– 4 مراحل تنموية نقلت سنغافورة من بطالة 10 في المئة لندرة العمالة
– 14.2 مليار دولار استثمارات خارجية قفزاً من 2.2 خلال 13 عاماً
– 8.5 في المئة متوسط نمو الاقتصاد سنوياً في الثمانينات
– نصيب الفرد من الناتج المحلي في سنغافورة يتجاوز نظيره بأميركا
في 1965، وقف رئيس وزراء سنغافورة لي كوان يو، أمام الكاميرات في مؤتمر صحافي متلفز، ليعلن انفصال بلاده عن ماليزيا.
والمفارقة أنها لم تكن لحظة فرح؛ إذ غلبه التأثر وانهمرت دموعه وهو يتحدث عن الانفصال الذي وصفه لاحقاً بأنه «لحظة ألم»، بعدما كان قد أمضى سنوات مؤمناً بوحدة سنغافورة وماليزيا. ولم يكن القلق بلا أساس؛ فقد دخلت سنغافورة مرحلة الاستقلال وهي تفتقر إلى الموارد الطبيعية والعمق الجغرافي، ولا تمتلك قوة دفاع متكاملة، فيما كان مستقبلها الاقتصادي والأمني شديد الغموض، كما كانت تعتمد على ماليزيا في جزء مهم من إمداداتها المائية.
وبدا الاستقلال في ذلك الوقت أقرب إلى تحدٍّ وجودي منه إلى انتصار سياسي. لكن ما بدا لكثيرين بداية محفوفة بالمخاطر تحوّل، بالعقود التالية، نقطة انطلاق لواحدة من أكثر تجارب التحوّل الاقتصادي إثارة للاهتمام في التاريخ الحديث.
وفي تقرير بعنوان «إستراتيجية التنمية في سنغافورة»، يروي صندوق النقد الدولي أن سنغافورة كانت تعاني عند حصولها على الحكم الذاتي 1959 من فقر شديد وبطالة مزمنة طالت أكثر من 10 في المئة من قوتها العاملة قليلة التعليم، فيما كانت أنشطتها الاقتصادية التقليدية القائمة على تجارة الترانزيت آخذة في التراجع بفعل نشوء طرق تجارية مباشرة بين دول جنوب شرق آسيا والدول الغربية.
وحسب التقرير، لجأت الحكومة إلى توسيع حجم السوق المحلية عبر الاتحاد السياسي والاقتصادي مع ماليزيا بدءاً من 1963، ما ضاعف تقريباً حجم السوق من حيث الناتج المحلي الإجمالي، ورافقه فرض تعريفات جمركية وحصص استيراد لحماية الصناعات الناشئة.
4 مراحل بدلاً من قفزة واحدة
وحسب التقرير، مرت التجربة السنغافورية بـ 4 مراحل تنموية متعاقبة. ففي المرحلة الأولى بين 1959 و1965، أطلقت الحكومة قانوني «الصناعات الرائدة» و«التوسع الصناعي» لمنح إعفاءات ضريبية للشركات كثيفة العمالة، وحصلت شركة «شل» على أول صفة رائدة 1961، وهو العام نفسه الذي تأسس فيه «مجلس التنمية الاقتصادية» ليقود السياسات الصناعية.
كما فُرضت تعريفات جمركية إضافية عامي 1962 و1963، وبحلول مايو 1965 كانت نحو 230 سلعة خاضعة لقيود استيراد.
ورافقت ذلك خطة تعليمية خمسية عام 1960 رفعت الالتحاق بالمدارس الابتدائية 33 في المئة والثانوية 94 في المئة والجامعات 70 في المئة بحلول 1965. ونتيجة لذلك، نما الناتج المحلي الحقيقي 5.75 في المئة سنوياً بين 1960 و1965، وخُلقت أكثر من 21 ألف وظيفة صناعية جديدة، رغم بقاء البطالة فوق 10 في المئة.
واعتباراً من 1966 تحوّلت الحكومة إلى مرحلة ثانية قائمة على تشجيع التصدير بدلاً من إحلال الواردات، بعدما تبيّن أن السوق المحلية الصغيرة لا تسمح للشركات باستغلال وفورات الحجم الكبير، ومنح إعلان بريطانيا 1967 عن جدول زمني لسحب قواتها العسكرية دفعة إضافية لتغيير المسار. وأدخلت الحكومة 1967 «قانون حوافز التوسع الاقتصادي» الذي خفّض معدلات الضريبة على الشركات المصدّرة بشكل حاد، ما ساهم في تدفق استثمارات تصنيعية تجاوزت 2.3 مليار دولار سنغافوري بين 1968 و1973.
وشهد القطاع المالي أيضاً نقلة نوعية بتأسيس وحدة العملة الآسيوية التابعة لبنك أوف أميركا 1968، وهي الخطوة الأولى نحو تحوّل سنغافورة إلى مركز مالي دولي كبير. وبين 1967 و1973، خُلقت 147.5 ألف وظيفة تصنيعية جديدة، حتى وصلت البلاد إلى مرحلة ندرة في اليد العاملة استدعت استقدام عمالة أجنبية موقتة.
ومع تحقيق التوظيف الكامل في مطلع السبعينيات، دخلت سنغافورة مرحلة ثالثة بين عامي 1973 و1984 ركّزت على إعادة الهيكلة الصناعية نحو قطاعات أكثر تطوراً تقنياً، مثل الحواسيب والإلكترونيات والآلات والصيدلة، بدلاً من الاستمرار في الاعتماد على قطاعات كثيفة العمالة كالمنسوجات.
وتشجيعاً للاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة، مُنحت الشركات 5 سنوات إعفاء ضريبياً، وأنشأ مجلس التنمية الاقتصادية مراكز تدريب صناعي مشتركة مع الشركات متعددة الجنسيات، لرفع مستوى مهارات العمالة المحلية. وسُمح في هذه الفترة بأن ينمو دخل العمالة بمعدل يفوق نمو الإنتاجية للسماح بتعديل الأجور الحقيقية، كما فُرضت في مطلع الثمانينيات رسوم على العمالة الأجنبية غير الماهرة لتخفيف الضغط عن سوق العمل.
ومنذ 1985 دخلت سنغافورة مرحلة رابعة من التنويع الاقتصادي، بعدما تباطأ نمو القيمة المضافة الصناعية إلى ما يزيد عن 5 في المئة سنوياً بين 1979 و1984، في حين كان الاقتصاد ككل ينمو بمعدل 8.5 في المئة سنوياً مدفوعاً بأداء قطاعي الأعمال والخدمات المالية. واستهدفت الحكومة قطاعات واعدة مثل التكنولوجيا الحيوية والفضاء الجوي، وأسست 1989 مع إندونيسيا وماليزيا «مثلث النمو» الذي يجمع جوهور وباتام وسنغافورة، بحيث تحتفظ سنغافورة بالأنشطة كثيفة المهارة بينما تنتقل الأنشطة كثيفة العمالة إلى الدول المجاورة. وقفز حجم الاستثمار السنغافوري الخارجي من 2.2 مليار دولار سنغافوري 1976 إلى 14.2 مليار 1989، ذهب نحو 70 في المئة منه إلى آسيا.
لي كوان يو… فرصة على هيئة رجل
وإذا كانت سنغافورة مُنحت فرصة عمرها في لحظة استقلالها المؤلمة، فإن فرصة العمر الثانية والأهم كانت وجود رجل قادر على استثمار تلك اللحظة بدلاً من الاستسلام لها. وحسب موسوعة «بريتانيكا»، تولى لي كوان يو رئاسة الوزراء من 1959 حتى 1990، ويُنسب إليه الفضل في تحويل سنغافورة من مستعمرة بريطانية فقيرة الموارد ومرتفعة الأمية، إلى الدولة الأكثر ازدهاراً في جنوب شرق آسيا، إذ بنى اقتصاداً قوياً استمر مساره الصاعد حتى بعد رحيله، لتتجاوز سنغافورة بحلول 2023 نصيب الفرد من الناتج المحلي في الولايات المتحدة نفسها.
بعبارة أخرى، لم تكن السياسات الأربع، التي تناولها تقرير صندوق النقد الدولي، لتُطبَّق بهذا الاتساق والصرامة، لولا وجود قيادة مستعدة لاتخاذ قرارات صعبة والاستمرار عليها لعقود دون تراجع. وربما كانت الفرصة الحقيقية لسنغافورة، أن الرجل المناسب كان يقف على رأس السلطة في اللحظة الأكثر خطورة من تاريخ بلاده.
الدرس المستفاد
لا يمكن فصل نجاح سنغافورة عن مزيج متكامل من الاستقرار الاقتصادي الكلي، والانفتاح التجاري والاستثماري، والاستثمار المستمر في البنية التحتية ورأس المال البشري، إلى جانب حوافز انتقائية وُجّهت بعناية نحو القطاعات الأعلى قدرة على النمو. ومن هنا، لا تتمثل خصوصية التجربة السنغافورية في تبني سياسة اقتصادية واحدة، بقدر ما تكمن في القدرة على مراجعة السياسات وتعديلها باستمرار وفقاً لتغير الظروف. وعلى مدى 4 عقود، لم تُبنَ هذه التجربة على دفعة واحدة أو قرار منفرد، بل على مسار متواصل من التكيف وإعادة توجيه السياسات، بما حوّل «فرصة العمر» إلى قصة نجاح مستدامة.
