فريدمان: تغيير كبير قادم في العلاقات الأميركية – الصينية بسبب الذكاء الاصطناعي


يرى الكاتب الأميركي توماس فريدمان، أن عصر الذكاء الاصطناعي يحدث تحولاً جوهرياً في طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، إذ يدفع القوتين العظميين نحو تقارب إستراتيجي في مواجهة المخاطر الأمنية والتكنولوجية المشتركة، بينما يفاقم التنافس الاقتصادي والتجاري بينهما.

ويستند الكاتب المخضرم في مقاله المنشور في صحيفة «نيويورك تايمز» الإثنين، إلى مشاهداته خلال زيارة استمرت 9 أيام للصين، شملت بكين ومنطقة شيونغآن، ناهيك عن المراكز التقنية في هانغتشو ونينغبو وشنتشن، ليخلص إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد سباق تكنولوجي، بل أصبح عاملاً يعيد تشكيل موازين القوة العالمية.

ومن متابعاته لتطور التقنيات، يرى فريدمان أن الخطر المشترك الذي يواجه واشنطن وبكين لم يعد مقتصرا على الدول المنافسة، بل بات يشمل أفراداً ومجموعات صغيرة قادرة على امتلاك أدوات تدميرية كانت حكراً على الدول، مثل الطائرات المسيّرة والأسلحة السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

ويحذر من أن تطور النماذج الذكية وقدرتها المتزايدة على العمل باستقلالية وتحسين نفسها يضاعف مخاطر خروجها عن السيطرة، مما يجعل التعاون الأميركي – الصيني لوضع قواعد وضوابط دولية ضرورة متزايدة، رغم الخلافات السياسية العميقة بين البلدين.

ويتوقع فريدمان أن يشهد عام 2027 تحركاً جديا من الطرفين نحو بحث ضوابط مشتركة للذكاء الاصطناعي، وربما تدفعهما أزمة كبيرة إلى تجاوز حساباتهما التقليدية والتعاون لحماية الأمن العالمي.

الذكاء الاصطناعي لتعزيز التفوق الصناعي

في المقابل، يرى فريدمان أن الذكاء الاصطناعي سيزيد الفجوة الاقتصادية والتجارية بين البلدين، لأن الصين تمتلك قاعدة صناعية ضخمة وسلاسل إمداد متكاملة وبنية تحتية متقدمة، تسمح لها بتحويل التكنولوجيا إلى مكاسب إنتاجية سريعة.

وهنا يبرز اختلاف النهج بين البلدين، فبينما تنفق الشركات الأميركية مليارات الدولارات على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي فائقة التطور، تركز الشركات الصينية على نماذج أصغر وأقل تكلفة، لكنها كافية لتحسين الإنتاج والتصنيع.

ويصف الكاتب هذا النهج بأنه ذكاء اصطناعي «جيد بما فيه الكفاية»، لكنه قد يمنح الصين ميزة تنافسية هائلة، خصوصا في قطاعات السيارات الكهربائية والروبوتات والهواتف والصلب والصناعات المتقدمة.

ويستشهد بتطور الروبوتات الصينية، التي انتقلت خلال عام واحد من تحقيق زمن قدره ساعتان و40 دقيقة في سباق نصف الماراثون (21 كيلومتراً) إلى 50 دقيقة و26 ثانية، متجاوزة الرقم القياسي العالمي للبشر، الذي كان عداء المسافات الأوغندي جاكوب كيبليمو قد حققه.

التوازن الاقتصادي العالمي

يلفت فريدمان إلى أن الصين أصبحت تنتج نحو ثلث السلع المصنعة في العالم، وأن فائضها التجاري بلغ 1.19 تريليون دولار عام 2025، مع توقع ارتفاعه إلى 1.3 تريليون دولار في 2026.

ويحذر من أن دمج الذكاء الاصطناعي في هذا التفوق الصناعي سيزيد قدرة الصين على إغراق الأسواق العالمية بمنتجات منخفضة التكلفة، بما يهدد الصناعات الأميركية والأوروبية والآسيوية.

ويضيف أن اختلال الاقتصاد الصيني نفسه يساهم في هذه المشكلة، فبينما يتمتع قطاع التصنيع والتصدير بقوة استثنائية، لايزال الاستهلاك المحلي يعاني تداعيات انفجار فقاعة العقارات وتراجع ثروة الأسر الصينية، مما يدفع بكين إلى الاعتماد بصورة أكبر على الصادرات والتوسع الصناعي.

