
هناك مؤسسات تطلق برامج وتنتهي بانتهاء جدولها الزمني، وهناك مؤسسات أخرى تمتلك رؤية أبعد، لا تكتفي بأن تملأ وقت الشباب، بل تعمل على تشكيل وعيهم، وصقل شخصياتهم، وبناء أدواتهم التي يحتاجونها لمواجهة المستقبل.
وهنا تأتي «لوياك» بوصفها واحدة من التجارب الشبابية التي أثبتت، عاماً بعد عام، أن العمل الحقيقي مع الشباب لا يُقاس بضجيج الفعاليات، وإنما بحجم الأثر الذي تتركه في الإنسان.
ومن هذه الرؤية تحديداً، جاءت «العيادة القانونية»، مبادرة نوعية تكشف مرة أخرى عن وعي إدارة «لوياك» بأهمية الانتقال بالعمل الشبابي من دائرة الأنشطة التقليدية إلى فضاء التجربة والمعرفة والتفكير والمسؤولية.
لقد جاء إطلاق برنامج قانوني موجه إلى فئة عمرية بين 13 و18 عاماً، وهو ليس مجرد فكرة جميلة، بل قرار يعكس فهماً عميقاً للتحولات التي يعيشها الشباب اليوم، والأهم من ذلك أن «لوياك» لم تقدم القانون بأسلوب أكاديمي جاف، بل أعادت صياغته بلغة الشباب، واستعانت بالمسرح والمحاكاة والنقاش والحالات الواقعية، لتحول المعرفة القانونية من معلومة تُسمع إلى تجربة تُعاش.
أكاديمية لوياك… حين يصبح المسرح أداة لصناعة الوعي
ومن أبرز عناصر القوة في التجربة الدور الذي لعبته أكاديمية لوياك للفنون الأدائية «لابا»، فإدخال المسرح إلى برنامج قانوني كان اختياراً ذكياً وجريئاً في آن واحد، لأن القانون عندما يُقدم في كتاب قد يُنسى، وعندما يُشرح في محاضرة قد يبقى في حدود المعرفة، لكنه عندما يتحول إلى موقف ومشهد وشخصية وحوار ومرافعة فإنه يتحول إلى تجربة شخصية.
فجأة أصبح الحديث عن الابتزاز الإلكتروني وانتحال الشخصية والسرقة والاعتداء وتصوير الآخرين دون إذن وتخريب الممتلكات العامة، ليس مجرد موضوع قانوني، بل موقف يستطيع الطالب أن يراه ويفهمه ويحلله… وهنا يصبح المسرح مدرسة، وتصبح الثقافة القانونية أكثر قرباً، وأكثر تأثيراً، وأكثر قابلية للبقاء في الذاكرة.
3 أسابيع… ولكن الرسالة أكبر بكثير
على مدى ثلاثة أسابيع، أخذت «العيادة القانونية» المشاركين في رحلة متدرجة ومدروسة، ومن نقاط القوة التي رفعت قيمة البرنامج أيضاً مشاركة نخبة من المختصين والخبراء القانونيين، إلى جانب ممثلي وزارة الداخلية من قطاعات مختلفة.
الدكتور محمد بوزبر، والدكتور حسين العبدالله، والدكتور فايز الفضلي، قدموا المعرفة القانونية والخبرة المهنية، بينما أضاف ممثلو وزارة الداخلية بعداً واقعياً وتطبيقياً للقضايا التي نوقشت.
فالشباب لا يحتاجون إلى معلومة قانونية مجردة فقط، بل يحتاجون إلى فهم كيف تعمل المؤسسات، وكيف يتصرفون عند تعرضهم لمشكلة، وأين يطلبون المساعدة، وما المسؤولية التي تقع عليهم.
إن تكامل «لوياك» مع أكاديمية «أركان للتدريب القانوني» ووزارة الداخلية و«لابا» والأهالي، يقدم نموذجاً يمكن أن يحتذى به في تصميم برامج شبابية أكثر تأثيراً.
«العيادة القانونية»… استثمار في الإنسان قبل أن تكون استثماراً في المعرفة
ربما تكون أجمل قراءة لهذه التجربة أنها لم تتعامل مع القانون باعتباره مادة تعليمية، بل باعتباره جزءاً من بناء شخصية الشاب، فالهدف ليس أن يحفظ الطالب العقوبة أو يعرف اسم الإجراء القانوني. الهدف أن يتعلم التفكير قبل التصرف… أن يسأل قبل أن ينشر… أن يتوقف قبل أن يعتدي… أن يعرف حقه دون أن يتجاوز حق غيره… أن يدرك أن العالم الرقمي له قوانينه ومسؤولياته… وأن يفهم أن احترام القانون ليس خوفاً من العقوبة، وإنما احترام للذات وللمجتمع ولحقوق الآخرين… وهذه رسالة تربوية عميقة.
ما قامت به إدارة «لوياك» في هذه التجربة يستحق الإشادة لأنه يعكس قدرة المؤسسة على قراءة احتياجات الجيل الجديد، وتحويلها إلى برامج مبتكرة تحمل قيمة حقيقية.
شكراً لإدارة «لوياك» على هذه الرؤية.
وتحية لأكاديمية «لابا» على تحويل القانون إلى مشاهد حية نابضة.
وتحية لأكاديمية «أركان» والخبراء والمحامين وممثلي وزارة الداخلية على شراكتهم.
وتحية خاصة لكل طالب وطالبة وقفوا أمام الجمهور، ناقشوا، مثلوا، ترافعوا، وفكروا.
