نشرت مجلة «بوبيولار ميكانيكس» العلمية تقريراً يكشف عن نتائج دراسة حديثة فسرت أخيراً أحد أكثر الألغاز الجيوفيزيائية إثارة للحيرة في العقود الأخيرة، وهو الانحراف المُحير الذي طرأ على محور دوران الأرض خلال العقود الثلاثة الماضية.
وأفاد التقرير بأن فريقاً دولياً من الباحثين توصل إلى أن السبب الرئيس وراء هذا «المَيَلان الكوكبي» ليس التغير المناخي وحده، كما كان يُعتقد سابقاً، بل يرتبط أيضاً بعمليات جيولوجية عميقة تحدث على بُعد آلاف الكيلومترات تحت أقدامنا في أعماق الكرة الأرضية.
وأوضح التقرير أن محور دوران الأرض ليس ثابتاً، بل يتأرجح بشكل طبيعي في دورة تُعرف بـ«حركة تشاندلر» (Chandler Wobble)، غير أن العلماء لاحظوا منذ العام 1993 أن القطب الشمالي بدأ ينزح شرقاً بمعدل غير مسبوق بلغ نحو 10 سنتيمترات سنوياً، متجهاً نحو شبه الجزيرة الكورية.
وكان التفسير السائد يُلقي باللوم على ذوبان الغطاء الجليدي في غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية، الذي يُعيد توزيع كتلة المياه على الكوكب، لكن الدراسة الجديدة، التي نُشرت في دورية «نيتشر جيوساينس»، وجدت أن هذا العامل لا يُفسر سوى 40 في المئة من الظاهرة.
واستعرض التقرير أبرز ما كشفت عنه الدراسة من أسباب خفية لهذا الانحراف:
• سحب كميات هائلة من المياه الجوفية من باطن الأرض لأغراض الزراعة والصناعة، خصوصاً في مناطق شمال غرب الهند وباكستان وغرب الولايات المتحدة، أدت إلى نقل كتلة مائية تُقدر بـ2,150 غيغاطن من باطن القارات إلى المحيطات.
• هذا النقل الهائل للكتلة غيّر توزيع وزن الكوكب، ما تسبب في إمالة محور الدوران، تماماً كما يتغير توازن «البلبل» (Spinning Top) الدوار عند إضافة ثقل صغير إلى أحد جوانبه.
• استنزاف المياه الجوفية فاق في تأثيره على ميلان الأرض تأثير ذوبان الأنهار الجليدية خلال بعض الفترات الزمنية، ما يجعله العامل البشري الأكبر تأثيراً على حركة الكوكب بأكمله.
ونقل التقرير عن البروفيسور كلارك ويلسون، عالم الجيوفيزياء في جامعة «تكساس»، قوله: «ما فعلناه بالمياه الجوفية يُعادل تحريك كتلة تعادل 7.5 مليار طائرة بوينغ 747 من باطن الأرض إلى سطحها. ليس مفاجئاً أن يستجيب الكوكب لهذا التغيير الهائل».
وفي المحصلة، أكد التقرير أن هذه النتائج لا تعني أن ميلان الأرض يُشكل خطراً وشيكاً على الحياة، لكنه يُقدم دليلاً صارخاً على أن الأنشطة البشرية أصبحت قوة جيولوجية كوكبية قادرة على تغيير حركة الأرض نفسها.
وأشار إلى أن فهم هذه الآليات بدقة سيُساعد العلماء على تحسين نماذج المناخ والتنبؤ بآثار ارتفاع مستوى سطح البحر، وهي مسائل تمس حياة مئات الملايين من سكان المناطق الساحلية حول العالم.
