضي 31790 طعنا تم الفصل في 33195 طعنا تشمل طعون تلك الفترة مضافا إليها الطعون المؤجلة عن فترات سابقة.
وقد أثنى رئيس المجلس الأعلى للقضاء رئيس محكمة التمييز الدكتور عادل بورسلي في كلمة له خلال الجمعية العمومية لمحكمة التمييز التي عقدت منتصف مايو الماضي على الجهود المبذولة لاستكمال مسيرة الحد من تراكم الطعون بالمحكمة والتي “أثمرت الفصل في أعداد ضخمة من الطعون التي كانت تنتظر دورها في المحكمة”.
الإعلانات القضائية
بموازاة ذلك أنجزت وزارة العدل معالجة واسعة لملف الإعلانات القضائية باعتباره أحد أبرز أسباب تعطل القضايا وتأجيل الجلسات أمام المحاكم بما يمثله من أساس انعقاد الخصومة وبداية السير الصحيح في الدعوى.
وذكر وزير العدل المستشار ناصر السميط في تصريح له يونيو الماضي أن نسبة الأحكام الصادرة باعتبار الدعوى كأن لم تكن بسبب عدم إتمام الإعلان بلغت نحو 36 في المئة مشيرا أن الربط الإلكتروني مع وزارة التجارة والصناعة والهيئة العامة للمعلومات المدنية الذي اكتمل بتاريخ 29 مارس الماضي أسهم في رفع نسبة توافر بيانات اتصال الشركات من نحو 8ر0 بالمئة إلى نحو 67 بالمئة بعد أن أصبحت بيانات الاتصال متوافرة لنحو 162 ألف شركة من أصل 242 ألف شركة.
وأكد المستشار السميط أن إعلان الشركات عبر تطبيق (سهل أعمال) يمثل نقلة مهمة في التقاضي التجاري والمدني لأنه يربط الإعلان القضائي ببيانات رسمية محدثة ويحمل الشركات مسؤولية صحة بياناتها ويسهم في تقليل حالات تعذر الإعلان وتسريع انعقاد الخصومة.
وفي الجانب الميداني بين السميط أن وزارة العدل طورت آلية عمل مندوبي الإعلان عبر أدوات إلكترونية تتيح إنجاز الإعلانات القضائية بصورة أسرع وأكثر دقة مع ربط كل إعلان ببيانات الدعوى وأطرافها وإجراءاته القانونية الأمر الذي يقلل العمل اليدوي ويرفع كفاءة الإنجاز.
الختم الإلكتروني
وأفاد بأن اعتماد الختم الإلكتروني الرسمي للوثائق الصادرة عن وزارة العدل يعزز موثوقية المستندات الإلكترونية ويتيح التحقق من أن الوثيقة أصلية وصادرة عن الوزارة.
وفي الجانب الجزائي قال السميط إن التوسع في إعلان الأحكام الجزائية إلكترونيا يمثل خطوة مهمة مشيرا إلى أن هذه المعالجة تمت بالتعاون مع وزارة التجارة والصناعة والهيئة العامة للمعلومات المدنية ووزارة الدولة لشؤون الاتصالات والجهاز المركزي لتكنولوجيا المعلومات وشركة (مايكروسفت).
وقد أظهرت مؤشرات وزارة العدل ارتفاعا قياسيا في عدد الإعلانات الإلكترونية في القضايا الجزائية بإجمالي 27665 إعلانا خلال الفترة من 7 يونيو إلى 9 يوليو 2026 مقارنة بـ 12 إعلانا فقط خلال الفترة نفسها من العام 2025 في تحول يعكس الانتقال الفعلي إلى منظومة الإعلان الإلكتروني في الإجراءات الجزائية.
النظام الإلكتروني
كما أطلقت الكويت مطلع يوليو الجاري المرحلة الأولى من النظام الإلكتروني للتقاضي الخاص بالأوامر الجزائية كأول نظام من نوعه في البلاد يصدر من خلاله حكم إلكتروني بالكامل في هذا المسار.
ويستمد النظام الجديد أهميته من كون الأوامر الجزائية تشكل سنويا نحو 20 في المئة من إجمالي الوارد إلى المحاكم من القضايا فضلا عن أنه يمثل خطوة مهمة في مسار التقاضي الإلكتروني في القضايا الجزائية البسيطة ضمن توجه وزارة العدل لبناء منظومة عدلية رقمية أكثر سرعة وكفاءة.
