غزة ومأساة «درب الدموع» – الراي


اقتراحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بترحيل أهل غزة إلى دول أخرى ليست سوى محاولة لتكرار مأساة «درب الدموع» (Trail of Tears) التي وقعت بين عامي 1830 و1850. في ذلك الوقت، أصدر الكونغرس الأميركي قانونين مهمين هما: قانون إعادة الإحلال (Reallocation Act) وقانون إزاحة الهنود (Indian Removal Act).

استغل الرئيس الأميركي آنذاك، أندرو جاكسون، هذه القوانين لفرض التهجير القسري على بعض قبائل السكان الأصليين، خصوصاً الشوكتو، السيمينول، الشيروكي، والشاوني، وهي من أكبر القبائل التي تعلمت الزراعة وتكيفت مع نمط الحياة الحديثة، ما جعلها الأكثر «تمدناً» في نظر المستوطنين الأوروبيين المهاجرين إلى أميركا. لكن ذلك «التمدن والتكيف» لم يشفع لهم، حيث تم تهجيرهم قسراً من أراضيهم الخصبة في ولايات تينيسي، ألاباما، جورجيا، وميسيسيبي، التي طمع بها المستوطنون الأوروبيون، ونُقلوا إلى مناطق أخرى تبعد مئات الأميال. خلال هذه الرحلة القاسية، لقي ما بين 15 إلى 25 ألفاً من أبناء القبائل الأصلية حتفهم بسبب البرد والجوع والأمراض، إضافة إلى سوء المعاملة من قبل الجنود الذين أشرفوا على ترحيلهم، ما جعلها رحلة تُروى بالدموع.

مما هو غريب أثناء هذه المأساة، أصدر جون مارشال، رئيس المحكمة الفيدرالية، حكماً لصالح قبيلة الشيروكي، حيث أبطل قرارات حكومة جورجيا التي استهدفت أراضي السكان الأصليين، واعتبرها غير دستورية، ما شكّل نصراً قانونياً للقبيلة. وإزاء ذلك الحكم رد الرئيس الأميركي أندرو جاكسون، متهكماً بعبارته الشهيرة: «لقد أصدر جون مارشال حكمه، فليقم الآن بتنفيذه»!

وتابع قراراته بترحيل القبائل قسراً، غير مكترثٍ بالقانون، ولا بالمعاهدات التي أبرمتها حكومته مع القبائل، ولا حتى بالكوارث الإنسانية التي ترتبت على هذه الإبادة الجماعية.

في تلك الفترة، تم تهجير ما بين 60 إلى 100 ألف من السكان الأصليين إلى مناطق نائية تعرف اليوم بولاية أوكلاهوما. لم يكن اختيار هذه المنطقة عشوائياً، بل لأنها كانت فقيرة الموارد وغير مرغوبة من قبل المستوطنين البيض، ما جعلها بمثابة منفى معزول للقبائل التي تم تهجيرها.

لم يكن التهجير القسري مجرد طمعٍ في الأراضي الخصبة أو الثروات الطبيعية كالذهب، بل كان جزءاً من عقيدة أيديولوجية خطيرة تُعرف باسم «المصير المتجلي» (Manifest Destiny). هذه الفكرة، التي حظيت بقبول سياسي واسع، تقوم على تفسير ديني أيديولوجي مفاده يقوم على عقيدة بأن للرجل الأبيض حق مقدس وبل وواجب إلهي لنشر الحضارة الغربية في أراضي السكان الأصليين، حتى لو كان ذلك عبر القتل والتهجير والاحتلال.

ما يقوم به نتنياهو، اليوم من جرائم ضد القانون الدولي هو انعكاسٌ للأيديولوجيا التعصبية نفسها لما عرف بالمصير المتجلي.

إنّ أفكاره المتطرفة تلك التي تمنحه رخصةً لتصفية الآخرين، قتلهم، وتشريدهم قد أعلنها عبر خطاباته بشكل غير مباشر، لكنه لم يجرؤ على التصريح علناً بتهجير الشعب الفلسطيني إلى دول عربية، كما فعل ترامب. لقد كان ترامب أكثر صراحةً حين أعلن عن مقترحاته تلك دون أي اعتبارٍ للقرارات الدولية التي سبق أن وافقت عليها حكومة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، ولا للأحكام الصادرة عن المحاكم الدولية، ولا حتى للمعاهدات التي أبرمتها الدول المتمدنة.

السؤال الجوهري الذي ينبري بين ثنايا هذه الحوادث هو، هل هذا التشابه بين السياسات الأميركية في القرن التاسع عشر إزاء المواطنين الأصليين وما يحدث اليوم في فلسطين تجاه المواطنين الأصليين أيضاً هو مجرد تشابه تاريخي، أم أنه منهج سلوكي متأصل في التعصب الأيديولوجي الذي يبيح الاحتلال ويعتبره حقاً مقدساً، حتى لو كان الثمن يتمثل في إبادة أممٍ وحضارات بأكملها؟





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *