إذا سألت شخصاً بالغاً عن أقدم ذاكرة لديه، فسيجيب عادة في سن الثالثة أو الرابعة، وما قبل ذلك هو فراغ تام.
وقد عزت العلوم لفترة طويلة ذلك إلى أن دماغ الرضيع لم يكن متطوراً بما يكفي لتخزين ذكريات الأحداث الفردية.
لكن دراسة حديثة أجراها باحثو جامعة نيويورك على الفئران، ونُشرت في مجلة «نيورون»، تهدُّ هذه الفكرة التقليدية وتكشف أن الذكريات المبكرة ليست منسية بالكامل بل مدفونة وقابلة للاسترجاع.
ويمكن تلخيص أهم اكتشافات هذه الدراسة الرائدة في النقاط الآتية:
• الذكريات التي تبدو وكأنها اختفت من سلوك الفأر الصغير بعد شهر، عادت لتظهر بعد تعريض الفأر البالغ لمُنبِّه بسيط، ما يثبت أن الذاكرة كانت موجودة وليست منسية.
• منطقة الدماغ المسؤولة عن استرجاع هذه الذكريات المدفونة هي قشرة الفص الجبهي (المسؤولة عن التخطيط والحكم)، وليس الحُصين (مركز الذاكرة التقليدي).
• الفئران التي استعادت ذاكرة الرضاعة تعلمت مهام جديدة مرتبطة بالسياق الأصلي بشكل أسرع، ما يعني أن الذكريات المدفونة توفر «سقالة معرفية» توجه التعلم المستقبلي.
وتنطوي هذه النتائج على آثار بالغة الأهمية لفهم الطفولة المبكرة، فالأحداث التي تختفي من الاسترجاع الذاتي لا تمحى دماغياً، بل تترك هياكل خاملة تؤثر في كيفية تعلمنا وتفاعلنا مع العالم بعد عقود.
الفراغ في ذاكرتنا البالغة ليس فراغاً، بل هو طبقة صامتة ومنظمة تؤدي عملاً لا نراه أبداً. وهذا يفسر أيضاً لماذا يمكن لبعض الروائح أو الأصوات أن تستعيد فجأة مشاعر طفولة مبكرة من دون أن نتذكر الحدث نفسه.
