مشهد افتتاحي:
في صالة عرض، يقف شاب في مقتبل العشرينات أمام غايته التي يريد شراءها، لا لأنه يحتاجها، بل لأن صورته وهو يمتلكها ستُنشر خلال ساعات على حسابه في مواقع التواصل. يوقّع عقد التقسيط بابتسامة، بينما يشرح له الموظف بصوت هادئ أرقام الفوائد التي لن يدرك أثرها الحقيقي إلا بعد ثلاث سنوات. هذا المشهد المتكرر يومياً في مجمعات الكويت التجارية ليس حادثة فردية عابرة، بل هو عرَض ظاهري لبنية اجتماعية-اقتصادية أعمق، تستحق أن نتوقف عندها بوصفها «صناعة استهلاك» قائمة الأركان، لا مجرد سلوك فردي طارئ.
أولاً: حين يتحول الاستهلاك إلى هوية
الفيلسوف الفرنسي جان بودريار، قال منذ عقود إن الإنسان الحديث لم يعد يستهلك السلعة لمنفعتها، بل يستهلك «العلامة» التي تمنحها له اجتماعياً.
في الكويت، وهو مجتمع صغير متماسك اجتماعياً، تتضاعف هذه الظاهرة؛ فالمجتمعات الصغيرة تكون أكثر حساسية للمقارنة، وأشد حرصاً على «الظهور بمظهر لائق» أمام الأهل والجيران والزملاء. هكذا تتحول السلعة من وسيلة إلى غاية، ويصبح الدَّين وسيلة لإثبات الذات لا لتلبية حاجة.
ثانياً: الأرقام لا تكذب
بعيداً عن الانطباعات، تكشف بيانات بنك الكويت المركزي الرسمية حقيقة مقلقة عن حجم الظاهرة:
– بلغ إجمالي التسهيلات الائتمانية الممنوحة للمقيمين في الكويت حتى نهاية مارس 2026 نحو 54.141 مليار دينار كويتي.
– من هذا الإجمالي، شكّلت التسهيلات الشخصية وحدها 20.052 مليار دينار، بنمو سنوي بلغ 3.4 % مقارنة بمارس 2025 – وهو معدل نمو يفوق بكثير معدلات نمو الدخل الحقيقي للأسر.
– تتوزع هذه التسهيلات الشخصية إلى: قروض مقسطة بقيمة 17.369 مليار دينار، تمثل وحدها 86.6 % من إجمالي التسهيلات الشخصية — أي إن الغالبية الساحقة من اقتراض الأفراد ليست لشراء عقار أو استثمار، بل لتمويل استهلاك مباشر (سيارات، سفر، أثاث، إلكترونيات).
– بالإضافة إلى قروض استهلاكية مباشرة بقيمة 2.047 مليار دينار.
– في المقابل، سجّلت ميزانية الدولة للسنة المالية 2025-2026 عجزاً فعلياً بلغ 7.141 مليار دينار، حيث بلغت الإيرادات الفعلية 16.457 مليار دينار مقابل مصروفات بلغت 23.598 مليار دينار.
هذه الأرقام، حين تُقرأ بعين المحلل الاقتصادي، تروي قصة مجتمع يستدين ليستهلك، لا ليستثمر أو يبني ثروة. والخطورة الحقيقية ليست في الرقم بحد ذاته، بل في اتجاهه التصاعدي واستمرار نمو القروض المقسطة كنسبة مهيمنة، وهو ما يعني أن جيلاً كاملاً يبني نمط حياته على «الدَّين الدائم» لا على «الادخار التراكمي».
ثالثاً: من المسؤول؟ تفكيك دائرة الأطراف الأربعة
المقاربة الإستراتيجية السليمة لا تُحمّل طرفاً واحداً كامل المسؤولية، بل تفكك الظاهرة إلى منظومة متشابكة:
الأسرة، حيث تُورَّث ثقافة «المظهر قبل الجوهر» منذ الطفولة، فلا يتعلم الطفل الفرق بين الرغبة والحاجة، ولا يُدرَّب على تأجيل الإشباع، وهي مهارة نفسية-تربوية أساسية أثبتت الدراسات التربوية الكلاسيكية (كتجربة «المارشميلو» الشهيرة) أنها مرتبطة بالنجاح المالي والحياتي لاحقاً.
المستهلك الفرد، الذي يقع بين ضغط اجتماعي وسهولة تمويلية غير مسبوقة، فبطاقة الائتمان والتقسيط «بدون فوائد ظاهرية» جعلت الشراء فعلاً بلا احتكاك نفسي، بينما الألم المالي الحقيقي يُؤجَّل لأشهر مقبلة.
المؤسسة التجارية التي تعمل ضمن منطق السوق الحر وتسعى للربح المشروع، لكن غياب أطر تنظيمية صارمة لبعض ممارسات التسويق (كالعروض المُلحّة والتقسيط المُغري دون تقييم حقيقي لقدرة السداد) يجعله شريكاً غير مقصود في تضخيم الظاهرة.
المؤسسة المالية، التي توازن بين تحقيق العائد وحماية العميل، وهو توازن دقيق ومقلق حين تصبح حوافز الموظفين مرتبطة بحجم القروض الممنوحة لا بجودتها.
الحكومة، التي تمثل الحَكَمْ والراعي في آن، ومسؤوليتها لا تقتصر على التشريع، بل تمتد إلى التعليم والإعلام والتخطيط الحضري (فالمولات الضخمة نفسها جزء من تصميم بيئي يُحفّز الاستهلاك).
إذاً من يربح في هذه المعادلة؟
هنا يظهر الجانب الإستراتيجي للظاهرة: صناعة الاستهلاك ليست مؤامرة فردية، بل منظومة مصالح متشابكة:
– المؤسسة التجارية تربح من الدورة السريعة للبيع والتسويق العاطفي.
– المؤسسة المالية تربح من الفوائد على التمويل الاستهلاكي طويل الأمد.
– المستهلك يشعر بلذة آنية تعوّضه عن ضغوط نفسية واجتماعية.
– الحكومة تُثقل كاهلها لاحقاً بأعباء اجتماعية (قروض متعثرة، ضغط على صندوق المعونات، تراجع الادخار الوطني).
المفارقة أن كل طرف «يربح» في المدى القصير، بينما الجميع يخسر في المدى البعيد: الأسرة تُستنزف، والمؤسسة التجارية تفقد ثقة عملائها حين يتعثرون، والمؤسسة المالية تواجه مخاطر ائتمانية متصاعدة، والحكومة تتحمل الكلفة الاجتماعية النهائية.
رابعاً: التوجيهات والحلول
1 – من الوحي إلى السياسة العامة: قبل أن نقترح حلولاً مؤسسية، لا بد أن نستعيد ما قدمه الوحي الإسلامي كإطار أخلاقي واقتصادي متكامل لضبط الاستهلاك، فهو ليس دعوة للتقشف، بل لـ«الاعتدال» و«الوسطية» التي هي جوهر الفلسفة الاقتصادية الإسلامية:
قال تعالى: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» (الأعراف: 31) آية تضع حداً فاصلاً بين التمتع المشروع والإسراف المذموم.
وقال سبحانه: «وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ» (الإسراء: 26-27) وصف قرآني صادم يربط التبذير بالانحراف عن الفطرة السوية.
وقال تعالى: «وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَاماً» (الفرقان: 67) وهذه الآية بالذات تصلح أن تكون «نظرية اقتصادية» متكاملة قوامها التوازن لا التطرف في أي اتجاه.
ومن السنة، قال النبي ﷺ: (كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ) رواه النسائي وابن ماجه — فربط الإنفاق المباح بشرطين: غياب الإسراف وغياب التفاخر، وهما بالضبط محركا الاستهلاك الاجتماعي المعاصر.
وقال ﷺ: (لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يُسأل عن… ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه) رواه الترمذي، وهو ما يؤسس لمبدأ «المساءلة الذاتية» عن الإنفاق، لا فقط عن الكسب.
هذا الإطار القيمي، لو تُرجم إلى مناهج تربوية ومحتوى إعلامي وسياسات تمويلية، يشكل حلاً ثقافياً عميقاً يسبق أي تشريع صارم، لأنه يخاطب الدافع الداخلي للفرد قبل مخاطبة سلوكه الظاهري.
2 – الحل المتكامل: مقترح متعدد الأطراف نحو حل توافقي لا إقصائي: هنا يكمن جوهر المقاربة الإستراتيجية: أي حل يُرضي طرفاً على حساب آخر سيُجهَض عملياً. الحل المستدام يجب أن يكون «رابح-رابح» لجميع الأطراف الخمسة:
1 – إدماج التربية المالية في المناهج الدراسية بدءاً من المرحلة المتوسطة، ليس كمادة نظرية، بل عبر تجارب عملية (كإدارة «ميزانية أسبوعية وهمية»)، بما يخدم الأسرة والدولة معاً دون أن يمس مصالح التاجر أو البنك.
2 – إلزام الجهات التمويلية بـ«بطاقة تحذير مالي» تُعرض قبل كل عملية تقسيط، توضح التكلفة الإجمالية الحقيقية مقابل السعر النقدي، بلغة مبسطة، وهو إجراء معمول به في أسواق ناضجة عدة، ويحمي المستهلك دون أن يُحرّم عمل المؤسسة المالية أو يوقف نشاط المؤسسة التجارية.
3 – تحفيز المؤسسة التجارية لا معاقبتها: عبر حوافز ضريبية أو تسهيلات للمحال التي تعتمد «ممارسات بيع مسؤولة»، بحيث يصبح الالتزام الأخلاقي مربحاً تجارياً لا عبئاً.
4 – إنشاء «صندوق استشارة مالية أسرية» مجاني بدعم حكومي- بنكي مشترك، يساعد الأسر المثقلة بالديون على إعادة الهيكلة قبل الوقوع في العسر، بما يحمي حقوق البنك (استرداد أمواله) وكرامة الأسرة معاً.
5 – حملات إعلامية «مضادة للسرد الاستهلاكي»، لا تكتفي بالنصح المباشر (الذي أثبتت الدراسات ضعف تأثيره)، بل تستخدم القصة والدراما والمؤثرين لتقديم نماذج بديلة للنجاح لا ترتبط بالمظهر، وهذا مدخل فلسفي-تربوي يعيد تعريف «النجاح» في الوعي الجمعي بدلاً من محاربة أعراضه فقط.
