مفاوضات فلوريدا تُبْعِد شبح مفاجآت إسرائيل فماذا عن «حزب الله»؟


هدّأ إعلانُ الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون، أن المفاوضات العسكرية مع إسرائيل برعاية أميركية ستُعقد الثلاثاء (20 أكتوبر) في تامبا (فلوريدا) المخاوفَ التي سادت بيروت من أن تستبق تل أبيب موعد انتخابات الكنيست في 27 الجاري بتصعيدٍ كبير ضدّ «حزب الله»، ولكن من دون أن يشكّل التثبيتُ المفاجئ لموعدِ الجولة الثامنة من المحادثاتِ المباشرة التي تغيب عنها الوفود السياسية ضمانةً بأن لا ينزلق لبنان إلى عينِ إعصار نار جديد في حال انفجرتْ جبهةُ إيران على نحو يَشي بأنها «المعركة الأخيرة»، باعتبار أن حزب الله – طهران يملكان «حصرية القرار» في الحرب وتالياً مفاتيح السِلْم «القابل للحياة» والعالق عند نجاح الدولة في تنفيذ قرار حصر السلاح بيدها.

روبيو وعون

وجاء تأكيدُ موعد جولة تامبا التفاوضية بعد يومين من الاتصال الذي أجراه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بالرئيس عون مساء الخميس، وتناول قضيةَ شحنة متفجّراتِ «حزب الله» التي ضُبطت قبل أسبوعين في طريقها من بعلبك الى الضاحية الجنوبية لبيروت، كما الإخبار الذي جرى تقديمُه من أحد المحامين بحق سفيرة لبنان لدى واشنطن ندى حمادة معوض، العضو الرئيسي في فريق التفاوض مع تل أبيب، مستفيداً من قانون مقاطعة إسرائيل (1955) الذي طالبتْ واشنطن بإلغائه.

وعشية جولة المفاوضات العسكرية، بدا من الصعب تَوَقُّع أن تخرج باختراقٍ في مسألتيْ انتزاع لبنان جدولاً زمنياً بالانسحاب الإسرائيلي أو توسيعاً لـ «المناطق التجريبية» لتشمل نقاطاً داخل «الخط الأصفر»، أو إقراراً لآلية التحقّق التي يُراد أن تكون النظام التشغيلي لهدفيْ الانسحاب وسحْبِ السلاح والتي تتطلب إضافةً الى التوافق على أطرافها متعددي الجنسية وحدود صلاحياتها وتفويضها، زوال أي ضبابية في ما خصّ توحيد تعريف حصْر السلاح وجغرافيته.

وفي حين أعلن عون أمام وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، والوزيرة المنتدبة لدى وزيرة الجيوش أليس روفو، «إن الوفد اللبناني العسكري سيشارك في الاجتماع الثلاثي في تامبا في 20 أكتوبر لوضع المطالب اللبنانية بوقف التصعيد الإسرائيلي على الطاولة، على أمل تحقيق نتائج تنسجم مع اتفاق الإطار» (الموقَّع بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في 26 يونيو)، فإن موقف الرئيس اللبناني شكّل مرآة للتوقّعات المنخفضة في ما خص خلاصات هذه الجولة، وسط تقديراتٍ بأن أقصى ما يمكن أن تفضي إليه تعهدات بتسريع عملية إطلاق الأسرى لدى تل أبيب وترسيمٍ «وَرَقي» لمنطقة تجريبية ثانية قابلة للاعتماد (ثمة اقتراحات بأن تكون في محيط تلة علي الطاهر وقلعة الشقيف) وبلورةٍ أعمق لآليةِ التحقق ومفرداتها.

«شحنة الـ سي 4 وأخواتها»

ففي تقدير أوساط سياسية أن تل أبيب التي تعيش عَدّاً عكسياً لانتخاباتها لن تكون في وارد تقديم أي صورةٍ تَراجُعية أمام لبنان، وهي إذ تراعي رغبةَ واشنطن في ألا تصعّد على جبهةِ الجنوب وتزيد من إحراج الدولة اللبنانية التي يعمّق «حزب الله» متاعبَها في الداخل بعد أن بدأت تترجم قرار احتواء سلاحه شمال الليطاني ومصادرته حين يُضْبَطُ، كما حصل مع «شحنة الـ سي 4 وأخواتها»، إلا أنها أي إسرائيل ليست مستعدّة لأي خطواتٍ تبدّل من إستراتيجيتها القائمة على رَبْطِ الانسحاب من المنطقة الأمنية بسحْب سلاح حزب الله من كل لبنان، أقله قبل أن تُظْهِر حكومة الرئيس نواف سلام رغبة في القيام بذلك ثم قدرة على ذلك.

ولم يكن عابراً اليوم الأحد، على وقع تقارير إسرائيلية عن رفع الجاهزية العسكرية على الحدود الشمالية، أن يعلن نتنياهو الذي تلقّى دَعْماً كبيراً في انتخاباته من الرئيس دونالد ترامب، انه لا يثق بقدرة الحكومة اللبنانية على نزع سلاح حزب الله، مؤكداً أن القوات الإسرائيلية ستواصل البقاء في المنطقة الأمنية جنوب لبنان، ما لم يتم نزع سلاح الحزب وتفكيك قدراته العسكرية.

وقال نتنياهو، في مقابلة إذاعية، إن إسرائيل ستواصل الاحتفاظ بوجودها العسكري في المنطقة الأمنية ما دام حزب الله يحتفظ بسلاحه، مشدداً على أن إسرائيل ستستمر بتنفيذ عمليات ضد الحزب «كلما اقتضت الحاجة»، ومشيرا إلى أن هدفها النهائي يتمثل في القضاء عليه.

وإذ رسّم نتنياهو بوضوحٍ حدود جولة تامبا ومفهومه لسحْب السلاح من كل لبنان، وسط الحاجةِ لموقف من واشنطن «لمرة واحدة وأخيرة» يحدّد المقصود بتأكيدها وجوب «نزع سلاح حزب الله أولاً قبل الحصول على أموال إعادة الإعمار» وهل تميّز بين جنوب الليطاني وشماله (حيث يوجد السلاح الإستراتيجي والمسيّرات)، فإنّ الأوساط السياسية تَرى أنّ الولايات المتحدة استفادتْ للضغط على اسرائيل لعقد مفاوضات الثلاثاء – بعدما كانت تل أبيب أبدت عدم حماسة لها قبل انتخابات الكنيست – من ضَبْطِ القوى الأمنية اللبنانية شحنةَ متفجّرات الحزب ورفض الحكومة إعادتها له وتعهُّدها بمحاسبة كل المسؤولين عنها. علماً أن بيروت ظهّرت هذه العملية ضمناً على أنها أول تطبيقٍ لمَسار احتواءِ السلاح شمال الليطاني الذي كانت نَصّتْ عليه قرارات حكومة سلام في ما خصّ حَصْر السلاح بيدها على مراحلَ (بدءاً من جنوب الليطاني) قبل أن تطيح بها حربُ إسناد إيران.

«أمَر ومَوّل ووجّه الشحنة»

وفي الوقت الذي تتمسّك واشنطن بمحاسبة مَن «أمَر ومَوّل ووجّه الشحنة»، فإنّ «حزب الله» لم يتأخّر مرة جديدة في تقويض مساعي الدولة اللبنانية لحشر اسرائيل على طاولة التفاوض عبر إزالةِ أي غبارٍ عن إصراره على معاودة تكوين مخزونه العسكري في الجنوب بمواجهةِ تل أبيب، موجهاً تالياً رسالة بأنّ كل مَسار التفاوض وتعهّدات الدولةِ في ما خصّ ترسانته بما في ذلك جنوباً ليست إلا «حبراً على ورق»، وصولاً لتحضيره «المَسرح» لمواجهةٍ مع الدولة في حال اختارتْ المساءلة القانونية «الهَرمية»، الأمر الذي يؤشر إلى أن الحزب يصرّ إلى جانب التمسّك بترسانته على إبقاء أدوات «الربط» مع جبهة إيران التي تتراكم المؤشرات إلى أن انفجارها ربما لن يكون بعيداً.

وإذ برز اليوم الأحد، ما نُقل عن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من «أن لدينا اختلافات كبيرة في وجهات النظر مع الحكومة اللبنانية الحالية بشأن كيفية معالجة القضايا في لبنان»، صعّد نائب «حزب الله» حسن فضل الله في ملف شحنة المتفجرات وسأل «بعض أهل السلطة» في لبنان «لماذا تأخذون البلد، بناءً على ضغط أميركي، وتحديداً من وزير الخارجية الأميركي، إلى مواجهة داخلية؟ مَن المستفيد منها؟ فهل تفيد العهد والحكومة؟ وهل يفيدها توتير البلد واستفزاز الناس بهذه الطريقة؟ ولماذا هناك إصرار على توفير أسباب المواجهة الداخلية؟»، معتبراً «نحن لا نواجه الدولة وقراراتها، بل هناك بعض أهل السلطة الذين يخضعون لوصاية خارجية أميركية وينفّذون طلباتها (…) ومن الطبيعي أن تنقل المقاومة سلاحاً وأن يصل إلى الجبهة، أما كيف تنقله وبأي طريق، فهذا له إجراءاته الخاصة، وإلا كيف تحضّر المقاومة نفسها وتجهّز قدراتها؟ وكيف ستقاتل هذا العدو؟ فهل تقاتله بأكياس البطاطا؟».

وختم: «الأمور في لبنان لن تبقى على ما هي، والمعادلة في لبنان ستتغير، ولن تبقى هذه السلطة على ما هي عليه، نحن نصبر ونتحمّل، لكن الأمور ستتغير، لذلك نصيحتنا لهم أن يهدأوا قليلاً، وألّا يربط أحد منهم مصيره بمصير هذه السلطة».

وفي المقابل، حرص سلام وبعد العراضة الأمنية لحزب الله في بيروت مساء الجمعة، على خلفية ملف الشحنة ومحاولته توجيه «إنذار» للدولة من مغبة المضي بمسار المساءلة «العمودية» وفق سلسلة القيادة، على تأكيد أن لا سقف للملاحقات في هذه القضية.

وقد أعلن رئيس الحكومة أنه اتصل بكل من قائد الجيش العماد رودولف هيكل وقائد قوى الأمن الداخلي اللواء رائد عبد الله مثنياً «على تعزيز انتشار القوات المسلحة في بيروت الكبرى خلال اليومين الماضيين، وعلى أهمية ذلك في بعث الاطمئنان في نفوس المواطنين بأن الدولة وقواها المسلحة ساهرة على أمنهم وسلامتهم بعدما شهدته العاصمة من تجمعات ليلية أثارت الريبة والقلق لديهم من مخاطر ما قد ينتج عنها».

وقال: «لا حاجة للتأكيد ان الاستقرار لن يستتب في البلاد ما لم يتم بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، ولو تدريجاً، بقواها الذاتية حصراً. وكذلك اجتمعتُ بوزير العدل عادل نصار ومدعي عام التمييز رامي الحاج لمتابعة الإجراءات المتخذة للتوسع في التحقيق بشحنة المتفجرات التي ضبطت في ضهر البيدر وما تلاها، وتوقيف كل المتورطين في حيازة ونقل أي سلاح خارج عن الشرعية وإحالتهم الى القضاء المختص لينالوا عقابهم. ولا سقف في ذلك عندنا إلا سقف القانون».

وفي موقف اعتُبر مؤشراً إلى ما تتبلّغه بيروت من أصدقائها الغربيين والعرب من وجوب عدم إعطاء إسرائيل ذريعة لاستئناف الحرب مع على جبهة لبنان حتم سلام: «أنتهز هذه الفرصة لدعوة الجميع الى ضرورة إعلاء مصلحة البلاد على أي اعتبار آخَر، وعدم ربطه بأي مصالح واهداف خارجية، وأعيد التشديد على ان قرار الحرب والسلام يجب أن يبقى بيد الدولة ومؤسساتها الدستورية وحدها».

قوة «اليونيفيل»

وفيما كان وزير الخارجية الفرنسي والوزيرة المنتدبة لدى وزيرة الجيوش يواصلان لقاءتهما في بيروت حيث سمعا من الرئيس نبيه بري والرئيس نواف سلام تمسك لبنان بالتمديد لقوة «اليونيفيل» التي تنتهي مهمتها آخر السنة، أو «الاستمرار في مهامها الأمنية خلال عام 2027 المحدّد لانسحابها، وإذا تعذر ذلك فإن لبنان يرحب بأي صيغة تضمن وجوداً دولياً في الجنوب لمنع حصول الفراغ عند انسحاب اليونيفيل وبالتالي جعل الجيش اللبناني على تماس مع الجيش الإسرائيلي في المناطق المحتلة»، كما كان أكد الرئيس عون.

وإذ أكد سلام وعون ضرورة وقف الاعتداءات الاسرائيلية وتعزيز قدرات الجيش اللبناني لتمكينه من الاضطلاع بمهامه في بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، شدد بري على «أن الجهد الوطني والدولي يجب أن يتوحد ويتكامل من أجل وقف العدوان وإلزام إسرائيل بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية وفي مقدمتها القرار 1701 وليس الإطاحة به».

وفي موازاة ذلك، بدأ الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي زيارة لبيروت يلتقي خلالها كبار المسؤولين والقيادات السياسية للتشاور بشأن أبرز التطورات الإقليمية والقضايا ذات الاهتمام المشترك وسبل حفظ الاستقرار في لبنان.

رجي طالب إيران وأذرعها بوقف اعتداءاتها على دول مجلس التعاون الخليجي والأردن

– طلب من طهران «وقف إمداد حزب الله بالأسلحة والأموال»

وجّه وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، نداءً إلى إيران والأذرع التابعة لها داعياً إياها إلى «وقف اعتداءاتها على دول مجلس التعاون الخليجي والأردن»، ومجدّداً تضامن لبنان الكامل مع هذه الدول و«تمسّكه بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2817، الذي يدعو إلى الوقف الفوري لهذه الاعتداءات»، ومشدداً على رفض أي قيود على حرية المرور العابر في المضائق المائية الدولية، ولا سيما مضيقي هرمز وباب المندب.

وخلال مشاركته في أعمال الدورة الثانية والخمسين لمجلس وزراء خارجية الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، المنعقدة في العراق، تطرق رجي الى ملف السلاح وقال: «إن الحكومة اتّخذت في اغسطس 2025 قراراً حاسماً بحصر السلاح بالأجهزة الأمنيّة الشرعيّة وحدها، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتيّة حصراً، ايمانا منها بأنّه لا سيادة مع ازدواجيّة السلاح، ولا استقرار مع قرار منفلت خارج مؤسّسات الدولة، ولا تنمية مستدامة إلّا في ظلّ دولة قويّة وقادرة». وأضاف: «رغم التحذيرات المتكررة من مخاطر زجّ لبنان في حروب عبثية، أقدم حزب الله على جرّه إلى حربين مدمرتين مع إسرائيل، في اكتوبر 2023 ومارس 2026».

وتوقف عند الحرب «الشعواء» التي شنتها إسرائيل والتي أدّت إلى احتلال أجزاء واسعة من الأراضي اللبنانيّة، فجدد ادانة اعتداءاتها المتلاحقة على سيادة لبنان ووحدة أراضيه، واعتبر أن هذه الانتهاكات تشكّل خرقاً لأحكام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني. وطالب في الوقت نفسه إيران «بوقف تدخّلاتها في الشؤون الداخليّة اللبنانيّة، وتحدّياتها لقرارات الحكومة اللبنانيّة، ووقف إمداد حزب الله بالأسلحة والأموال».

وجدد التمسك بالقرار 1701 الذي قال إنه يظل الإطار الأوسع للتعامل مع متطلّبات المرحلة، إلى جانب إعلان وقف الأعمال العدائيّة لعام 2024، واتفاقِ الهدنة لعام 1949، فضلاً عن مبادرةِ السلام العربيّة لعام 2002.

وانطلاقاً من قناعة الحكومة بأهمية الحوار والحلول الديبلوماسية، أشار في ختام كلمته إلى إطار العمل الثلاثي الذي تم التوصل إليه مع الولايات المتحدة وإسرائيل، مؤكداً أن «من شأنه أن يؤدي إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل من لبنان، وعودة النازحين إلى قراهم، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، واستعادة الأسرى، فضلاً عن نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة، وحصر السلاح بالأجهزة اللبنانية الشرعية وحدها، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية حصراً».





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *