– البنوك لم تفعّل التسهيلات الرقابية باستثناء مصرف واحد استفاد ولأيام معدودة
– المصارف لم تستغل مُخفّفات «المركزي» بفضل مصدات هوامشها المريحة
– البنوك ضخّت نصف ودائعها لدى «المركزي» في اكتتابات الدّين العام بـ 9 أشهر
– تاريخياً.. ليست المرة الأولى التي تعتمد البنوك على نفسها فسبق وتجاهلت حزمة «كورونا»
– المصارف نجحت في إدارة سيولتها وتمويل خطوط الاقتصاد دون التقيّد بالوسادات المُوقّتة
في النصف الثاني من أغسطس الماضي سأل بنك الكويت المركزي البنوك الكويتية مباشرة، ما الفترة التي تحتاجونها لترتيب أوضاعكم والعودة مجدداً إلى نسب السيولة الرقابية المُطبّقة قبل خفضها استثنائياً، ضمن تسهيلات الحزمة التحفيزية التي أطلقها آواخر مارس الماضي، لمنع انتقال تأثيرات الصدمة الجيوسياسية، التي اندلعت في المنطقة 28 فبراير الماضي، من أسواق الطاقة إلى أنظمة البنوك؟
فترة مناسبة
وقتها وتحديداً في عددها الصادر 24 أغسطس الماضي، نشرت «الراي» تحت عنوان «سؤال رقابي برسم البنوك: ما الفترة المناسبة لترتيب أوضاعكم والعودة لحدود ما قبل الحزمة التحفيزيّة؟» تحليلاً استقصائياً لم يخل من سبق الخبر، خلصت خلاله إلى أن جميع البنوك المحلية لم تلجأ أساساً إلى الاستفادة من تسهيلات متطلبات السيولة والتمويل ومعدل كفاية رأس المال، باستثناء بنك واحد استخدمها في نطاق ضيق جداً ولمرة واحدة، ولأيام معدودة قبل أن يعود إلى استيفاء حدود ما قبل الحرب.
ومؤدى أن البنوك لم تستغل مخففات «المركزي» رقابياً وتحليلياً أن مؤشرات السلامة المالية لديها، بما في ذلك مستويات السيولة ومعدل كفاية رأس المال، تفوق المعدلات العالمية والمتطلبات الرقابية المحلية بهوامش مريحة، الأمر الذي يعكس صلابة مراكزها المالية وقدرتها على مواجهة مختلف التحديات.
لكن إذا كان ذلك صحيحاً، لماذا هبطت حسابات وودائع البنوك المحلية لدى «المركزي» إلى النصف تقريباً أول 9 أشهر من 2026، حيث انخفضت نحو 2.39 مليار تعادل 49.2 % منذ بداية العام، لتبلغ 2.46 مليار بنهاية سبتمبر، مقابل 4.85 مليار في ديسمبر 2025، كما تراجعت على أساس شهري بنحو 34.7 مليون، وبنسبة 0.7 %.
وهنا يبدو السؤال منطقياً في بنيته الاستفهامية التقليدية، لكن على قاعدة «قراءة الأرقام تظهر الوجه الآخر الأكثر دقة للحقيقة»، يلحظ حسب بيانات «المركزي» المنشورة على موقعه أنه تزامن مع هبوط رصيد ودائع البنوك لدى «المركزي» منذ بداية العام حتى سبتمبر إصدار أدوات دين عام تشمل على أذونات وسندات خزانة وتورق جديدة بقيمة 2.05 مليار في الفترة نفسها، ليرتفع مع ذلك رصيد مقتنيات البنوك المحلية من أدوات الدّين العام خلال الفترة نفسها 68.9 % إلى 3.8 مليار دينار، كما ارتفع 2.6 مليار على أساس سنوي مقارنة برصيد أغسطس 2025.
الفترة نفسها
وهذا يعني حسابياً ومصرفياً أن القيمة التي هبطت في رصيد ودائع البنوك لدى «المركزي» طبيعية، حيث تم ضخها في أدوات الدّين العام التي صدرت خلال الفترة نفسها، ضمن سياستها في إدارة فوائض السيولة المتراكمة لديها، وبمقاربة أدق تكون البنوك مع ذلك مثل من «استبدل سيارته المرسيدس الحمراء بأخرى بيضاء»، ما يؤكد أن القطاع المصرفي المحلي نجح في إدارة عملياته وتمويل الاقتصاد، في ظل بيئة خارجية مضطربة بكفاءة عالية دون الاعتماد على وسادات مُوقّتة.
وللتبسيط، يلزم «المركزي» البنوك بنسب سيولة محددة رقابياً لضمان كفاءة السلامة المالية والسيولة وكفاية رأس المال، وتشمل أن يكون الحد الأدنى لمعيار تغطية السيولة «LCR» بنسبة 100 %، ومعيار صافي التمويل المستقر «NSFR» أيضاً بـ 100 %، والسيولة الرقابية «RLR» بمعدل 18 %، والحد الأقصى المتاح للتمويل «MLL» نسبة 100 %، وذلك بهدف تعزيز قدرة البنوك على تقديم التمويل للقطاعات الاقتصادية المختلفة، ودعم استمرارية الأنشطة دون انقطاع.
رفع الكفاءة
وتجاوباً رقابياً مع متطلبات رفع كفاءة البنوك في مواجهة تداعيات الحرب المفتوحة في المنطقة قرر «المركزي» في مارس السماح للبنوك بتعديل هذه النسب بما يعزّز مرونة القطاع المصرفي المحلي، وتمكينه من دعم أوجه النشاط الاقتصادي وضمان استقرار العمل المصرفي، لكن ما حدث أن البنوك لم تستغل هذا الهامش وحافظت على نسب تتجاوز المتطلبات العالمية ونسب «المركزي».
وتاريخياً هذه ليست المرة الأولى مصرفياً، فخلال جائحة كورونا أطلق «المركزي» في 20 أبريل 2020 حزمة تسهيلات مشابهة بهدف مساعدة القطاع المصرفي على تخطي الظروف والاستمرار في تقديم مزيد من القروض والتمويل لدعم القطاعات الاقتصادية الحيوية، والمشاريع ذات القيمة المضافة للاقتصاد، والمتضررين من أفراد ومشاريع صغيرة ومتوسطة وشركات، دون توقّف.
ولم يثبت أثناء ذلك أن أياً من البنوك المحلية استخدم المساحة الإضافية المُقرّرة رقابياً لدعم السيولة مُقابل الاستمرار في توفير التمويل المطلوب، رغم الإغلاقات الاقتصادية التي حدثت خلال الجائحة جزئياً وكلياً.
الناظم الرقابي
ويُرسّخ عدم استخدامها للحزم التحفيزية التي أطلقها الناظم الرقابي في الأزمات متانة البنوك الكويتية وسلامة مُؤشّراتها المالية وقوة سيولتها وكفاءتها رأسمالياً، مدعومة بقدرة كبيرة في مواجهة الأزمة بمصدّات وقائية كافية لتجاوز تحدّيات العبء الجيوسياسي منفردة، مدفوعة بمُؤشّرات سلامة مالية وسيولة وكفاية رأسمال قادرة على امتصاص الخسائر دون هوامش استثنائية.
وما يُعزّز هذه المتانة ما أكّده «المركزي» في تصريحات سابقة ووكالات التصنيف الدولية أن قوة القطاع المصرفي تأتي نتيجة للسياسات التحوطية الحصيفة طويلة الأمد التي انتهجها على مدار السنوات الماضية، والتحرك بما يضمن استمرار استدامة النشاط المصرفي المحلي، ما أدى إلى زيادة مرونة البنوك الكويتية لدعم أوجه النشاط الاقتصادي ودعم استقرار العمل المصرفي دون الحاجة إلى استخدام الاستثناءات في حدود السيولة والتمويل.
ضغوط السيولة متأتية من أوجه أخرى والفائدة أحدأدوات معالجتها مصرفياً
بالطبع لا يعني أن البنوك الكويتية لا تزال على نسب تتجاوز المقرر رقابياً أنها لا تواجه في المطلق ضغوطاً تتعلق بتغطية الأرصدة اللازمة لتمويل عملياتها الائتمانية سواء الموجهة للشركات أو الأفراد.
لكن مع تباطؤ حركة التمويل منذ بداية السنة بسبب الحرب، ولجوء غالبية البنوك إلى تعزيز قدرتها الرأسمالية بإصدار سندات وصكوك متوافقة مع متطلبات الشريحة الأولى لرأس المال «Tier 1» والثانية «Tier 2»، بهدف تعزيز معدلات كفاية رؤوس أموالها وفقا لمتطلبات «بازل 3» وتعليمات «المركزي»، نجح القطاع المصرفي بهذا المزيج في تعزيز مصداته لتوفير السيولة المقابلة لتمويل حاجة وحداته التمويلية، دون الاضطرار إلى تسييل ودائعها في «المركزي».
إضافة إلى ذلك كان ملاحظاً خلال الفترة الماضية اشتعال المنافسة مصرفياً على استقطاب الودائع بأسعار فائدة غير مسبوقة منذ أزمة 2008، حيث تم استخدام سلاح الفائدة مصرفياً كأحد أدوات تعزيز مصدات السيولة المستقرة، بما يسهم مع حلول أخرى في استمرار تغذية احتياجات البنوك تمويلياً دون التعرض لفجوات.
