– بري: العلاقة مع «حزب الله» كانت أقرب في أيام السيد حسن نصرالله
على وقع المعركة التي أطلقتْها تل أبيب على طاولة المفاوضات العسكرية مع بيروت في تامبا – فلوريدا لتهشيم صدقية الجيش اللبناني وتهميش دوره السيادي داخل المناطق التجريبية، الناظمة للانسحاب الإسرائيلي من الجنوب وسحب سلاح حزب الله، استمرّت الإشاراتُ البالغة التعبير عن أن هذا المسار الديبلوماسي كأنه يدور على مسرح موازٍ وفاقد التأثير على ميدانٍ تَحْكمه دينامياتٌ حربية موصولة بالمشهد الإقليمي الذي يراوح بين سيناريوين في المدى القريب، ضربة أميركية غير قاضية على إيران تمهّد لإعلان انتصار «تحقيق الأهداف الإستراتيجية» فانسحابٍ من «الجبهة المعلّقة»، أو عملية تحت شعار إسقاط النظام في طهران يحبذها بنيامين نتنياهو.
وفي الوقت الذي كان الجانب اللبناني يصرّ في تامبا على رفْض إقامة غرفة عمليات مباشرة مع الجيش الإسرائيلي من ضمن آلية التحقق المنصوص عليها في «الاتفاق الإطار» الثلاثي لأن هذا يعني عملياً جعْل تل أبيب «رقيباً بقبعتين»، واحدة مصلتة على الجيش اللبناني وأدائه في «التجريبية» وأخرى بمثابة «رقابة ذاتية» على انسحابها ومستلزماته، فإنّ مجمل مسار التفاوض بدا مجدداً أمام تحدّي «انفصاله عن الواقع» حيث مفاتيح أي حرب جديدة أو سِلْمٍ منشود مازالت في يد حزب الله الذي يجاهر برفْض كل عملية التفاوض وتسليم سلاحه، ومن خلفه طهران التي تستعدّ على كل جبهات محورها لمعركة «وبعدي الطوفان» في حال استشعرت بأنّ ثمة قراراً بالذهاب نحو «الاصطدام الأخير».
وعلى أهمية مفاوضات لبنان – إسرائيل التي ترعاها الولايات المتحدة لجهة تجهيز الأرضية الدبلوماسية – السياسية لـ «اليوم التالي» للحرب، عبر آلياتٍ حاكمة لملف الانسحاب وسحب السلاح، إلا أن السلبية التي طبعتْ اليوم الأول من محادثات تامبا وخيّمت على يومها الثاني زاد من وطأتها أن أسبابها ولا سيما الاتهامات الإسرائيلية للجيش اللبناني بالتعاون مع حزب الله اعتُبرت أبعد من مجرد رغبة في تقويض صورته على الطاولة بل أقرب إلى «ربط نزاع» مع ما قد يكون على صعيد جبهة الجنوب وتحميل بيروت مسؤولية ما يمكن أن تنزلق إليه في حال تجرأ الحزب على الالتحاق بأي مواجهةٍ على جبهة إيران.
«البنية التحتية لحزب الله»
ولم يكن عادياً أن يوجّه وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس لليوم الثاني على التوالي تهديدات للبنان وحزب الله، حيث أعلن «أننا سنستهدف البنية التحتية لحزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت إذا انضم لإيران في أي هجوم ضدنا، وهو سيتلقى أشد الضربات»، لافتاً إلى أن الأمين العام للحزب الشيخ «نعيم قاسم سيقضي على المجتمع الشيعي في لبنان مثلما سبق ودمّره (السيد حسن) نصرالله»، وجازماً بأن «قواتنا لن تنسحب من المناطق الأمنية في لبنان وسوريا».
وتَرافق ذلك مع فيديوهات تداولتها وسائل إعلام لبنانية لجنود إسرائيليين توجهوا وفق نظام تبديل المجموعات إلى منزل في بلدة زوطر الشرقية في قضاء النبطية بعد تحويله إلى مركز اقتراع للإدلاء بأصواتهم في اقتراع مبكر ضمن الانتخابات العامة المقررة الثلاثاء المقبل.
وفي موازاة ذلك، كانت مفاوضات تامبا العسكرية التي تُجرى في مقر «القيادة المركزية الأميركية» ويحضرها عن الجانب اللبناني رئيس الوفد السفير السابق سيمون كرم والسفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حماده معوض ووفد رفيع من الضباط، تراوح في دائرة من التعقيداتِ بدا معها أن أقصى ما يُتوقع منها إنجازُ «الرسم التشبيهي» الكامل لآلية التحقق داخل المناطق التجريبية وعضوية الدول فيها، فيما اعتُبر أن توسيع هذه المناطق بمزيد من الانسحابات الإسرائيلية من داخل المنطقة الأمنية، وفق ما يطرحه لبنان ويريده لتعزيز أوراق الدولة بوجه حزب الله وضغوطه عليها تحت عنوان «عدم جدوى الدبلوماسية»، بات يقابله هدف الحد الأدنى وهو عدم توسُّع الاحتلال في اتجاه مدينة النبطية ومرتفعات إقليم التفاح وجزين، بانتظار تبيان الخيط الأبيض من الأسود في مسار جبهة إيران.
وقبيل انعقاد جولة تامبا في يومها الثاني، تحدثت معلومات عن أن مقياس حصول أي تقدُّم فيها «يمحو» سلبية يومها الأول سيكون تمديد المفاوضات العسكرية حتى الخميس، وسط مزيد من التسريبات عما رافق محادثات الثلاثاء، الصعبة وتحديداً حول أداء الجيش اللبناني وآلية التحقق.
وبحسب قناة «الجديد» فإنّ الجيشَ اللبناني ردّ في جولة الثلاثاء على الفيديو الذي زوّد به الوفدُ الإسرائيلي المُجْتَمِعين واتهّم فيه المؤسسة العسكرية اللبنانية بالتعاون مع حزب الله في ما خص منشأة كفرا، موضحاً أن العمل في الموقع بدأ في ديسمبر 2025 ولكنه أوقف المهمة في مارس 2026 بناء على طلب لجنة الإشراف على تطبيق اتفاق وقف النار (27 نوفمبر 2024 – الميكانيزم) بعد تهديدات إسرائيلية باستهداف الموقع، وأن رئيس الوفد التابع للجيش اللبناني قال إنه طالب باستئناف العمل مراراً وأنه أنجز المهمة في 17 أكتوبر 2026».
ووفق مراسل «الجديد» في واشنطن، فإن خلافاً برز حول طلب إسرائيل إنشاء غرفة عمليات مباشرة مع الجيش اللبناني للتحقق من الوضع داخل المنطقة التجريبية الحالية، لكن لبنان تحفّظ ما أثار غضب تل أبيب والولايات المتحدة «وسمع الطرف اللبناني من الأميركيين أن صبر إدارة الرئيس دونالد ترامب بدأ ينفذ في هذا الموضوع».
وتحدثت معطيات عن أن جولة الأربعاء شهدت إصراراً أميركيا على إنشاء لجنة ثنائية بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي ولكن الوفد اللبناني جدد رفضه هذا الطرح.
غوتيريش
وفي الوقت الذي كان ملف سلاح «حزب الله» يُبحث في جلسة المشاورات المغلقة التي عقدها مجلس الأمن الدولي لمناقشة تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في شأن تنفيذ القرار 1559، وسط توقعات بأن تكون أثيرت قضية البدائل المحتملة للحلول مكان قوة «اليونيفيل» التي تنتهي ولايتها آخر السنة، والتي باتت تتشابك مع آلية التحقق داخل «المناطق التجريبية»، فإنّ قضية شحنة متفجرات الحزب بقيت تتوهّج داخلياً وسط مخاوف من مزيد من التأجج في حال مرّت المطالبة بإحالتها على المجلس العدلي في جلسة الحكومة اليوم.
وإذ ترتبط مثل هذه الإحالة بأبعاد ليس أقلها الارتقاء بالملاحقة القضائية إلى أعلى مستوى على الإطلاق، وما يترتب على ذلك من فتْح الباب على احتمالات واسعة، ومن بينها حلّ «حزب الله» كما سبق أن حصل في تجارب سابقة في حال تبيّن أن هدف المتفجرات الاغتيالات وأن القرار في ذلك اتُّخذ على مستوى القيادة، فإنّ ثمة رصداً لِما كانت هذه الإحالة ستحصل، وهل سيمضي المستوى السياسي الرسمي نحو «حرق المراكب» مع الحزب المتحفّز لمواجهة داخلية، ولو أن خوضها في 2026 له حسابات مختلفة تماماً عنها في مرحلة ما قبل 2024، وأين سيقف رئيس البرلمان نبيه بري من مثل هذا التطور الذي يمكن أن يحرجه أمام البيئة الشيعية.
وفي هذا السياق برز ما نُقل عن بري من أن صحته جيدة، لكنه أعرب عن قلقه حيال الوضع العام في البلاد، قائلاً: «صحتي منيحة بس صحة البلد مش منيحة».
وفي حديث إلى «صوت كل لبنان» ورداً على الجلسة الحكومية وتوقُّع أن يطالب عدد من الوزراء بإحالة قضية المتفجرات على المجلس العدلي، شدد بري على المشاركة في الجلسة. وعند سؤاله عن إمكان الانسحاب لدى طرح الموضوع، أجاب:«لن ننسحب»، مشيراً إلى وجود قانون ينظّم إحالة الملفات على المجلس العدلي، ومؤكداً ضرورة التعامل مع القضية في إطارها القانوني.
«الجيش خط أحمر»
وفي ما يتعلق بدور الجيش اللبناني والمهام الموكلة إليه في الجنوب، شدّد على أن «الجيش خط أحمر»، مؤكداً: «نحن مع الجيش»، وذلك رداً على سؤال حول الخوف من احتمال حصول صدام في حال اتخاذ قرار بتنفيذ المهام المطلوبة منه جنوباً.
وعلى صعيد العلاقة مع «حزب الله»، لفت برّي إلى أن العلاقة كانت أقرب في أيام الأمين العام السابق للحزب حسن نصرالله، مشدداً على مبدأ عدم وجود أخ أكبر ولا أخ أصغر.
وكانت «فرانس برس»، أوردت أن مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، القاضي كلود غانم، أصدر مذكرتَي إحضار بحق «ساجد» و«ذو الفقار»، وتكليف الأجهزة الأمنية تحديد مكانهما وسوقهما إلى التحقيق بأسرع وقت، وهما مَن أعلن ناقلا شحنة المتفجرات (مئات الكيلوغرامات من السي 4 وأخواتها) أن الأول طلب منهما اقتيادها من بعلبك الى الضاحية الجنوبية وأن الثاني كان يفترض أن يتسلّمها.
السفير السعودي: المملكة تقف إلى جانب لبنان
– ثمّن أمام سلام «جهود حكومته للحفاظ على الدولة ومؤسساتها»
أكد السفير السعودي في بيروت فهد بن عبدالرحمن الدوسري «وقوف المملكة إلى جانب لبنان»، مثمّناً «الجهود التي تبذلها الحكومة اللبنانية للحفاظ على الدولة ومؤسساتها الوطنية».
وزار الدوسري رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ناقلاً إليه تحيات ولي العهد السعودي رئيس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز.
وتم خلال اللقاء البحث في العلاقات الثنائية وسبل تعزيز التعاون بين البلدين الشقيقين.
وأكد الرئيس سلام «وقوف لبنان إلى جانب المملكة العربية السعودية ودعمه للجهود التي تبذلها لحماية أراضيها ومواطنيها».
كما تناول البحث الخطوات العملية لتفعيل اللجنة السعودية اللبنانية المشتركة، استكمالاً لما جرى الاتفاق عليه خلال لقاء الرئيس سلام ووزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في نيويورك الشهر الماضي، بهدف تعزيز التعاون والتنسيق بين البلدين في مختلف المجالات.
