«تسونامي» سياسي مزدوج يُعيد رسم قواعد اللعبة في إسرائيل


– آيزنكوت لا يستبعد تشكيل حكومة موسعة بعد تفكيك تحالف «ليكود» مع الحريديين

– نتنياهو لن ينفصل عن بن غفير وسموتريتش ولن يعمل تحت قيادة آيزنكوت

لم تشهد المنطقة في العقود الأخيرة تقاطعاً سياسياً بهذا القدر من التعقيد والتأثير الاستراتيجي. فخلال أقل من أسبوع واحد، تلقى المشهد السياسي الإقليمي والدولي صدمتين متتاليتين: الأولى في إسرائيل، حيث فشل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في تحقيق غالبية برلمانية، ما أغرق دولة الاحتلال في «نفق الشلل البرلماني»، والثانية في الولايات المتحدة، حيث مُني الجمهوريون بزعامة الرئيس دونالد ترامب بهزيمة ساحقة في الانتخابات النصفية، وفقدوا السيطرة على مجلسي الكونغرس لصالح الديمقراطيين.

هذا التقاطع، الذي يصفه المؤرخ والسياسي الإسرائيلي مايكل أورن في مقاله بصحيفة «إسرائيل اليوم» بأنه «تسونامي إستراتيجي» و«فترة صادمة ومؤلمة» للعلاقات الثنائية، يفتح الباب أمام سيناريوهات معقدة في شأن إمكانية دفع ملف المفاوضات، وإنهاء الحرب على قطاع غزة، ووقف عنف وجرائم المستوطنين في الضفة الغربية.

فكيف ستتعامل حكومة إسرائيلية مشلولة مع إدارة أميركية ديمقراطية منتقمة، في ملفات كانت أصلاً في غاية التعقيد؟

هذا الشلل السياسي الداخلي، بحسب المحللين، يجعل من المستحيل تقريباً على أي حكومة إسرائيلية اتخاذ خطوات جريئة تجاه المفاوضات أو تقديم تنازلات خاصة في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية كوقف الحرب على غزة أو تبني «حل الدولتين»، لأن أي قرار من هذا القبيل سيعني انهيار الائتلاف فوراً.

أميركا تنتقم من إسرائيل

في الجانب الأميركي، كانت الضربة أقسى. فبحسب نتائج الانتخابات النصفية التي جرت في 3 نوفمبر 2026، حقق الديمقراطيون فوزاً ساحقاً غير مسبوق، حيث سيطروا على مجلس الشيوخ (54 مقعداً مقابل 44 للجمهوريين) وعلى مجلس النواب بغالبية مريحة. هذا الفوز، الذي وصفته صحيفة «نيويورك تايمز» بأنه «تسونامي أزرق» و«رفض قاسٍ» لسياسات ترامب، يحمل في طياته تداعيات مباشرة على إسرائيل.

والسبب الرئيسي لهذه الهزيمة، كما يعترف نائب الرئيس جاي دي فانس نفسه، هو «الحرب على إيران» التي وُصفت بأنها «كارثة انتخابية».

لكن أورن يكشف في مقاله عن بُعد آخر أكثر خطورة على إسرائيل: فقد بدأ البث الانتخابي الديمقراطي، الذي حظي بأكثر من 5 ملايين مشاهدة، يلقي باللوم على الدعم الأميركي لإسرائيل في تدهور مستوى معيشة الأميركيين من الطبقة الوسطى، متسائلاً: «كيف يمكن للأميركيين شراء البيض والموز لأطفالهم بينما تذهب أموال ضرائبهم لتمويل آلة الحرب الإسرائيلية؟».

علاوة على ذلك، فإن انتخاب عبدول السيد، كأول مسلم في مجلس الشيوخ الأميركي يُعد مؤشراً على تحول ديمغرافي وسياسي في واشنطن سيكون أكثر انتقاداً لسياسات إسرائيل. فقد صرّح السيد بوضوح بأن «الأطفال الفلسطينيين يجب أن يكبروا في بلاد آبائهم وأجدادهم، من دون أن يُقتلوا بأموال ضرائبنا».

من «الفيتو» إلى «الضغط المالي»

النقطة الأكثر خطورة في تحليل أورن هي تحذيره من أن التحول في المزاج الأميركي لن يقتصر على المساعدات العسكرية (التي تبلغ 4 مليارات دولار سنوياً، والتي أعلن ترامب وقفها بشكل مفاجئ)، بل سيمتد إلى «تبادل المعلومات الاستخبارية وتطوير وسائل قتالية». فالإدارة الأميركية الجديدة (أو الكونغرس الديمقراطي الجديد) لن تمنح إسرائيل «شيكاً على بياض» كما كان الحال سابقاً.

ويشير أورن إلى أن المحافل الأميركية التي تحدث معها «بلا استثناء» أجابت بأنه «طالما بقي نتنياهو والحكومة الحالية في الحكم، فإن احتمال الإصلاح صفر». بل إنهم طالبوا إسرائيل بـ«خطوات فورية وحازمة» ضد عنف «خارقي القانون» (في إشارة إلى جرائم وانتهاكات المستوطنين) وضد الفلسطينيين العزل في الضفة الغربية، والعودة للإعلان عن التزامها بالسلام وحل الدولتين وضرورة قيام دولة فلسطينية، والالتزام بالاتفاقيات الموقعة مع منظمة التحرير الفلسطينية.

هرتسوغ يكلّف آيزنكوت

وفي تطور لاحق يعكس عمق المأزق السياسي الإسرائيلي، أعلن الرئيس إسحاق هيرتسوغ تكليف زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت رسمياً بتشكيل الحكومة المقبلة، مساء الأحد.

وجاء القرار بعد مشاورات أجراها هيرتسوغ مع الكتل البرلمانية، أظهرت حصول آيزنكوت على توصيات 67 عضو كنيست، مقابل 46 عضواً أوصوا بنتنياهو، فيما امتنع حزب «يهدوت هتوراه» (7 مقاعد) عن توصية أي مرشح.

وبموجب القانون، سيحصل آيزنكوت على مهلة 28 يوماً لتشكيل الحكومة، مع إمكانية تمديدها 14 يوماً إضافياً بقرار من الرئيس.

معضلة آيزنكوت: 67 توصية لا تعني 61 مقعداً

وتشمل التوصيات الـ67 التي حصل عليها آيزنكوت أصوات القائمتين العربيتين، لكن هذه الأخيرة ليست جزءاً من الائتلاف الحكومي المرتقب، بل تدعمه من الخارج فقط. وهنا تكمن المعضلة الأساسية، فآيزنكوت يسعى لتشكيل «حكومة أقلية» تضم 48 نائباً من أحزاب معسكره الأربعة (يشار، بياحد، الديمقراطيين، إسرائيل بيتنا)، على أساس امتناع القائمة المشتركة والموحدة و«يهدوت هتوراه» عن التصويت، بما يسمح بتشكيل الحكومة دون حصولها على تأييد 61 نائباً.

لكن هذا السيناريو يصطدم برفض قاطع من رئيس «إسرائيل بيتنا» أفيغدور ليبرمان، الذي أعلن أن حزبه سيصوّت ضد أي حكومة أقلية، محذراً من أن «حكومة الأقلية لن تدوم طويلاً، وفي النهاية سيعود نتنياهو بـ70 مقعداً لأربع سنوات أخرى».

وحدد ليبرمان ثلاثة حدود حاسمة هي إنهاء عهد نتنياهو، عدم الانجرار إلى انتخابات إضافية، وعدم تشكيل حكومة تعتمد على امتناع الأحزاب العربية.

في المقابل، يدفع ليبرمان نحو ائتلاف يحظى بأغلبية 61 نائباً، يجمع أحزاب معسكر آيزنكوت مع «يهدوت هتوراه» و«شاس»، بعدما أبدى استعداداً لمرونة غير مسبوقة في قضية قانون التجنيد.

وجدد ليبرمان، في منشور مطوّل، رفضه المشاركة في حكومة تعتمد على دعم القائمة المشتركة والقائمة الموحدة، ودافع عن استعداده للتوصل إلى تسوية مع الأحزاب الحريدية في شأن قانون التجنيد، معتبراً أن تقديم تنازلات في هذه القضية بات ضرورياً لمنع انتخابات جديدة وإنهاء حكم بنيامين نتنياهو، مدعياً أنه لا يسعى إلى رئاسة الحكومة بأي ثمن.

وفي هجوم على الأحزاب العربية، زعم ليبرمان أن بعض نوابها «يعلنون تأييدهم لحركة «حماس»، ويصفونها بأنها منظمة خيرية ومقاومة مشروعة، ويتهمون إسرائيل بالإبادة الجماعية وارتكاب جرائم ضد الإنسانية»، مضيفاً «أريد أن أوضح بصورة قاطعة: هذا لن يحدث».

في المقابل، يتمسك آيزنكوت بمبادئه الأربعة التي يشترط قبولها من أي حزب ينضم إلى حكومته: الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية وديمقراطية، قبول قيم وثيقة الاستقلال، واجب الخدمة للجميع (عسكرية ووطنية ومدنية)، والاعتراف بـ«حماس» منظمة إرهابية.

نتنياهو و«ورقة الوحدة»

بعد ساعات من إعلان هيرتسوغ نيته تكليف آيزنكوت، مساء السبت، خرج نتنياهو، محذراً من أن حكومة تعتمد على الأحزاب العربية «لن تقاتل «حماس» أو تزيل التهديد الإيراني، ولن تحافظ على الطابع اليهودي للدولة»، واصفاً إياها بأنها «حكومة انتحار وطني».

غير أن قراءة تحليلية لمجلة «هآرتس» تكشف أن نتنياهو «لا يلجأ إلى ورقة الوحدة إلا عندما يصبح خطر فقدان السلطة يحدق به».

وكتب المحلل يوسي فيرتر أن هدف نتنياهو الحقيقي من خطابه هو «وقف المحادثات بين كتلة التغيير ويهدوت هتوراه، وفتح فصل جديد من المفاوضات… هدفها الوحيد هو إضاعة الـ 28 يوماً الإضافية» المتاحة لآيزنكوت، مضيفاً «حتى عندما يتظاهر نتنياهو بأنه يسعى إلى الوحدة، هو لا يستطيع التخلص من عادته في الكذب وتشويه التاريخ».

وردّ حزب «يشار» على دعوة نتنياهو بأن «الليكود وحلفاءه، إذا كانوا يرغبون في الوحدة وتشكيل حكومة واسعة، مدعوون إلى الإعلان عن فك تحالفهم مع المتطرفين، وقبول مبادئ آيزنكوت».

وفي تحليل نشرته «هآرتس»، كتب يوسي فيرتر أن آيزنكوت «لا يستبعد تشكيل حكومة موسعة ولكنه يضع شروطاً: تفكيك تحالف الليكود مع الحريديين، والموافقة على مبادئه الأربعة والجلوس تحت قيادته. هل هذه بداية المفاوضات؟ بالتأكيد لا. لن يوافق نتنياهو أبداً على الانفصال عن بن غفير وسموتريتش ولن يكون مستعداً للعمل تحت قيادة آيزنكوت».

بن غفير: «لا نحتاج مساعداتهم»

بدوره، عبر رئيس حزب «عوتسما يهوديت» العنصري، إيتمار بن غفير، عن معارضته لأقوال نتنياهو حول تشكيل حكومة وحدة، التي وصفها بأنها ستكون «حكومة ستؤدي إلى جمود».

وقال للإذاعة العامة الإسرائيلية «كان» أنه يأمل بألا يتنازل نتنياهو عنه وعن رئيس حزب الصهيونية الدينية، بتسلئيل سموتريتش.

وحول نتائج الانتخابات، ادعى بن غفير أنه «سرقوا الانتخابات هنا، وفعلوا أموراً يحظر فعلها، وقد تم تحريف هذه الانتخابات، وهذا هو مفهومي ورؤيتي، وأعتقد أن كثيرين في شعب إسرائيل يعتقدون ذلك».

ورفض بن غفير تقديرات حول أزمة سياسية بين إسرائيل والولايات المتحدة بسبب إعلان ترامب عن وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل، مضيفاً «لسنا بحاجة لمساعدات أمنية منهم، وينبغي ألا نكون متعلقين بأي أحد»، ومؤكداً أن إسرائيل ستطور بنفسها طائرات إف – 35، وأنه «علينا أن نصنع طائرات خاصة بنا».

السيناريوهات المحتملة

وبناءً على المعطيات أعلاه، يمكن رسم سيناريوهات رئيسية لمستقبل المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية ووقف الحرب على غزة، تتقاطع فيها حسابات التشكيل الحكومي الإسرائيلي مع الضغوط الأميركية:

– «الجمود القاتل» (المرجح)

مع استمرار نتنياهو في منصبه كرئيس لحكومة تصريف أعمال أو في حكومة هشة، ومع إدارة أميركية ديمقراطية ضاغطة، فإن أي مفاوضات جدية ستكون مستحيلة. إسرائيل ستواصل حربها في غزة بدافع «الضرورة الأمنية»، لكنها ستفقد الغطاء الدبلوماسي والعسكري الأميركي تدريجياً. الكونغرس الديمقراطي قد يفرض قيوداً على المساعدات أو يمرر قرارات تدين سياسات إسرائيل، ما يضعف قدرة إسرائيل على الاستمرار في الحرب لفترة طويلة. هذا السيناريو يعني استمرار المعاناة الإنسانية في غزة، وتصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، دون أفق سياسي واضح.

– «التغيير القسري»

إذا نجح آيزنكوت في تشكيل حكومة (ربما بدعم خارجي من القوائم العربية)، فإن إسرائيل قد تتجه نحو تهدئة محدودة مع غزة ووقف إطلاق نار طويل الأمد، مقابل التزام أميركي بدعم أمني. هذا السيناريو يتطلب قدراً كبيراً من الشجاعة السياسية والتخلي عن شركاء الائتلاف من اليمين المتطرف (بن غفير وسموتريتش).

من حكومة الأقلية إلى الانتخابات الخامسة

على صعيد التشكيل الحكومي ذاته، تتبلور خمسة سيناريوهات محتملة:

– حكومة أقلية برئاسة آيزنكوت، تعتمد على امتناع الأحزاب العربية والحريدية عن التصويت، وتضم 48 نائباً، ويواجه هذا السيناريو عقبة أساسية هي رفض ليبرمان القاطع،ما يجعل تحقيقه من دون انشقاق في «إسرائيل بيتنا» أمراً صعباً.

– ائتلاف 61 مقعداً مع الحريديين، يضم معسكر آيزنكوت (48) + «يهدوت هتوراه» (7) + «شاس» (6) = 61 مقعداً. يتطلب هذا السيناريو تسوية مؤلمة حول قانون التجنيد، وهو ما أبدى ليبرمان استعداداً له، لكن آيزنكوت وغولان يصران على مبدأ «واجب الخدمة للجميع». كما أن انضمام «شاس» يظل مرتبطاً بموقف القيادة الدينية لـ«يهدوت هتوراه».

– فشل آيزنكوت وتكليف نتنياهو، وإذا أخفق آيزنكوت خلال المهلة (28+14 يوماً)، يمكن لهرتسوغ تكليف نتنياهو لمدة 28 يوماً، لكن فرص نتنياهو في تشكيل حكومة تُعد محدودة أيضاً في ظل التعقيدات الانتخابية.

– انتخابات جديدة، وإذا لم ينجح أي مسار خلال نحو 100 يوم، تتجه إسرائيل إلى انتخابات خامسة خلال سنوات قليلة.

وستكشف المرحلة المقبلة ما إذا كانت إسرائيل تتجه نحو حكومة تغيير هشة، أم نحو جولة انتخابات جديدة تعمّق أزمة الثقة في النظام السياسي، في ظل «تسونامي» مزدوج يعيد رسم قواعد اللعبة الإقليمية والدولية؟





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *