ما أكثر الوزراء السابقين ومن في درجتهم في دولة الكويت وانتقال بعض شاغلي المناصب الوزارية من كرسي الوزارة إلى التقاعد هذا يثير تساؤلاً مشروعاً وبصراحة حول العدالة التأمينية إن جاز التعبير.
وفي البداية إنه ليس اعتراضاً على حق الوزير في التقاعد، وإنما هو بحث في مدى التوازن بين ما يحصل عليه من يتولى منصباً عاماً لفترة محدودة، وبين الموظف الحكومي الذي يقضي عشرات السنين في العمل ويدفع اشتراكاته التأمينية حتى نهاية خدمته و(يكرف) ويكافح ربما أكثر!» فالمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية تعرف المؤمن عليه بأنه العامل الكويتي في القطاع الحكومي أو الأهلي أو النفطي أو العامل لحسابه الخاص، والذي تؤدي عنه الاشتراكات الشهرية للمؤسسة، كما أن المعاش التقاعدي هو أحد المخرجات الأساسية للنظام التأميني وتحدد المؤسسة شروطاً واضحة لاستحقاق المعاش التقاعدي للموظف من بينها في بعض الحالات بلوغ 55 عاماً مع 15 سنة خدمة أو 50 عاماً مع 15 سنة خدمة بمعاش مخفض، مع وجود حالات أخرى ترتبط بمدد خدمة أطول. وهكذا وهو ما يعكس ارتباط التقاعد في الأصل بسنوات الخدمة والاشتراك والشروط القانونية، لكن قانون التأمينات الاجتماعية يتضمن في المادة (80) حكماً استثنائياً يجيز بقرار من مجلس الوزراء، منح معاشات أو مكافآت استثنائية للمؤمن عليهم وأصحاب المعاشات والمستحقين عنهم أو لغيرهم من الكويتيين مع خضوع هذه المعاشات والمكافآت لأحكام القانون وفق ما نصت عليه المادة، وهنا تحديداً تظهر الإشكالية: عندما ينتقل شخص من منصب وزاري إلى التقاعد خلال مدة قصيرة نسبياً قضاها تبدأ من ساعات إلى أيام وأشهر ثم استقال أو تمت إقالته ويسمى «وزير سابق» مع أخذ المميزات نفسها! فإن المقارنة الطبيعية تظهر مع الموظف الذي أمضى ربع قرن أو ثلاثة عقود في خدمة الدولة وربما لم يأته الاتصال ليصبح وزيراً، فهنا أقول وبتعجب شديد هل يكفي شغل المنصب وحده لتبرير فارق كبير في المزايا التقاعدية، أم ينبغي أن تكون هناك معايير أكثر وضوحاً تربط الميزة الاستثنائية بمدة الخدمة والمسؤولية والاستحقاق؟ على الأقل مقارنته بوزير قاعد سنين!
وهذه ليست دعوة إلى حرمان الوزير من حقوقه، فالحق القانوني يجب أن يصان للجميع، وإنما دعوة إلى مراجعة فلسفة المزايا الاستثنائية بحيث لا يشعر الموظف الذي أفنى عمره في خدمة الدولة أن سنوات خدمته الطويلة أقل قيمة من فترة قصيرة في منصب سياسي لوزير!
وفي المقابل، فإن وضوح القواعد يحمي الوزير السابق أيضاً، لأن الحقوق التي تقوم على قانون ومعايير معلنة تكون أكثر استقراراً وعدالة من الحقوق التي قد تختلف باختلاف الظروف. وتؤكد المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية أن نظامها قائم على مبدأ تكافلي لتأمين العجز والشيخوخة والمرض والوفاة، وأن من أهدافه توفير الحماية التأمينية.
ومن هذا المنطلق، فإن القضية الحقيقية ليست الوزير في حد ذاته وإنما العدالة بين جميع من خدموا الدولة؛ فالوزير يستحق تقدير المسؤولية التي تحملها، والموظف يستحق تقدير السنوات التي أفناها في العمل والبعض نفس مستوى الوزير أكاديمياً وربما أكثر خبرة لكن لم تحصل له فرصة! كما قلت والتأمينات تستحق الحفاظ على استدامتها وعدالة نظامها.
والمطلوب في النهاية ليس إلغاء الاستثناء، وإنما أن يكون الاستثناء استثناءً حقيقياً، بضوابط معلنة ومبررات واضحة، حتى لا يتحول المنصب الوزاري إلى طريق سريع نحو مزايا لا يستطيع الموظف العادي بلوغها بعد سنوات طويلة من الخدمة وهنا يبقى السؤال: هل نريد نظاماً يكافئ المنصب، أم نظاماً يكافئ الخدمة والاستحقاق؟ لذلك يجب عمل تعديل على المدة الزمنية الأدنى وتكون طويلة لخدمة الوزير حتى يأخذ المميزات بعد الاستقالة أو التقاعد، وبالمناسبة وبشكل عام يفترض رفع السقف الأعلى للمعاش التقاعدي بعد مرور سنوات طويلة على آخر تغيير وهو 2700 دك. والمهم والخلاصة هو تحقيق العدالة والشفافية. والله عزوجل المعين في كل الأحوال.
X@alsadhankw
