المطارات باتت إمبراطوريات… لوجستية – الراي


– المطارات الليلية أصبحت تبيع السرعة والموثوقية والاتصال العالمي

– الشركات الصناعية والتجارية تستثمر قرب المطارات لسهولة الوصول للأسواق

أرقام – بينما يخلد العالم إلى النوم، هناك كيانات اقتصادية موازية تعيش تحت أضواء كشافات «إل إي دي» عالية الكثافة في مناطق رئيسية حول العالم.

ومع بدء إغلاق العديد من المطارات لأبوابها عند منتصف الليل، تصبح صالات السفر أكثر هدوءاً، وتفرغ بوابات المغادرة تدريجياً من المسافرين، فيما تبدأ أضواء المدن المحيطة بالتلاشي خلف المدارج.

في المقابل هناك عدد محدود من المطارات حول العالم يشهد وضعاً معاكساً تماماً، فخلال ساعات قليلة تتقاطر مئات الطائرات إلى هذه المطارات، وتبدأ أنظمة الفرز الآلية بالعمل بأقصى طاقتها، فيما تنتقل ملايين الطرود بين الطائرات ومراكز التوزيع.

أدوية عالية القيمة، وأجهزة إلكترونية، ومكونات صناعية، وشحنات التجارة الإلكترونية، كلها يُعاد توجيهها قبل بزوغ الفجر، ليستيقظ المستهلكون ويجدوا أن السلع التي طلبوها في اليوم السابق قد قطعت آلاف الكيلومترات في طريقها إليهم.

في عالم الطيران الحديث، لم يعد الليل مجرد امتداد لساعات العمل النهارية، بل أصبح في كثير من الحالات الفترة الأكثر قيمة اقتصادياً، خاصة في ظل نمو التجارة الإلكترونية، وانتشار سلاسل التوريد العالمية، واعتماد الشركات على أنظمة الإنتاج والتسليم السريعة.

وتستند الجدوى الاقتصادية للمطارات الليلية إلى حقيقة بسيطة مفادها أن الوقت أصبح سلعة اقتصادية بحد ذاته.

وتعتمد شركات الشحن السريع على القدرة على جمع الطرود في مدينة ما خلال ساعات النهار، ثم نقلها جواً وفرزها وإعادة توزيعها لتصل إلى وجهتها في صباح اليوم التالي، ومن دون الرحلات الليلية، ستصبح خدمات التوصيل السريع أبطأ وأكثر تكلفة بكثير.

وتشير دراسات أعدتها وزارة النقل البريطانية إلى أن أي تغيير في سياسات الرحلات الليلية يؤثر بشكل مباشر في المطارات وشركات الطيران والمسافرين والاقتصاد المحلي.

لذلك فإن المطارات الليلية لا تبيع مجرد رحلات جوية، بل تبيع السرعة والموثوقية والاتصال العالمي، وهي عناصر أصبحت أساسية في الوقت الحالي.

ويصعب الحديث عن اقتصاد المطارات الليلية دون التوقف عند أكبر مراكز الشحن الجوي في العالم.

ويُعد مركز فيديكس سوبرهب في مطار ممفيس الدولي بولاية تينيسي الأميركية أحد أبرز الأمثلة على ذلك. ففي كل ليلة تصل طائرات الشحن التابعة لشركة فيديكس من مختلف أنحاء العالم، ويتم تفريغ الشحنات وفرزها وإعادة تحميلها قبل ساعات الفجر.

وخلال فترات الذروة، يستطيع المركز معالجة ما يصل إلى 2.4 مليون طرد في ليلة واحدة، فيما يظل مطار ممفيس من بين أكثر مطارات الشحن ازدحاماً عالمياً، مع مناولة نحو 4.5 مليون طن من البضائع سنوياً.

وتتكرّر الصورة في مطار محمد علي الدولي بمدينة لويفيل الأميركية، الذي يحتضن مركز يو بي إس وورلد بورت الذي يُعد واحداً من أكبر مرافق الفرز اللوجستي في العالم، إذ يمتد على مساحة تقارب 5.2 مليون قدم مربعة، ويمكنه معالجة أكثر من 400 ألف طرد في الساعة.

وتتعامل منشآت «يو بي إس» في لويفيل مع نحو مليوني طرد يومياً، ما يجعلها القلب النابض لشبكة التوصيل السريع التابعة للشركة التي تربط أكثر من 200 دولة وإقليم حول العالم.

وتوضح تلك الأنشطة أن العمليات الليلية ليست عنصراً مكملاً لشبكات الشحن الحديثة، بل تمثل جوهر هذه الشبكات وأساس عملها. ولا تقتصر فوائد المطارات الليلية على شركات الطيران والشحن فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد المحلي المحيط بها.

النقل البري

وتخلق المطارات التي تعمل ليلاً فرص عمل في مجالات التخزين والنقل البري والجمارك والصيانة والتقنيات الرقمية والأمن والخدمات اللوجستية المختلفة.

كما تميل الشركات الصناعية والتجارية إلى الاستثمار بالقرب من هذه المطارات للاستفادة من سهولة الوصول إلى الأسواق العالمية.

وتُعد مدينة لويفيل مثالاً واضحاً على ذلك، حيث ساهم وجود مركز«يو بي إس وورلد بورت» في تحويل المدينة إلى مركز رئيسي للخدمات اللوجستية والتوزيع، وجذب استثمارات من شركات الرعاية الصحية والتجارة الإلكترونية والتصنيع المتقدم.

أما مدينة ممفيس، فقد أصبح اقتصادها مرتبطاً بشكل وثيق بعمليات فيديكس، إلى درجة أن العديد من القطاعات الاقتصادية المحلية نشأت وتطورت اعتماداً على قدرة المطار على نقل البضائع ليلاً إلى مختلف أنحاء العالم.

وأظهرت دراسة صادرة عن هيئة مطارات لويفيل أن مطار لويفيل محمد علي ومطار بومان في ولاية كنتاكي أسهما في دعم نشاط اقتصادي بقيمة 12.8 مليار دولار خلال عام 2024، إضافة إلى دعم نحو 90 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة.

ورغم أن الشحن الجوي يهيمن على النقاشات المتعلقة بالمطارات الليلية، فإن رحلات الركاب الليلية تخلق بدورها قيمة اقتصادية كبيرة.

فالكثير من الرحلات العابرة للقارات تُجدول خلال ساعات الليل لتحقيق أقصى استفادة من الطائرات، ولتمكين المسافرين من الوصول إلى وجهاتهم خلال ساعات العمل في اليوم التالي.

وتسمح الرحلات الليلية برفع معدلات استخدام الطائرات، وهو عامل حاسم في صناعة تتميز بهوامش ربح محدودة نسبياً. علاوة على ذلك، فإن توسيع ساعات التشغيل إلى الفترات المتأخرة من الليل والصباح الباكر يوفر شبكة أمان لا تقدّر بثمن لشبكة الطيران بأكملها.

ووفقاً لبيانات منظمة إيروكنترول، يتأثر المجال الجوي الحديث بشدة بتأخيرات تدفق الحركة الجوية، حيث تتسبّب أحوال الطقس وقيود القدرة الاستيعابية الهيكلية في ملايين الدقائق من التأخير سنوياً.

الرحلات الطويلة

وعندما يعمل المطار بجدول زمني على مدار 24 ساعة، فإنه يمتلك المرونة النظامية لاستيعاب الرحلات الطويلة أو العابرة للمحيطات المتأخرة.

وتتحمل المجتمعات السكنية القريبة من المطارات جزءاً من تكلفة هذا النشاط من خلال الضوضاء واضطرابات النوم والتأثيرات الصحية المرتبطة بالتعرض المستمر لأصوات الطائرات.

وقد أدى ذلك إلى مطالبات متزايدة بفرض قيود أو حظر جزئي على الرحلات الليلية في عدد من المطارات الكبرى. وتبرز هذه الإشكالية في مطاري هيثرو البريطاني وسخيبول الهولندي على سبيل المثال، حيث أُجريت دراسات موسعة لتقييم ما إذا كانت المنافع الاقتصادية للرحلات الليلية تفوق التكاليف الاجتماعية والصحية المترتبة عليها.

وفي رد رسمي قدمه مطار هيثرو للحكومة البريطانية، ذكر أن الرحلات التي تصل قبل السادسة صباحاً تحقق عائداً أعلى بنحو 50 جنيهاً إسترلينياً (67 دولاراً أميركياً) لكل راكب مقارنة بالرحلات الواصلة بين السادسة والسابعة صباحاً.

أما بالنسبة للشحن، فإن العائد يرتفع بنحو 2100 جنيه إسترليني (2825 دولاراً أميركياً) إضافية لكل طن من البضائع مقارنة بالشحن في الساعة التالية.

على الجانب الآخر، تشير بعض الدراسات المتعلقة بمطار سخيبول إلى أن فرض حظر ليلي قد يحد بشكل كبير من اضطرابات النوم للسكان.

وبينما تكشف المطارات الليلية عن حقيقة نادراً ما يلاحظها معظم الناس، وهي أن جزءاً من أكثر الأنشطة الاقتصادية قيمة في العالم يحدث بينما ينام الجميع، يبرز تحد حقيقي يتمثل في تحقيق التوازن بين المكاسب الاقتصادية وعدم التضحية بجودة حياة المجتمعات المحيطة بها.

وقد تكون المطارات الأكثر نجاحاً مستقبلاً هي تلك التي تنجح في تحويل ساعات الظلام إلى قيمة اقتصادية مستدامة ومقبولة اجتماعياً.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *