لم يقل لي أحد: كل عام وأنت بخير!


4 أغسطس، ذكرى يوم ميلادي. يومٌ يمرّ كغيره من الأيام، لا أستوقفه كثيراً، ولا أُقيم له وزناً استثنائياً، بل لم أعتد في حياتي أن أحتفل به أو أنتظره. ومع ذلك، مرّ هذا اليوم هذه المرة بشيء من الغرابة التي تستحق التأمل.

لم يقل لي أحد من عائلتي: «كل عام وأنت بخير».

مرّ اليوم بصمتٍ من الأقربين، أولئك الذين يفترض أن يكونوا الأقرب إلى تفاصيلنا الصغيرة، والأدرى بمحطاتنا الخاصة. وفي المقابل، جاءتني التهاني من أماكن بعيدة، من أصدقاء عبر منصات التواصل الاجتماعي، من «فيسبوك» و«سناب شات» و«إكس»، أشخاص قد لا تجمعني بهم علاقة يومية، وربما لم ألتقِ ببعضهم وجهاً لوجه.

هنا تبرز المفارقة: كيف يمكن لذاك القريب جداً أن ينسى، بينما يتذكّر البعيد؟

قد يقول قائل إن منصات التواصل الاجتماعي لديها نظام «التذكير» بتواريخ أيام الميلاد، وأن هذه التهاني ليست سوى استجابة لحظية لذلك التذكير الإلكتروني. وهذا صحيح، لكن الشيء الأعمق أن ليس هناك أحد منهم مُجبراً على أن يكتب لنا تهنئة في هذه المناسبة، حتى وإن ظهر له التنبيه. بإمكانه أن يتجاهله بصمت، ومع ذلك اختار أن يشاركك المشاعر الطيبة في ذلك اليوم ولو بكلمات بسيطة.

هذا يدفعنا للتساؤل: هل المسألة مسألة قربٍ جغرافي أو عائلي، أم مسألة اهتمام وانتباه؟ هل القرب الحقيقي يُقاس بالمسافة، أم بحضورك في ذاكرة الآخرين؟

شخصياً، لا أرى في يوم الميلاد مناسبة تستحق الاحتفاء الصاخب. بل على العكس، أراه محطة تأمل. سنةٌ مضت من العمر، انقضت بحلوها ومرها، من أحداث ومواقف وأخطاء وتجارب. فالأحق علينا من الفرح فقط في مرور الزمن أن نتوقف قليلاً لنسأل: ماذا فعلنا في هذا العام؟ وماذا بقي لنا فيه؟

جاء في بعض كتب التراث أن أحد الأنبياء قال لملك الموت: قبل أن تأتي لقبض روحي أخبرني قبل أن تفعل. وبعد مضي بعض الزمن جاء ملك الموت لذلك النبي ليقبض روحه، فقال له النبي: لماذا لم تخبرني قبل أن تأتيني؟ لماذا جئتني فجأة؟ قال ملك الموت: لقد أرسلت لك قبل أن آتيك لأقبض روحك ثلاث رسائل نبهتك فيها بأن موعدي معك اقترب، لقد أرسلت لك الشيب، والهرم، وضعف السمع والبصر.

إن الاحتفال بيوم الميلاد، في جوهره، ليس أمراً واحداً يمكن تفسيره ببساطة. هو خليط من ثقافات اجتماعية، وتأثيرات حضارية، وربما امتدادات دينية في بعض المجتمعات، إضافة إلى نزعة إنسانية فطرية للاحتفاء بالذات والوجود. هناك من يراه مناسبة للفرح والتجديد، وهناك من يراه تذكيراً صامتاً بأن العمر يمضي.

أما أنا، فأقف في منطقة وسطى:

لا أحتفل، ولا أحزن. لكنني أُفكّر.

أفكّر في الذين تذكّروا… والذين لم يتذكّروا. وأفكّر أكثر في معنى أن تكون حاضراً في حياة الآخرين، لا في تواريخهم فقط.

لم يقل لي أحد من القريبين مني: كل عام وأنت بخير. في ذكرى يوم ميلادي، لكنني لست مهتماً بذلك أبداً.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *