ألقى ممثل سمو الأمير الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، سمو الشيخ صباح الخالد -حفظهما الله- كلمةً وافية وبليغة، شخصت أزمات العالم الراهنة، ولامست بحكمةٍ أعمق التحديات، معبراً عن هموم الإنسانية جمعاء، أوصل فيها رسالة كويت الإنسانية وشعبها الذي يقدر منظومة الأمم المتحدة وجهودها حق تقدير.
معلناً مد يد التعاون، وداعياً لمساندة منظمة الأمم المتحدة بمبادراتها لاستعادة الثقة وإدارة التحول تحت شعار «أمم متحدة تحقق مصالح الجميع»، ومؤمناً بأن النزاعات يمكن إدارتها بالدبلوماسية والتفاهم من خلال العمل الدولي المشترك.
إصلاح مجلس الأمن
وضع سموه يده على الجرح ودعا لإصلاح مجلس الأمن، باعتباره المكلف بصيانة السلم والأمن الدوليين أمام الأمم كافة، حيث إن إصلاح مجلس الأمن الدولي أصبح ضرورة ملحة.
لامس خطاب ممثل الأمير شرخاً يزداد تشققه يوماً بعد يوم، وصدق سموه بضرورة هذه الخطوة؛ فقد مضى على تأسيس منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن 81 عاماً، ولم تتغير تركيبة المجلس إلا في عام 1965، بإضافة أربعة مقاعد غير دائمة فقط. وطرأ على العالم منذ ذلك الحين زيادةٌ كبيرة في عدد الأعضاء، وصاحبَ هذه الزيادة الكثير من التغيرات العالمية، والمزيد من التعقيدات السياسية، وإن إصلاح مجلس الأمن وتطويره من شأنه أن يزيد من تمثيله وفاعلية وشفافية في أداء مهامه ومسؤولياته.
ومن وجهة نظري؛ لا يتم هذا إلا بتغير تركيبة المجلس وتطوير أدواته، فلا يعقل أن الوطن العربي -وهو أكبر من حجم القارة الأوروبية- والقارة الأفريقية وقارة أميركا الجنوبية ووسط وجنوب آسيا لا يملك ممثلا دائما له، ولا يحق له الاعتراض بحق النقض (الفيتو) الذي انحرف عن مساره السليم، ما يعزز ثقافة الغاب في العالم، وإطالة حروب الاستنزاف.
وتطوير مجلس الأمن من شأنه أن يحمي جميع دول العالم، خاصة الصغيرة منها، ويردع كل من يتجبر ويعتدي أو يحتل أرضاً ليست بأرضه.
الأمم المتحدة ومجلس الأمن هي نتاج الحرب العالمية الثانية، وهي امتداد لعصبة الأمم التي هي نتاج الحرب العالمية الأولى، وتطوير مجلس الأمن وإصلاحه من شأنه أن يجنب العالم حرباً عالمية ثالثة، فقد ارتوت الأرض ما يكفي من دماء.
العدوان الإيراني
إيران، الجارة التي بغت واعتدت على دولنا التي رفضت الحرب من أساسها، ودعت للحوار والتفاهم الدبلوماسي؛ أكد فيه سموه على الحق الطبيعي للكويت ودول مجلس التعاون والأردن في الدفاع عن نفسها، وطالب الجار الإيراني باحترام الجيرة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية.
وتواصل دولنا التريث وضبط النفس -رغم أنها ليست طرفاً في الحرب- لعلمها بأن الانزلاق في هذا الصراع، سيؤدي إلى كوارث لا تحمد عقباها.
لقد استهدف العدوان الإيراني على دولنا منشآت تجارية ومدنية ونفطية بشكلٍ ممنهج ومتكرر، راح ضحيتها شهداء وجرحى أبرياء.
واستخدمت إيران مضيق هرمز كورقة ضغط، محدثة أزمة اقتصادية خانقة أثرت على طرق التجارة وإمدادات الطاقة، في مخالفة صريحة للقانون الدولي، وقرارات مجلس الأمن، ومجلس حقوق الإنسان، والمنظمة البحرية الدولية.
ولاحظ رغم رفض دول الخليج بالتحديد لهذه الحرب، ودعوتها لوقف القتال والركون للحوار، مازالت إيران إلى وقت قريب تشن هجماتها على دول المنطقة باستثناء الكيان الصهيوني.
ولو كان مجلس الأمن قوياً وفعالاً مثلما كان من قبل، لردع كل من إيران وكيان الاحتلال وغيرهما من المعتدين، وهذا يدل على أن مجلس الأمن بحاجة إلى الإصلاح والتطوير.
الكويت والعراق
ورغم دعم الكويت للعراق في كل أزماته، إلا أن العراق تجنى على الكويت، والذي كلما رسمت الحدود معه ألغاها إما بقرار وإما بحكمٍ مشبوه.
فقد تسبب الغزو العراقي للكويت بكوارث جثمت على الشرق الأوسط لأكثر من ثلاثة عقود -ومازال، تفرق فيها العرب، وزادت خلافاتهم، وبرز بعدها الإرهاب والإرهابيون، ودخلت من بعده الجامعة العربية إلى دار العجزة.
في ذلك الوقت كان مجلس الأمن قوياً وفعالاً، واتخذ قرار تحرير الكويت بعد أن رفض العراق الخروج منها، فتجمعت الجيوش الأممية وحشدت على الحدود وحررت الكويت، كان ذلك عندما كان مجلس الأمن فعالاً.
ورغم هذا الماضي الأسود مع العراق، مازالت الكويت تحسن النية والتعامل مع جارها الذي تعتبره شقيقا، وتمد يد العون له، وتدعم جهود حكوماته المتعاقبة على مواصلة حصر السلاح والقضاء على الإرهاب، وتدعوه لاستكمال ترسيم الحدود. فازدهار العراق لا يكون إلا باستقراره الذي يشكل مصلحة مشتركة بين البلدين بشكلٍ خاص، وللمنطقة بشكلٍ عام، وترسيم الحدود معه يشكل صمام أمان للجميع.
ومما زاد فخري بأن أكون كويتياً، إصرار قيادتنا على استعادة رفاة أسرانا وإعادتهم إلى الكويت، فرغم موتهم تتمسك الكويت بهم، وتصر على ارجاعهم إلى بلادهم ودفنهم فيها. فرغم صغر الكويت إلا أنها كبيرة رحبة، فلا فيها معتقلات ولا معتقلون، ولا مشانق للمعارضين، وعلاقة الحاكم مع شعبه كعلاقة الأب مع أبنائه، ووطنناً يبلغ من أجل أبنائه الأحياء منهم والأموات الغالي والنفيس.
فلسطين والفلسطينيون
منذ ما يقارب الثمانية عقود وقوات الاحتلال الإسرائيلية مستمرة في انتهاك حقوق فلسطين وشعبها الشقيق؛ ففي كل يوم نرى تهجيراً قسرياً واعتقالات، وهدماً للمنازل وتخريباً للممتلكات، حصاراً وتجويعاً، وكلما أرادت الأمم فرض العقوبات على دولة الاحتلال، أتى «الفيتو» وأوقف القرارات التي تحمي الفلسطينيين وتحقن الدماء.
وقبل القمة الأممية بأيام، أشاع السفير الصهيوني يوسي شيلي، كذباً بأن الكويت من المرجح أن تنضم إلى الاتفاقية الابراهيمية، فأتاه الرد الحازم بأن موقف الكويت تجاه القضية الفلسطينية ثابت لا يتزعزع، وأن لا تطبيع إلا بحل الدولتين، وأن غزة-فرج الله كربها- جزء لا يتجزأ من فلسطين، وأن القدس الشرقية عاصمة فلسطين.
ودعا سموه إلى ضرورة تنفيذ خطة السلام الشاملة التي اعتمدها مجلس الأمن، والانسحاب الكامل لقوات الاحتلال من غزة، وضمان تدفق المساعدات لها، وتولي السلطات الفلسطينية إدارة القطاع.
وكم أراح خطاب سموه تجاه فلسطين قلوب الكويتيين، فنقول لسموه شكراً لمعاليكم، وأدامكم الله ذخراً للكويت وللأمة الإسلامية.
اليمن وسوريا ولبنان أرض مستقلة وشعب حر
للكويت نهجٌ فريد وعجيب، فهي دائماً تقف بصف الشعوب المضطهدة، وتدعو لحقن الدماء، وترسل المساعدات، وتدعم الجهود الدولية في احلال السلام والاستقرار في كل بقاع الأرض.
وقبل عشر سنوات جمع الأمير صباح الأحمد -طيب الله ثراه- اليمنيين في مبادرة سميت بـ«مشاورات السلام اليمنية» برعاية مباشرة من الأمم المتحدة، وقد منحها الأمير الراحل رعاية فائقة، وحث أطراف النزاع على تغليب مصلحة «الشعب» اليمني الشقيق، والرفض المطلق لأي تقسيم أو تجزئة.
فحق القول إن صاحب السمو الأمير الشيخ مشعل الأحمد، وولي عهده الأمين الشيخ صباح الخالد الصباح، هما خير خلف لخير سلف.
فقد دعما وحدة الأراضي اليمينة والسورية، وتمسكا بضرورة انسحاب قوات الاحتلال من سوريا ولبنان وفلسطين، إنفاذاً لقرارات مجلس الأمن، ووقف التدخلات الإيرانية الفجة في الدول الثلاث، ودعما حصر السلاح بيد الدولة، وأكدا على ضرورة المشاركة الشاملة لشعوب هذه الدول الشقيقة دون تمييز.
وأن الدعوة الكويتية التي انطلقت من منبر الأمم المتحدة لإصلاح مجلس الأمن وتطويره أصبحت ضرورة تجنب العالم حروباً يروح ضحيتها أبرياء.
فنسأل الله لهما التوفيق والسداد وأن يثبتهما على طريق الحق.
X:ha_t965
