تتقاطع دينامية المحادثات اللبنانية – الإسرائيلية العالقة عند تخوم «الخط الأصفر»، مع تحرّك أميركي متصاعد على خطين: الضغط الدبلوماسي – السياسي لمنْع تهاوي وقف النار وإحداث خرْق يُبقي «جدوى» مسار التفاوض، وطلائع الضغط التشريعي في واشنطن الذي يزاوج بين «العصا والجزرة» لإلزام بيروت بحسْم ملف سلاح «حزب الله».
وفي حين تنتظر العاصمة اللبنانية وصول المبعوث الأميركي الجنرال جوزيف كليرفيلد لتفكيك عقدتيْ «المناطق التجريبية» وآلية التحقّق قبل جولة «روما 3» المفترَضة أوائل سبتمبر المقبل، كشف تقديم مشروع «قانون لبنان للعقوبات والاستقرار والدعم» في مجلس الشيوخ الأميركي قبل أيام عن المظلّة الحقيقية التي تدير بها إدارة الرئيس دونالد ترامب هذا المسار لجهة وضْع السلطة السياسية في بيروت أمام واقع معقّد.
إذ فيما يحاول لبنان استخدامَ «التشدُّد التفاوضي» والتلويح بمقاطعة «روما 3» لاستدراج ضغط أميركي يوقف الخروق الإسرائيلية وعمليات التجريف في الجنوب وإكمال سلسلة الانسحابات وفق صيغة «المناطق التجريبية»، التي تَختبر أيضاً قدرة الجيش اللبناني على الانتشار وسحْب سلاح «حزب الله» من هذه المناطق وضمان عدم عودته إليها، تطلق واشنطن إشاراتٍ إلى أن أي تردُّدٍ في «العنوان الأمّ» الذي تتمحور حوله المفاوضات ستكون تكلفته كبيرة، حيث أنها تربط عملياً توفير غطاءٍ أميركي للنهوض الاقتصادي وتقوية القوى العسكرية بمدى قدرة بيروت على الوفاء بتعهداتها في ملف ترسانة الحزب ونفوذه «الأخطبوطي» في لبنان.
وتكشف مصادر مطلعة أن هذا الواقع الشديد التعقيد يفسّر النماذجَ التفاوضية غير التقليدية التي كُشف عنها أخيراً، ومنها الطرح الذي نوقش في أنقرة خلال زيارتها من الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون أخيراً حول إمكان نقل الأسلحة الثقيلة للحزب إلى إيران كـ «مخرج تسووي» على أن يتزامن الأمر في حال تنفيذه مع انسحاب إسرائيلي كامل يَسبق أي ترتيبات أمنية جديدة على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية.
كما يَدخل في السياق نفسه الحرص الأميركي على محاولة تفكيك «الصواعق» التي يُخشى أن تشكل عامل ضغط يطيح بالمفاوضاتِ و«يَكشف» السلطة اللبنانية أمام «مضبطة الاتهام» التي يوجّهها لها «حزب الله» يومياً وتشي بأن تتعاظم كلما اتجهت جبهة إيران نحو «منطقة الأمان» أو عادت إلى «منطقة الأعاصير».
وفي الإطار، تأتي مهمة كليرفيلد التي يُفترض أن تتمحورَ حول الانتقال إلى وقف نار فعلي واستكمال محاولة التفاهم على «آلية التحقق» وجدْولة مناطق تجريبية جديدة، وسط ضبابية أحاطت بما نقلته القناة 13 الإسرائيلية عن أن قائد «سنتكوم» الجنرال براد كوبر زار تل أبيب لساعاتٍ يوم السبت وأنه طلب من القيادة الإسرائيلية الانسحاب من مناطق في جنوب لبنان.
ولم تتبلور معطيات إضافية حول ما أوردتْه القناة 13، كما لم يتم تحديد إذا كانت المناطق المقصودة تقع ضمن «المنطقة الأمنية» التي ترفض تل أبيب الخروج من أي بلدة فيها قبل انتخابات أكتوبر، أو على تخومها أو هل المقصود نطاقات تسيطر عليها القوات الإسرائيلية بالنار أو تحاصرها مثل تلة علي الطاهر التي يرفض «حزب الله» إخلاء «بنيته السفلية» تحتها وتسليمها للجيش اللبناني بحجة أنها تقع شمال الليطاني، وهو رسم خطّ تَراجُعٍ مبدئي حدوده جنوب النهر أي أرض القرار 1701.
وما جَعَلَ ما نُقل عن كوبر مَثارَ تدقيقٍ، مع عدم استبعادِ أن تحاول واشنطن حضّ إسرائيل على انسحاباتٍ ولو من خارج «الخط الأصفر» في الفترة الفاصلة عن موعد «روما 3»، يتمثّل في مناخاتِ التفهُّم التي عبّر عنها مسؤول أميركي رفيع أفاد بأن البيت الأبيض «لم ينزعج» من تصريح بنيامين نتنياهو عن رفض الانسحاب من غزة قبل نزع كامل سلاح «حماس» وذلك من باب «أننا نتفهم الاحتياجات السياسية لنتنياهو.. وليس لدينا أي مشكلة في ذلك ما دام يواصل القيام بما نطلبه منه، خاصة فيما يتعلق بكبح الهجمات على غزة».
ويعكس هذا الجوّ أن الأولويةَ التي تَضعها واشنطن في لحظة انتقالية شديدة الحساسية على جبهة إيران تتمثل في تَفادي إشعال إسرائيل أي مواجهاتٍ كبرى سواء في غزة أو لبنان، بالتوازي مع إدراكٍ لأهمية تزويد المفاوضات بين بيروت وتل أبيب بعناصر تدعيمٍ بوجه محاولات طهران تجويف هذا المسار وتظهيره عقيماً لتبرير الاستئثار بالورقة اللبنانية في محادثاتها مع الولايات المتحدة أو أي صِدام جديد معها.
علي الطاهر
ومن هنا تبدو المرحلة الفاصلة عن أي استئنافٍ لمسار لبنان – إسرائيل التفاوضي أقرب إلى «عصْر الخيارات» بالنسبة لمختلف أطرافه:
– فإسرائيل تُعْطي إشاراتٍ حمّالة أوجه من خلال تكثيف عمليات الحرق التي وصلت إلى البقاع الغربي والتفجير والتجريف، وصولاً لِما توحي بأنه عملية «شَبَحية» تتصل بتلة علي الطاهر تحدّث عنها نتنياهو من دون الكشف عن تفاصيلها، رغم تقارير في بيروت (موقع «المدن») أوردت أن القوات الإسرائيلية لجأت خلال تحركها الأخير في هذه المنطقة إلى إدخال روبوتات وآليات يتم التحكم بها عن بُعد، في محاولة للتقدم واستكشاف المنطقة من دون تعريض الجنود مباشرةً للمخاطر، وأن استخدام الروبوتات جاء بالتزامن مع عمليات استطلاع وتمشيط ميداني مكثفة، في ظل صعوبة التضاريس وطبيعة المنطقة، قبل أن تتمكن القوات الإسرائيلية من العثور على عدد من فتحات الأنفاق التي تؤدي إلى داخل تلة علي الطاهر وتمتد في عمقها.
وبحسب هذه التقارير، فإن القوات الإسرائيلية عمدت بعد اكتشاف هذه الفتحات إلى ضخ غازات سامة داخلها، في إطار محاولاتها التعامل مع شبكة الأنفاق الموجودة في المنطقة.
ولم تستبعد بعض الدوائر أن تل أبيب تستبق طلباً أميركياً قد يتحوّل معلناً بوقف التصعيد جنوباً (تمهيداً لاستئناف المفاوضات) من خلال تكثيفها خروقها لإنجاز «العمليات غير المنتهية» تفادياً لـ «الإجهاز» على مسار التفاوض الشائك أصلاً.
– والولايات المتحدة «تلاحق» جبهة لبنان لإبقائها في دائرة «التبريد» وضمان أن تلتصق المفاوضات بصورة «المسار المفيد»، وهي لم تتوانَ عن التدخل سريعاً بناء على طلب لبنان كي تسحب الخارجية الإسرائيلية خريطة نشرتْها وتضمّنت ضماً لأجزاء من أراضيه إلى المساحة المرسومة لإسرائيل أي دمجها بحدود الدولة العبرية، حيث أوعز الرئيس جوزاف عون بالتحرك على المستويين الأميركي والأممي لمتابعة هذه القضية ومعالجتها.
