المناورة تضيق أمام بيروت بعد «الحزم» الأميركي


يَدخل لبنان شهر أكتوبر مَشدوداً إلى حَبْسِ الأنفاسِ في المنطقة التي تقف على مفترقِ جبهة إيران حيث تسير مساعي إحداث خرْقٍ سياسي جنباً إلى جنب مع «ديبلوماسية القوة» التي تُترجم برفْع الجهوزية في الميدان، في الوقت الذي بدأت هوامشُ المناورة تضيق أمام بيروت في ما خصّ ملف حَصْرِ السلاح بيد الدولة الذي يشكّل مع الانسحابِ الإسرائيلي من الجنوب «وجهان لمسار واحد».

وفيما كانت المنطقةُ مأخوذةً بالحادث الذي تَعَرَّضَتْ له رحلةُ «فلاي دبي» في طريقها الى تل أبيب وخصوصاً في ضوء «التصنيفات» الإسرائيلية الرسمية له وما يمكن أن تَعنيه أو يترتّب عليها، فإنّ لبنان بقي تحت تأثير أصداء الزيارة البارزة التي قام بها رئيس الحكومة نواف سلام لواشنطن في توقيتٍ شديد الحساسية بالنسبة إلى «بلاد الأرز» العالقة بين حربٍ لم تنتهِ فعلياً على جبهتها وسِلْمٍ محكومٍ كي يبدأ بأن تنقشع الرؤيةُ على جبهة إيران.

متاعب الدولة اللبنانية

ويعمّق هذا التوازي، القائم بحُكْم الأمر الواقع الذي يفرضه «حزب الله»، من متاعب الدولة اللبنانية التي وَجَدَتْ نفسها منذ توقيع «الاتفاق الإطار» مع إسرائيل والولايات المتحدة (26 يونيو) والذي خفّض التصعيد في شكل كبير على جبهة لبنان، أمام امتحانِ تنفيذ قرار حَصْرِ السلاح بيدها في كل البلاد والذي كانت أولويّته، الموازية للانسحاب الإسرائيلي، تختبئ خلْف آلية المناطق التجريبية المنظِّمة للانسحابِ المُمَرْحَل والمحصورِ بفعل جغرافية الاحتلال بجنوب الليطاني وبعض شمال النهر، والذي نصّ اتفاق 26 يونيو على أن يقابله انتشار للجيش اللبناني في كل بقعة تُخْليها تل أبيب لتفكيك أي بنية عسكرية لحزب الله فيها ومنْعه من العودة إليها.

ولكن ومع تَولّي إسرائيل بيدها في الأشهر الخمسة الماضية «حَصْر السلاح» داخل جنوب الليطاني، ارتسمتْ تباعاً، ولا سيما في الأيام الأخيرة، المعادلة التي لم تَعُد خافية والقائمة على أنّ الانسحابَ المتدرّج لا يمكن أن يكون مقابل دخول الجيش اللبناني بل لقاءَ سحْبِ السلاح من المناطق غير الخاضعة لاحتلال إسرائيل، وهي المعادلة التي بات لبنان على محكّها باعتبار أنه هو مَن التزم بهذا الأمر بقراراتٍ حكوميةٍ وخططٍ مُمَرْحلةٍ، قبل أن يكرّر هذا التعهّد في «الاتفاق الإطار»، الذي يتضمّن فقرات عن سحْب السلاح الكامل والمتحقَّق منه لجميع الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، بحيث لا يكون لهذه الجماعات «أي دور عسكري أو أمني، أو أي قدرات مسلحة في أي مكان داخل لبنان».

وقد فُسّر ما نُقل ليل الثلاثاء، عن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو – الذي التقاه سلام في واشنطن يوم الاثنين – عن «أن انتشار الجيش اللبناني في الجنوب، على أهميّته، لا يكفي وحده من دون خطوات فعلية تؤدي إلى نزع سلاح حزب الله وحصر السلاح بيد الدولة»، على أنه حضٌّ لبيروت على إطلاقِ مَسار تفكيك ترسانة الحزب شمال الليطاني بهدف إخراجِ المفاوضاتِ المباشرة مع إسرائيل من وضعية المراوحة التي دخلتْها بفعل رفْض تل أبيب أي توسيعٍ للمناطق التجريبية، لأسباب انتخابية وأخرى تتصل بجعل لبنان يسلّم بأن سلاح الحزب في كل المناطق هو ثمن انسحابها وأن يتصرّف على هذا الأساس.

واعتُبر كلام سلام من واشنطن بمثابة استشعارٍ من لبنان بأنه لم يَعُد هناك مجال لتأخير ملف السلاح، وفق ما كانت الحكومة تعهّدت به، وسط التعاطي مع طرْحه معادلةً – على قاعدة التبادلية والمرحلية – تقوم على «وضْع جدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي ولتنفيذ حصرية السلاح بيد الدولة ويجب أن يتقدّم هذان المساران بالتوازي»، على أنها في إطار الاقتناع بأن ثمة حاجة لِما هو أبعد من المواقف المهمة التي تطالب بجعل إسرائيل تتوقّف عن خروقها وبأن تَمْضي في المناطق التجريبية، وتحديداً لجهة تفعيل مسار سَحْبِ السلاح.

«ساعة الحقيقة»

وترى أوساط سياسية أنه في حال نجح لبنان في تحويل ملف السلاح ورقة يمكن انتزاع جَدْولٍ زمني للانسحاب الإسرائيلي على أساسه بما يشكّل وثيقةً تؤكد فيها تل أبيب عدم وجود نياتٍ للبقاء في الجنوب، فإن ذلك سيشكّل باباً لوضع حزب الله أمام «ساعة الحقيقة».

وهذا التحدّي يفترض أن يكون حاضراً في جولة المفاوضات التي تردد في بيروت انها ستُعقد بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية في تامبا – فلوريدا وعلى الأرجح في 20 اكتوبر، أي قبل موعد الانتخابات الإسرائيلية، وان قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر سيشارك فيها على أن يترأس الوفد اللبناني السفير السابق سيمون كرم في حضور السفيرة ندى حمادة معوض.

وجرتْ مقاربة هذا المعطى المستجدّ على أنه بمثابة «حلّ وسطي» لتَفادي عدم انعقاد المفاوضات بجناحيْها العسكري والسياسي – الديبلوماسي في روما هذا الشهر، بحيث تشكّل محطة تامبا إبقاءً على خط التفاوض وحمايةً لمبدئه، وسط رصْدٍ لما إذا كان لبنان سيحمل معه إلى الاجتماع المفترَض أي جدولٍ زمني وما طبيعته و«حدوده».

ويُنتظر أن يناقش جدول الأعمال المناطق التجريبية واستكمال البحث في آلية التحقّق التي صارت متشابكة مع مرحلة ما بعد انتهاء مهمة قوة «اليونيفيل» في الجنوب آخر السنة، في ظلّ إقرارٍ لبناني بأن أي تمديد لها طويت إمكاناته، بفعل الرفض الأميركي الذي يُرجح أن يكون سلام سمعه في واشنطن، ومحاولة بيروت إيجاد بديلٍ تحت راية الأمم المتحدة، وهو ما تعترضه المواءمة الشائكة بين «وظيفة» البديل وتالياً «تعايشه» مع آلية التحقق الناظمة للاتفاق الإطار، وبين حاجةِ استيلاده إلى توفير تقاطعاتٍ مانعة لأي فيتو في مجلس الأمن سواء من روسيا والصين (في حال منْح البديل تفويضاً لم تحصل عليه اليونيفيل) أو من الولايات المتحدة (اذا أريد استنساخ تجربة القبعات الزرق تحت مسمى آخَر).

وفي هذا الوقت أثنى نائب مستشار الأمن القومي الأميركي مايكل نيدهم على الجهود التي تبذلها الحكومة اللبنانية للتوصل إلى بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها والنهوض باقتصادها، مؤكداً «أن إسرائيل لا أطماع لها في لبنان، وأن وجودها يقتصر على تثبيت أمن مناطق الشمال»، ومشدداً على «ضرورة التزام حزب الله بتسليم سلاحه مقابل انسحاب إسرائيل، وإنجاح اتفاق الإطار وتحديد الجهة المناسبة للتحقق من التنفيذ».

وجاء موقف نيدهم خلال لقائه وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، في البيت الأبيض، حيث تناول الاجتماع الوضع العام واتفاق الإطار وسبل إنجاحه.

وبعد عرض مفصل لحقيقة الواقع الحالي في لبنان أكد رجي أن اللبنانيين يريدون العيش في بلد طبيعي، مؤكداً أن حصر السلاح بيد الدولة قرار سيادي لبناني ليس تلبية لأحد، لا إسرائيل ولا الولايات المتحدة، وإنما يهدف إلى تمكين اللبنانيين من العيش في كنف دولة طبيعية.

وإذ أشار إلى ضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية واستكمال تنفيذ حصر السلاح اعتبر أن الدور الإيراني غير مسهِّل بل معطِّل.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *