ماذا لو تغيّر ميزان السياسة والاقتصاد والمجتمع في واشنطن والعواصم الأوروبية، وانعكس ذلك على العلاقات التي تستند إليها دول الخليج ومظلاتها الأمنية؟
هذا سؤال ينبغي أن يحضر في حسابات المنطقة؛ فالتنافس الداخلي في الغرب لم يعد خلافاً انتخابياً عابراً، بل أخذ يمس شكل الدولة، وأولويات الاقتصاد، وحدود الالتزام بالتحالفات والمؤسسات الدولية.
تتقابل في الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل تيارات محافظة وقومية ودينية مع تيارات ليبرالية ويسارية واجتماعية ديمقراطية. ولا يعني ذلك وجود كتلتين موحدتين، لكنه يكشف عن صراع متصاعد حول مَن يقود السياسة العامة، وكيف تُوزع عوائد الاقتصاد، وما القيم التي تنظم المجتمع. وقد غذّته عوامل متداخلة: تفاوت مكاسب العولمة، وتراجع صناعات ومناطق، والهجرة، والتحولات الثقافية، وتراجع الثقة بالأحزاب والمؤسسات.
اقتصادياً، تتصاعد الدعوات إلى إعادة التصنيع، وحماية الوظائف، وتعزيز الأمن الغذائي، وتقليل الاعتماد على الخارج. وتدعم مراجعة تحليلية للأبحاث وجود صلة بين انعدام الأمن الاقتصادي وصعود الشعبوية، بينما تحذر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من أن إعادة توطين سلاسل الإمداد على نطاق واسع قد ترفع الكلفة من دون أن تضمن مرونة أكبر. فالمسألة ليست نهاية اقتصاد السوق، بل إعادة رسم العلاقة بين الانفتاح والأمن الاقتصادي.
وتظهر التحولات في وقائع سياسية ملموسة. فقد وجّه البيت الأبيض في يناير 2026 بالانسحاب من منظمات دولية وأممية عدّها متعارضة مع مصالح الولايات المتحدة. وفي المقابل، دعا الأمين العام لحلف الناتو الأوروبيين إلى تعزيز قدراتهم وتحمل مسؤولية أكبر في الدفاع المشترك. تكشف الخطوتان عن مراجعة أميركية للالتزامات الدولية، وعن ضغط لإعادة توزيع أعباء الحلف؛ لكنهما لا تثبتان أن واشنطن قررت الانسحاب من الناتو أو التخلي عن النظام الدولي كله.
وفي الولايات المتحدة، امتد الخلاف إلى شرعية الانتخابات وحدود السلطة التنفيذية واستقلال المؤسسات. وقد صنّف تقرير «V-Dem» لعام 2026 الولايات المتحدة خارج فئة الديمقراطيات الليبرالية، للمرة الأولى منذ أكثر من خمسين عاماً؛ وهو تقييم بحثي يجب عرضه منسوباً إلى الجهة التي أصدرته. كما تظهر دراسة مركز بيو، أن الناخبين الأميركيين يتوزعون على مجموعات سياسية متعددة، فلا ينقسمون ببساطة إلى معسكرين متجانسين.
أما في أوروبا، فيضغط صعود الأحزاب القومية والشعبوية على الأحزاب التقليدية والتحالفات الحاكمة. وأظهرت تطورات ألمانيا في أكتوبر 2026 ضغوطاً على الحاجز السياسي الذي أقامته الأحزاب التقليدية لعزل حزب «البديل من أجل ألمانيا». وفي إسرائيل، يتداخل التنافس بين القوى الدينية والقومية والتيارات العلمانية والليبرالية مع الأمن والتجنيد واستقلال القضاء. وتشير استطلاعات المعهد الإسرائيلي للديمقراطية إلى أن الأمن والاقتصاد من أبرز محددات تصويت الناخبين، إلى جانب قضايا الدين والدولة.
وتكمن المخاطر الخليجية في أن يضعف الاستقطاب قدرة الحكومات الغربية على تثبيت سياساتها الخارجية، أو يغيّر شروط الشراكة الدفاعية، أو يعرقل التنسيق بين الولايات المتحدة وأوروبا. كما قد تؤثر التحولات الإسرائيلية في مسارات التطبيع، وفي احتمالات التوتر حول فلسطين، بينما تنعكس الحمائية واضطرابات الإمداد على التجارة والطاقة والغذاء. ولا تعني هذه المخاطر أن انهيار التحالفات أو اندلاع حرب أهلية حتمي؛ لكنها تجعل الاعتماد على مسار سياسي واحد رهاناً مكلفاً.
لذلك، تحتاج دول الخليج إلى خطوات عملية:
أولاً، إنشاء رصد تحليلي مشترك يتابع الانتخابات والتشريعات والتحالفات ومؤشرات الثقة المؤسسية في الولايات المتحدة وأوروبا.
ثانياً، إعداد سيناريوهات محددة لتراجع الالتزامات الأمنية أو تغيرها، وربط كل سيناريو بإشارات إنذار وخيارات استجابة.
ثالثاً، تنويع الشراكات الدفاعية والاقتصادية مع صون التحالفات القائمة.
رابعاً، تقوية التصنيع المحلي والأمن الغذائي وتنويع الموردين وممرات النقل.
خامساً، توسيع الحوار مع الأحزاب ومراكز البحث ومؤسسات المجتمع في الغرب، حتى تبقى المصالح الخليجية مفهومة لدى أطراف متعددة، لا لدى الحكومات وحدها.
مراقبة هذا الصراع ليست توقعاً لانهيار الغرب؛ إنها وسيلة لقراءة اتجاهاته مبكراً، وحماية المصالح الخليجية من تقلباته.