المعادن النادرة

ويؤكد الكاتب أن سيطرة الصين على المعادن النادرة تمثل أحد أهم مصادر قوتها في عصر الذكاء الاصطناعي، نظراً إلى أهميتها في تصنيع الرقائق والبطاريات والروبوتات والسيارات والطائرات المسيّرة والتقنيات العسكرية.

ويشير إلى أن الولايات المتحدة وأوروبا تأخرتا سنوات طويلة في بناء صناعة منافسة، وأن استعادة موقعهما قد تستغرق 5 سنوات على الأقل وربما 10 سنوات، الأمر الذي يمنح بكين نفوذاً اقتصادياً وجيوسياسياً واسعاً.

الاستفادة من النظام وهدر المزايا

وفي تقييمه السياسي، يرى فريدمان أن الصين تستفيد من قدرتها على التفكير طويل الأمد وتنفيذ الخطط الإستراتيجية، رغم عيوب نظامها السياسي، ومنها ضعف الاستهلاك المحلي ومخاطر التدخل السياسي والاعتقالات المفاجئة للمسؤولين، التي قد تؤدي إلى شلل البيروقراطية.

في المقابل، يعتبر أن الولايات المتحدة تحقق أسوأ ما في نظامها السياسي رغم امتلاكها مؤسسات وموارد ومقومات قوية، بسبب غياب التخطيط طويل الأمد، وتراجع الاستثمار في البحث العلمي، والتقلب المستمر في السياسات الاقتصادية، خصوصا في قطاع الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية.

ويرى أن استعادة القدرة التنافسية الأميركية لا تتحقق بالضغط على الصين أو مطالبتها بالتراجع، بل بإعادة بناء القوة الصناعية الأميركية، وتعزيز الابتكار، وجذب الكفاءات، وتطوير منتجات قادرة على المنافسة عالميا.

ويخلص فريدمان إلى أن الذكاء الاصطناعي يضع الولايات المتحدة والصين أمام مفارقة إستراتيجية: كلما ازدادت المنافسة بينهما اقتصادياً، ازدادت حاجتهما إلى التعاون أمنياً وتكنولوجياً.

فالصين تمتلك أفضلية واضحة في توظيف الذكاء الاصطناعي داخل التصنيع وسلاسل الإمداد، بينما لاتزال الولايات المتحدة متقدمة في تطوير النماذج الأكثر تطوراً، لكن استمرار هذا التنافس دون قواعد مشتركة قد يفتح الباب أمام مخاطر تتجاوز قدرة الدولتين على احتوائها.

أما الرسالة التي يوجهها إلى واشنطن فهي أن مواجهة الصعود الصيني لا تكون بالشعارات أو الرسوم الجمركية أو السياسات المتقلبة، وإنما باستعادة الجدية في الحكم والتخطيط والاستثمار والابتكار.

والفكرة الجوهرية التي يريد فريدمان إيصالها: الذكاء الاصطناعي لا يعيد توزيع الثروة والقوة فحسب، بل يفرض على أكبر قوتين في العالم إعادة تعريف علاقتهما، فالتعاون أصبح ضرورة للبقاء، والمنافسة الاقتصادية أصبحت معركة على مستقبل النظام العالمي.

والسبيل الوحيد لاستعادة شيء من التوازن في العلاقة الاقتصادية بين الصين وأميركا (وبين الصين وأوروبا) لا يكمن، حسب رأيه، في استجداء بكين، بل في «استعادة أوراق قوتنا».

وذلك، حسب رأيه، من خلال العودة إلى الجدية في أسلوب الإدارة، وتصنيع منتجات ذات تكلفة تنافسية، والتخطيط لما هو أبعد من الأسبوع المقبل، ثم تنفيذ تلك الخطط.

وختم فريدمان بالقول «أعرف تماماً ما يمكن أن يُطلق على هذه الإستراتيجية، فقد رأيت العبارة مكتوبة على قبعة بيسبول حمراء في أحد الأيام إنه: لنجعل أميركا عظيمة مجدداً… لكن ليتنا نبدأ بانتخاب أشخاص يعرفون كيف يحققون ذلك».





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *