تراجع التحصيل الدراسي في دول الدخل المرتفع يُهدّد مهارات اقتصاداتها


– متوسط درجات الرياضيات والقراءة والعلوم بأدنى مستوياته

– الصين واليابان وسنغافورة الأنجح في توظيف الذكاء الاصطناعي بالتعليم

كشفت نتائج حديثة لاختبار معياري عالمي تراجعاً ملحوظاً في مستويات التحصيل الدراسي لدى طلاب الدول مرتفعة الدخل، بالتزامن مع انخفاض مشاركة الأسر في متابعة تعليم أبنائها وتزايد تأثير المشتتات الرقمية، في مؤشرات تثير تساؤلات بشأن مستقبل جودة رأس المال البشري والمهارات اللازمة لدعم الاقتصادات المتقدمة.

وذكر موقع إن بي سي نيوز أن أكثر من 760 ألف طالب في الخامسة عشرة من العمر من عشرات الدول والاقتصادات شاركوا العام الماضي في برنامج تقييم الطلاب الدوليين «بيزا»، الذي تشرف عليه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وأظهرت النتائج، التي أُعلنت يوم الثلاثاء الماضي، أن متوسط درجات الطلاب في الرياضيات والقراءة والعلوم بلغ أدنى مستوياته في تاريخ التقييم بين الاقتصادات المتقدمة، مع استمرار تراجع نتائج القراءة والرياضيات في الولايات المتحدة.

وتصدرت دول واقتصادات آسيوية نتائج الاختبار، وفي مقدمتها سنغافورة وتايوان واليابان وكوريا الجنوبية والصين، فيما حققت إستونيا والمملكة المتحدة ونيوزيلندا نتائج قوية أيضاً.

عوامل مرتبطة

وحسب التقرير، قد يكون أحد العوامل المرتبطة بالتراجع في التحصيل انخفاض مستوى المتابعة الأسرية للتعليم، إذ شهدت معظم الدول تراجعاً في مشاركة الأسر في تعليم أبنائها مقارنة بعام 2022، وكان التراجع أكثر وضوحاً بين الأولاد، ويستند هذا المؤشر إلى مدى تواصل الآباء مع أبنائهم بشأن الواجبات المدرسية واهتمامهم بما يتعلمونه.

ونقل «إن بي سي نيوز» عن مدير التعليم والمهارات في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أندرياس شلايشر، قوله إن الآباء باتوا ينظرون إلى أنفسهم بدرجة أكبر باعتبارهم زبائن للمدرسة، بدلاً من إظهار اهتمام شخصي ومباشر بتعلم أبنائهم.

وأظهرت البيانات أهمية هذا العامل، إذ سجل الطلاب الذين قالوا إن أحد أفراد عائلاتهم يسألهم مرة واحدة على الأقل أسبوعياً عما فعلوه في المدرسة نحو 35 نقطة إضافية في اختبار العلوم مقارنة بمَنْ يحصلون على مستوى أقل من الاهتمام الأسري، بما يعادل أكثر من عام ونصف العام من التعلم، بعد احتساب الفروق الاجتماعية والاقتصادية.

التعلم والتشتت

ويرتبط جانب آخر من تراجع التحصيل بالاستخدام المتزايد للأجهزة الرقمية داخل المدارس، فقد أفاد أكثر من ربع الطلاب في الدول مرتفعة الدخل بأن زملاءهم يتشتتون بسبب الأجهزة الرقمية خلال معظم حصص العلوم أو جميعها، بينما سجلت الدول التي تطبق سياسات أكثر صرامة للحد من استخدام الهواتف المحمولة داخل المدارس مستويات أقل من التشتت.

وأشار شلايشر إلى وجود ارتباط قوي بين استخدام الأجهزة الرقمية لأغراض الترفيه وانخفاض نتائج الاختبارات، في حين تبدو العلاقة أكثر تعقيداً عندما تُستخدم التكنولوجيا لأغراض تعليمية، فقد سجل الطلاب الذين يستخدمون الأجهزة الرقمية في المدرسة لمدة تتراوح بين ساعتين و3 ساعات يومياً نتائج أعلى، قبل أن تبدأ الدرجات في التراجع عند تجاوز هذا المستوى.

وتبرز الدول الآسيوية في هذا الجانب أيضاً؛ إذ أفاد أقل من 10 % من الطلاب المشاركين في الاختبار في اليابان وكوريا والصين القارية بتعرضهم للتشتت الرقمي داخل الفصول الدراسية.

وفي الوقت ذاته، هيمنت الاقتصادات الآسيوية على قائمة أفضل 10 مناطق في الرياضيات والعلوم والقراءة، مع تصدر سنغافورة واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وعدد من الأقاليم الصينية النتائج.

وتكشف البيانات عن فجوة كبيرة في الحد الأدنى من المهارات التعليمية. فقد حصل ما يقرب من 100 % من الطلاب في الأقاليم الصينية على درجات تساوي أو تتجاوز الحد الأساسي في الرياضيات والقراءة، مقابل

65 % فقط في الرياضيات و74 % بالقراءة في الولايات المتحدة.

ونقلت «إن بي سي نيوز» عن رئيسة الإستراتيجية والبحوث العالمية في المركز الوطني للتعليم والاقتصاد تريسي بيرنز، تحذيرها من أن التفوق التعليمي للصين على الولايات المتحدة يحمل تداعيات اقتصادية وسياسية، موضحة أن المنافسة في المجالات التكنولوجية تتطلب توافر قوة عاملة تمتلك مهارات قوية في العلوم والتكنولوجيا والقراءة.

مراتب متقدمة

وفي الولايات المتحدة، جاءت نتائج الرياضيات قريبة من متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فيما احتلت البلاد مركزاً ضمن أفضل 15 دولة في العلوم والقراءة وحل المشكلات الحاسوبية، وهي فئة أضيفت حديثاً إلى التقييم.

غير أن بقاء الولايات المتحدة ضمن المراتب المتقدمة يعكس جزئياً تراجع أداء دول أخرى، في وقت هبطت فيه درجات الطلاب الأميركيين في القراءة والرياضيات إلى أدنى مستوياتها منذ بدء اختبارات «بيزا» أوائل العقد الأول من الألفية. كما حذر الباحثون من التعامل بحذر مع بعض النتائج الخاصة بالولايات المتحدة، نظراً إلى عدم استيفاء معايير كافية تتعلق بحجم عينة المدارس والطلاب المشاركين.

الذكاء الاصطناعي

وفي ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، أظهرت النتائج أن الاستخدام المكثف لروبوتات المحادثة ارتبط عموماً بانخفاض درجات الاختبارات. وسجل الطلاب الذين أفادوا بعدم استخدامهم روبوتات المحادثة نتائج أفضل من الطلاب الذين استخدموها، رغم أن نحو نصف الطلاب في الاقتصادات المتقدمة قالوا إنهم يستخدمون هذه الأدوات أسبوعياً للمساعدة في التعلم.

وفي المقابل، أشار شلايشر إلى أن دولاً مثل الصين واليابان وسنغافورة وإستونيا تبدو أكثر نجاحاً في توظيف الذكاء الاصطناعي لدعم العملية التعليمية من دون الإفراط في استخدامه. كما يتمتع المعلمون في عدد من الدول الآسيوية بدور أكبر في تصميم طرق استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي داخل الفصول الدراسية.

وتشير هذه النتائج في مجملها إلى أن التفوق التعليمي لا يرتبط بالتكنولوجيا وحدها، بل بكيفية دمجها في العملية التعليمية، إلى جانب قوة المناهج ودور المعلم ومشاركة الأسرة. وتظهر بعض التجارب الآسيوية أن أحدث التقنيات يمكن أن تتعايش مع أساليب تعليم تقليدية؛ إذ وصف شلايشر بعض الفصول الدراسية في الصين بأنها تبدو، من حيث استخدام الحبر والفُرش في تعليم الخط، وكأنها تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، لكن العملية التعليمية بأكملها مدعومة في الوقت نفسه بالذكاء الاصطناعي.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *