بعض الذين يهاجمون مجلس التعاون الخليجي يُشبهون رجلاً يقف أمام بيت جيرانه حاملاً معولاً، ويُصرّ على أنه جاء للاطمئنان على سلامة البناء!
إذا اتفقت دول المجلس، اتهموه بالتكتّل، وإذا اختلفت، أعلنوا وفاته، وإذا تحرّك، شكّكوا في مقاصده، وإذا صمت، عدّوا صمته اعترافاً، والمطلوب، فيما يبدو، أن يعقد المجلس اجتماعاً أخيراً يشكر فيه منتقديه، ثم يتعاون معهم على حلّ نفسه!
ليس كل نقدٍ هجوماً؛ فمن حق الناس أن يسألوا ويطالبوا ويحاسبوا؛ لكن بعضهم يدخل ورشة الإصلاح وفي يده أدوات الهدم، ثم يغضب إذا سألته: أين صندوق الصيانة؟
والعجيب أن هؤلاء يبكون تفرّق العرب صباحاً، وينزعجون من تقارب الخليجيين مساءً! يحبّون الوحدة مادامت بيت شِعر (بكسر الشين) فإذا صارت واقعاً بحثوا لها عن عيبٍ في الوزن والقافية.
غير أن الرد على هذه الحملات لا يكفيه بيان أو خطبة بعد أن تكون الشائعة قد أنهت جولتها، وشربت قهوتها، وافتتحت فرعاً جديداً! فالحقيقة تحتاج إلى مَنْ يُحسن تقديمها، وإلّا سبقها إلى الناس مَنْ يحاول تشويهها كما يحدث هذه الأيام للأسف من شعوبيين ودخلاء.
ولهذا نناشد معالي الأمين العام النشيط أن يمنح أدوات المجلس في التواصل والرد شيئاً من نشاطه؛ فالمعركة الإعلامية لا تنتظر ختم الصادر، ولا تمنح الحقيقة مهلة حتى تنتهي من مراجعة الفواصل؛ نحتاج إلى رصد مبكر، ورد سريع، وحجة واضحة، وخطاب قريب من الناس، يعرف متى يشرح، ومتى يفنّد، ومتى يترك الادعاء يسقط تحت ثقل تناقضه.
لكن قوة المجلس تحتاج أيضاً إلى جذور في المجتمع، وهنا يأتي العمل الأهلي بوصفه واحداً من أوتاد القوة؛ فالبيت يزداد ثباتاً كلما شارك أهله في تثبيت أوتاده، وشعروا أن سقفه يحميهم جميعاً.
إن الجمعيات الأهلية والمهنية والتطوعية تستطيع أن تمنح التعاون الخليجي حضوراً يومياً في حياة الناس؛ فالطبيب الذي يعمل مع زملائه في دول الخليج، والمتطوع الذي يشارك في مبادرة مشتركة، والشاب الذي يجد مساحة للعمل مع أقرانه، يبنون روابط يصعب على حملات التشكيك تفكيكها.
نتمنى على أصحاب الجلالة والسمو قادة مجلس التعاون الخليجي أن يوجّهوا بإرشاداتهم الكريمة لدعم الأمين العام كي يُفعّل العمل الأهلي داخل منظومة مجلس التعاون ولكي يفتح مسارات واضحة للشراكة مع مؤسسات العمل غير الحكومي، ودعم شبكات خليجية في الصحة والتعليم والثقافة والبيئة والعمل التطوعي، ونطالب بمساحة للشباب والنساء، وببرامج مشتركة ذات أهداف مُعلنة، وبقنوات تستمع إلى مقترحات المجتمع وتتابع تنفيذها.
ولا نريد أن تتحوّل هذه الشراكة من العمل غير الحكومي إلى دعوة سنوية، ومقعد في آخر القاعة، وصورة تذكارية يخرج منها المشارك بشهادة تقدير وحيرة في معرفة ما الذي شارك فيه! فالعمل الأهلي يملك خبرة ومبادرة وقدرة على الوصول إلى الناس، ويستحق أن يكون رافداً داعماً لأحلام قادتنا وآمالهم.
ومن المفيد أن يجد ممثلوه باباً منتظماً للحوار مع الأمانة العامة، وأن تكون لهم فرصة للمشاركة في الدفاع عن مجلس التعاون الخليجي الذي يمثل مستقبل أجيال الخليج.
اليوم، لدينا فرصة لدعم مجلسنا بأبنائه المتطوعين أسوة بأجهزته الحكومية، فرصة مُلحّة لما نشاهده ونسمعه من أطياف تحاول التشكيك بالمجلس بل وتطالب بأسوأ من ذلك، سيكون الرد عليهم من قبل تعاون الشعب إلى جانب الحكومات، هذا هو جدار الصد الصلب.
حين يشعر المواطن أن له دوراً في هذا البيت الخليجي، يصبح أحرص عليه، وأقدر على الدفاع عنه بوعي، ومَنْ يعمل في مشروع مشترك يعرف قيمة ما يبنيه، ويصعب إقناعه بأن هدمه خدمة عامة.
إن مجلس التعاون الخليجي لا يحتاج إلى جيش من المصفّقين؛ يحتاج إلى شركاء يسألون ويقترحون ويعملون؛ فالتصفيق ينتهي بانتهاء الحفل، أما الشراكة فتبدأ صباح اليوم التالي، حين يعود كل طرف إلى مسؤوليته.
يا معالي الأمين العام، أعلم مدى حرصكم وإخلاصكم وأنا واثق أنكم تعملون، بما لديكم من صلاحيات، لتطوير العمل وتقوية جدرانه واتمنى أن يكون العمل الأهلي أحد أبواب المشاركة ليكون للمجتمع دور محسوس في منظومة المجلس. فكل رابطة بين الناس وتد إضافي في هذا البيت، وكل مبادرة مشتركة مساحة تصد أصحاب المعاول الهدّامة، أما أولئك الذين يزعمون أن إضعاف المجلس هو الطريق إلى إصلاحه، فنقترح عليهم أن يجرّبوا نظريتهم على مظلّاتهم أولاً… قبل أن يدعونا إلى الوقوف معهم تحت المطر.
