لماذا تغير العالم بسرعة؟ – الراي


وُلِدَ بمكة في وادٍ مُقفر موحش غير ذي زرع، ونشأ يتيماً يرعى الغنم في صباه على قراريط لقريش -وهو جزء يسير من المال- فنظر حوله فإذا الناس كلهم في جانب… وهو بمفرده في جانب آخر أتى بدين جديد بينما العالم بأسره وأهله وعشيرته وبلده ومعهم الفرس والروم والهند والصين وكل شعوب الأرض لا يرون ما يرى… بل لا يشعرون حتى بوجوده هناك… هذا موقف النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- وهذا موقف كسرى وقيصر منه! الذي غيّر العالم في 23 سنة فقط!

فقد تربّى وحيداً طريداً خالياً من كل قوةٍ وسلاح إلا مضاء الإرادة وصلابة العزيمة… أمام طوفان عالم تدعمه قوة العدَد والعُدَد… وتؤازره حرارة عقائد شتّى شب عليها وورثها عن أسلافه الذين قالوا له «إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون»، فاتخذت في قرارة نفوسهم وأعماق تاريخهم جذوراً ممتدة ليس من السهل على أول قادم اقتلاعها!

وهذا الفتى من قريش هو القادم الذي سوف يقتلع تلك الجذور -بعون الله- ويضع مكانها غرساً جديداً والعالم بأسره هو السادن لهياكل تلك الشجرة الخبيثة (الجاهلية الجهلاء) يذود عنها وتأبى كرامته أن يفرّط في هذه السيادة الكهنوتية!

إذاً هناك ميدان للمبارزة بين فتىً أعزل وبين عصر جاهلي يُزمجر غاضباً تارة وضاحكاً تارة بأسلحته ورجاله وعقائده ورهبانه وخطبائه وفقهائه… وتقاليده ومجده وتاريخه الغابر… هذه المبارزة من يستطيع الإقدام عليها إلا نبي؟!

وليست المعجزة محصورة في شفاء الأصم وإبراء الأعمى أو المائدة تنزل من السماء!

وإنما المعجزة الحقيقية هي أن يخرج مثل هذا الرجل الوحيد الأعزل من وسط غبار هذه المعركة المخيفة ظافراً منتصراً فإذا هذا العالمُ (الرقيب العتيد) كله يجثو عند قدميه منكس الأسلحة رافعاً الراية البيضاء وقد انقلبت سخريته خشوعاً رهيباً وقهقهته احتراماً عميقاً!

كيف كسب هذا الرجل الموقعة؟… وما وسائله؟ هل كانت له جمعيات خيرية؟ أو أحزاب سياسية! أو خطط ثعلبية في الغاية تبرر الوسيلة المعهودة عندنا اليوم؟

وهنا يأتي معنى الاصطفاء والاختيار… فالله تعالى لا يريد رسالته للبشر إلا بالوسائل البشرية… فهو لا يُجبر الإنسان بهذا الأمر كما تُكتب عليهم الأعاصير والفيضانات والأمطار والآجال والأرزاق، ولكنه شاء -سبحانه- أن يُخلي بين الدين وبين الناس فما أجبر أحداً على الإسلام ولا أحداً على الكفر، بل أنزل تشريعاً وأمر الجميع -الإنس والجن- باتباعه، والإنسان في هذا يختار «وهديناه النجدين» وذلك حتى يتغلغل الدين من تلقاء نفسه وتخالط بشاشته القلوب… ومن هنا بدأت متاعب النبي الكريم… وهنا ظهرت المعجزة الخالدة وهي إبراء الأعمى… لا أعمى واحد فحسب ولكن ملايين العميان فهو الذي يفتح أبصارهم على نور طالما جحدوه وجحدوا وجوده «وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا».

كيف استطاع هذا الفتى إقناع العالم بما جاء به؟

والجواب أبسط من البسيط وهو أن الناس لا تقتنع بمجرد الكلام وإنما يؤثر فيهم الفعل والمَثَل… فهو قدوة حسنة… لا يريد غنىً ولا أن يكون ملِكاً على مكة، ولكنه يريد أن يبقى فقيراً يشبع يوماً ويجوع أياماً، بل مات مديوناً ودرعه مرهونة عند جاره اليهودي، تسلّف فيه شعيراً قبل موته ليطعم به زوجاته أمهات المؤمنين!

بل كل هذه المخاطر التي تعرض لها وكل هذا الهوان الذي ناله من سفهاء القوم وأكابرهم، وكل هذا التعب الذي ملأ به حياته، كان لوجه الله وحده وفي سبيل عقيدة (لا إله الا الله محمد رسول الله)، بل منذ ذلك اليوم الذي اجتمع فيه كبار بني هاشم، وعرضوا عليه ثروتهم ووعدوه بالسيادة على أم القرى بشرط أن يترك دعوته ويتركهم على دين عبدالمطلب!

فرفض المال والمجد والسلطان وأبى إلا شيئاً واحداً، وهو أن يقولوا لا إله إلا الله -كلمة تملكون بها العرب والعجم- عند ذلك أدرك أولئك القوم جميعاً أن الأمر جِدُّ، وأنهم أمام رجل لا ككل الرجال، وأنه الإنسان الذي لا يغريه في الحياة شيء مما يُغري الإنسان عادةً، وقد أطرق القوم في وجوم كأن على رؤوسهم الطير يفكرون ملياً في أمره، إن مثله لا يمكن أن يكون أفّاكاً أثيماً أو شيطاناً رجيماً…

عند ذلك بدأ الناس يستمعون إليه ويصغون لكلامه؛ فوسيلته الأولى كانت في الميدان «دفع بالتي هي أحسن»، «وجادلهم بالتي هي أحسن». ومن هنا كانت قوته؛ فإن أمضى سلاح في يد رجل يريد الإصلاح، ويقارع الحجة بالحجة، هو أن يواجه البشر بيد خالية من مطامع البشر!

ولكن العوام لا يمكن أن يتخلوا عما اعتادوه بالماضي في يوم وليلة! كي يؤمنوا بهذا الكلام الجديد!

لقد جاهد الرسول -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- في كل لحظة عاشها في حياته إلى أن استطاع أن ينقل هذه العقيدة (التوحيد) التي استقرت في سويداء قلبه… إلى قلوب الناس جميعاً… وهنا كان النصر الأخير… وتمكن هذا الرجل الواحد أن يضع العالم في قبضته ويخضعه لرسالة ربه ويطبعه إلى أبد الآبدين بصبغة خالقه وهي الإسلام (من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت). إنها عقيدة التوحيد؛ التي جاء بها جميع الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام- لتصنع وتحقق المعجزات.

من هنا تغير العالم بسرعة.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *