– 37.18 مليار دولار إيرادات الشركة 2025
– نقل ثقافة المقاهي الإيطالية يقفز بـ «ستاربكس» لتتجاوز 41 ألف متجر عالمياً
– رفض 217 مستثمراً لم يمنع هاورد شولتز من تأسيس شرکته وامتلاك «ستاربكس»
أحياناً لا تحتاج فرصة العمر إلى اجتماع مجلس إدارة أو خطة استثمارية معقدة، بل إلى فكرة يلتقطها شخص واحد من تجربة عابرة، ثم يصرّ على تحويلها إلى نموذج أعمال جديد رغم رفض الآخرين.
هذا بالضبط ما حدث مع هاورد شولتز، الذي رأى في ثقافة المقاهي الإيطالية نموذجاً يمكن أن يغير مستقبل «ستاربكس»، قبل أن يعود بعد سنوات لشراء الشركة التي رفضت فكرته وتحويلها إلى علامة قهوة عالمية.
رحلة غيرت كل شيء
حسب التسلسل الزمني الرسمي لشركة ستاربكس، انضم هاورد شولتز إلى الشركة عام 1982 مديراً لعمليات التجزئة والتسويق، وكانت الشركة في ذلك الوقت تركز أساساً على بيع حبوب البن المحمصة بالتجزئة، إلى جانب تزويد المطاعم الراقية ومقاهي الإسبريسو بالقهوة.
وفي عام 1983، سافر شولتز إلى إيطاليا، حيث لفتته شعبية مقاهي الإسبريسو في ميلانو، ورأى إمكانية نقل ثقافة المقاهي الإيطالية إلى سياتل، وبعد عودته إلى الولايات المتحدة، بدأ شولتز في دفع الشركة نحو نموذج مختلف يقوم على تقديم القهوة والمشروبات إلى جانب بيع حبوب البن.
وفي 1984، أقنع مؤسسي «ستاربكس» بإجراء تجربة لبيع مشروبات الإسبريسو في أحد المتاجر بوسط سياتل. وحسب الموقع الرسمي للشركة، جاءت النتائج مشجعة، وكانت التجربة بداية التحوّل الذي سيقود لاحقاً إلى نموذج المقاهي المعروف باسم ستاربكس.
لكنّ مؤسسي الشركة لم يرغبوا في تغيير طبيعة نشاط «ستاربكس» أو تشتيتها عن هدفها الأساسي في بيع حبوب البن. ولذلك قرّر شولتز عام 1985 مغادرة الشركة وتأسيس مشروعه الخاص.
من الرفض إلى مقاهي «إل جيورنالي»
أطلق شولتز مشروعه الجديد باسم «إل جيورنالي»، وهو اسم إيطالي يعني اليومية، مستلهماً نموذج المقاهي الذي شاهده في إيطاليا. ووفقاً للموقع الرسمي لـ «ستاربكس»، كانت «ستاربكس» نفسها أول مستثمر في المشروع الجديد، كما استخدمت «إل جيورنالي» حبوب قهوة «ستاربكس» في مشروباتها.
لكن إطلاق المشروع لم يكن سهلاً. فبحسب دراسة حالة منشورة حول تجربة شولتز، احتاج المشروع إلى تمويل يتجاوز مليون دولار للتوسع، وقدم شولتز عرضه إلى 242 مستثمراً محتملاً، رفض 217 منهم الاستثمار. وفي النهاية نجح في جمع نحو 1.65 مليون دولار من قرابة 30 مستثمراً، ما أتاح له التوسع وافتتاح مقاهٍ عدة.
وافتتح أول مقهى لـ «إل جيورنالي» في أبريل 1986، ثم وصل عدد فروعها إلى 3 بحلول منتصف 1987، وكانت كل منها تحقق مبيعات سنوية تقارب 500 ألف دولار، وفقاً لدراسة حالة عن تجربة شولتز.
3 متاجر إلى امتلاك «ستاربكس»
جاء التحوّل الأكبر في مارس 1987، عندما قرّر مؤسسا «ستاربكس» الأصليان بيع اسم الشركة ومصنع التحميص ومتاجرها الستة في سياتل. وكان تركيزهما قد تحول إلى شركة بيتس كوفي التي كانت «ستاربكس» استحوذت عليها، ما دفعهما إلى طرح أصول «ستاربكس» للبيع.
وحسب الموقع الرسمي للشركة، أدرك شولتز فوراً أهمية الفرصة، وسعى إلى شراء الشركة التي كان قد تركها قبل عامين. وبحلول أغسطس 1987، نجح في جمع 3.8 مليون دولار لتمويل الصفقة، واستحوذت «إل جيورنالي» على أصول «ستاربكس» واعتمدت اسم شركة ستاربكس للقهوة.
وفي هذه المرحلة ظهر دور مهم للمحامي والمستثمر في سياتل بيل غيتس الأب، والد مؤسس «مايكروسوفت». ووفقاً لرواية نقلتها «ياهو فاينانس» عن شولتز، تدخل غيتس الأب لمساعدة شولتز في مواجهة منافس كان يسعى للاستحواذ على الصفقة، كما ساعد في تأمين التمويل اللازم لها.
وبذلك تحولت «إل جيورنالي» إلى «ستاربكس»، وبدأت الشركة مرحلة جديدة من التوسع. ويظهر التسلسل الزمني الرسمي لـ»ستاربكس»، أن عدد المتاجر بلغ 17 متجراً نهاية 1987، ثم ارتفع إلى 33 في 1988، و55 في 1989، و84 في 1990، و116 في 1991، قبل أن يصل إلى 165 متجراً في 1992.
من 165 متجراً للأسواق المالية
في 1992، أكملت «ستاربكس» طرحها العام الأولي، في خطوة شكّلت نقطة تحول جديدة في تاريخ الشركة. ويؤكد التسلسل الزمني الرسمي للشركة أن عدد متاجرها بلغ 165 متجراً في ذلك العام. كما تشير البيانات التاريخية إلى أن إيرادات الشركة في 1992 بلغت نحو 93 مليون دولار.
ومنذ ذلك الوقت، تسارع نمو «ستاربكس» بصورة كبيرة، وانتقلت من سلسلة مقاهٍ أميركية إلى علامة تجارية عالمية.
أما اليوم، فقد أصبحت الشركة واحدة من أكبر سلاسل المقاهي في العالم. ووفقاً لأحدث نتائج «ستاربكس» عن الربع الثاني من السنة المالية 2026، بلغ عدد متاجرها 41129 متجر حول العالم حتى 29 مارس 2026.
وبلغت إيرادات الشركة 2025 نحو 37.18 مليار دولار، وفقاً لنتائجها المالية الرسمية، وهي أرقام تعكس المسافة الهائلة التي قطعتها الشركة منذ كانت تملك بضعة متاجر في سياتل.
الدرس المستفاد
قصة هاورد شولتز لا تقوم فقط على اكتشاف ثقافة المقاهي الإيطالية، بل على قدرته في رؤية نموذج أعمال مختلف داخل شركة لم تكن مستعدة لتغيير نشاطها. رفض مؤسسو «ستاربكس» التوسع في تقديم مشروبات الإسبريسو، فغادر شولتز الشركة وأسس مشروعه الخاص، ثم عاد بعد عامين ليشتري الشركة نفسها ويطبق النموذج الذي كان قد دافع عنه منذ البداية.
وهنا تكمن فرصة العمر: لم تكن الفرصة في امتلاك شركة كبيرة أو في توفر تمويل ضخم منذ البداية، بل في اكتشاف نموذج مختلف، ثم الاستمرار في اختباره رغم الرفض. فالرجل الذي لم يتمكن من إقناع مؤسسي «ستاربكس» بفكرته، اضطر إلى بنائها بنفسه، ثم عاد ليجعلها أساساً لتحويل الشركة إلى واحدة من أشهر علامات القهوة في العالم.