وهذه الصورة التي لا تتطابق مع الحدود المعترف بها دولياً والتي أعقبت ما كُشف عن تقدُّم تحقق في موضوع تظهير وإثبات الحدود البرية بين لبنان وإسرائيل في الجولة الأخيرة من مفاوضات روما الأسبوع الماضي، أثارت استياء كبيراً في بيروت بلغت أصداؤه واشنطن حيث تحرك السفيرة اللبنانية ندى معوض قبل أن يبلغ مسؤول أميركي إلى «الشرق بلومبورغ» أن الخارجية الإسرائيلية أزالت الصورة بعد استفسار من واشنطن وأن الإسرائيليين أبلغوا أن الخريطة أنشئت باستخدام الذكاء الاصطناعي وتضمنت العديد من الأخطاء.
التلاعب بالحدود
كما نقلت قناة «الحدث» عن مصدر دبلوماسي لبناني أن جهود بيروت والتواصل مع واشنطن للضغط على إسرائيل لإزالة الخريطة التي تتلاعب بالحدود أفضت لحذفها.
– أما لبنان فيُعطي إشارات تَرَيُّثٍ في ما خص جولة «روما 3» التي لم تُحدد بعد رسمياً، وقد برز اليوم الإثنين، استقبال الرئيس اللبناني رئيس الوفد المفاوض السفير السابق سيمون كرم حيث اطلع عون منه «على مداولات الاجتماعات التي عقدت في روما الأسبوع الماضي بين الوفود اللبنانية والأميركية والإسرائيلية، وزوده بتوجيهاته للمرحلة المقبلة».
وجاء هذا اللقاء على وهج الأجواء المتقاطعة التي نقلت في اليومين الماضيين عن مصادر قريبة من رئاسة الوفد اللبناني المفاوض أن لبنان يتّجه إلى ربط الجولة المقبلة من المفاوضات مع إسرائيل، بتنفيذ ثلاثة مطالب وضعها الوفد اللبناني، وهي: تثبيت وقف شامل وكامل لاطلاق النار، ووقف عمليات التجريف والتدمير في الجنوب، وتحديد منطقة تجريبية جديدة في بنت جبيل و/أو الخيام، وأنّ انعقاد الجولة الثامنة من المحادثات ليس محسوماً من الجانب اللبناني أو منفصلًا عمّا ستقوم به إسرائيل على الأرض خلال المرحلة المقبلة.
جنبلاط: علي المملوك وكبار ضباط الأسد في لبنان بحماياتٍ شبه رسمية
كشف الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، أنّ عدداً من كبار الضباط في نظام بشار الأسد البائد «يقيمون على الأراضي اللبنانية ويتمتّعون بحمايات شبه رسميّة»، محذّراً من أنّ وجودهم يشكّل خطراً على الأمنيْن اللبناني والسوري.
وجاء كلام جنبلاط خلال توقيعه ومناقشة مذكراته «قَدَر في هذا المشرق»، حيث أعلن أن من بين الضبّاط الموجودين في لبنان علي مملوك وبسّام الحسن، إضافة إلى أحد الضبّاط المسؤولين عن الأسلحة الكيميائية وضبّاط آخَرين.
لبنان يطلب مساعدة البنك الدولي
يحاول لبنان تفعيل حضور الدولة في المناطق الجنوبية التي تضرّرت بشدة من الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل.
وقد أكد الرئيس جوزاف عون «أهمية تمكين مؤسسات الدولة من استعادة دورها في المناطق التي تعرضت لأضرار جسيمة نتيجة العدوان الأخير وبعضها تعرض لدمار شامل، وإعادة الخدمات الأساسية وتأمين مقومات العودة والاستقرار لأهالي بلدات وقرى هذه المناطق»، مشدداً على «حاجة لبنان في هذه المرحلة إلى دعم البنك الدولي وشركائه، لا سيما لجهة مساعدة الدولة على الاستجابة لاحتياجات أكثر من 600 ألف مواطن عادوا إلى مناطقهم».
المفاوضات بين رجي وعبدالعاطي
تناول وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي هاتفياً مع نظيره المصري بدر عبدالعاطي «الأوضاع العامة السائدة في المنطقة، والتطورات الجيوسياسية المتلاحقة التي تشهدها الساحتان الإقليمية والدولية وانعكاساتها المحتملة على الاستقرار الاقليمي»، بحسب بيان للخارجية اللبنانية.
وتوقف الوزيران عند مسار المفاوضات القائمة بين لبنان وإسرائيل، حيث أكد رجي الحرص اللبناني على استكمال المسار التفاوضي بما يصون السيادة الوطنية ويحفظ الحقوق اللبنانية.
كما تناول الاتصال التحضيرات للاجتماع الوزاري للجامعة العربية في القاهرة خلال سبتمبر المقبل.