وذكر وزير العدل المستشار ناصر السميط أن الأوامر الجزائية ستعالج عبر النظام الإلكتروني الجديد بدءا من تلقي الطلب مرورا بنظره وإصداره وانتهاء بإعلانه عبر الوسائل المعتمدة قانونا بما يختصر الزمن الإجرائي ويقلل الاعتماد على الدورة الورقية ويسهم في الحد من مخاطر سقوط القضايا الجزائية بالتقادم.
تيسير الإجراءات
وعلى الصعيد التشريعي استهدف المرسوم بقانون رقم 71 لسنة 2025 بتعديل بعض أحكام قانون المرافعات المدنية والتجارية تيسير إجراءات التقاضي في ظل ما أظهرته تقديرات السنوات الخمس الأخيرة بأن الدعاوى التي لا تزيد قيمتها عن ألفي دينار تشكل ما نسبته 75 في المئة من مجمل الدعاوى التي تنظرها المحاكم الجزئية.
ونظرا لتبني الطرق الحديثة في إعلان الأوراق القضائية فقد نصت المادة 167 من القانون على جواز تكليف الدائن للمدين بأية وسيلة اتصال إلكترونية حديثة قابلة للحفظ والاستخراج يصدر بها قرار من وزير العدل (كتطبيق سهل) أو عبر الطريق التقليدي بالبريد المسجل.
التقاضي الإلكتروني
بموازاة ذلك جاء المرسوم بقانون رقم 133 لسنة 2025 بتعديل بعض أحكام قانون المرافعات المدنية والتجارية ليحقق جملة أهداف من بينها مواكبة التطورات فيما يتعلق بالتقاضي الإلكتروني لما يحققه من سرعة الإجراءات واختصار الوقت والجهد وخفض النفقات فضلا عن معالجة ما كشفه الواقع العملي والإحصائيات الرسمية من تماد في الالتجاء إلى طلبات رد القضاة من جانب بعض المبطلين الراغبين في إطالة أمد التقاضي واستخدامه سبيلا للكيد في الخصومة واللدد فيها.
ووضع القانون السند القانوني لنظام التقاضي الإلكتروني بصورته الشمولية مع جواز تعزيزه من خلال إنشاء مكتب تهيئة الدعوى أو الطعن بحسب الأحوال في كل محكمة يناط به مباشرة المهام التحضيرية للملف الإلكتروني منذ لحظة قيده حتى موعد الجلسة الأولى بما يشمل فحص البيانات واستكمال ما قد ينقص من مستندات وتسجيلها في ذلك النظام والتواصل مع الأطراف عبر الوسائل الرقمية لإبلاغهم بالأمور ذات الصلة بتقاضيهم.
أما المرسوم بقانون رقم 157 لسنة 2025 بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية فقد استهدف في بعض تعديلاته تحقيق السرعة في الإجراءات وتبسيطها وتوفير الوقت والجهد وتخفيض النفقات بالاستغناء عن كل ما هو مطبوع ورقيا فضلا عن التيسير على القضاة أنفسهم بما يتيحه من استعراضهم لطلب الأمر الجزائي ومرفقاته إلكترونيا.
ولما كانت التكنولوجيا تعتبر أداة مهمة في إنجاز المهام بشكل دقيق وسريع عمد القانون إلى منح مرونة أكبر لإجراءات الفصل في الأوامر الجزائية بحيث إذا ما قدم للمحكمة طلب الأمر الجزائي من خلال الموقع أو النظام الإلكتروني التابع لها أصدرت أمرها في شأنه مذيلا بالتوقيع والإلكتروني المعتمد لقاضيها.
ونص المشرع صراحة على أن يكون للتوقيع الإلكتروني وللمستندات الإلكترونية المرفقة بالطلب في هذه الحالة ذات الحجية المقررة للتوقيعات أو المحررات الورقية الرسمية متى استوفت الشروط والأحكام المقررة في قانون المعاملات الإلكترونية واللوائح التنفيذية الصادرة بموجبه.
وأثمرت التعديلات التشريعية التي أقرت خلال السنة ونصف الماضية عن انخفاض ملحوظ في إجمالي القضايا المنظورة أمام القضاء خلال النصف الثاني من عام 2025 بنسبة تقارب 21 في المئة مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2024.
كما سجلت أوامر الأداء انخفاضا واضحا بنسبة نحو 40 في المئة إذ انخفض عددها من 56 ألفا تقريبا في النصف الثاني من 2024 إلى نحو 34 ألف أمر في الفترة ذاتها من عام 2025.
