المفارقة أصبحت واحدة من أهم حقائق الصراعات العسكرية الحديثة. فالتفوق البحري لم يعد يعني بالضرورة القدرة على فرض السيطرة الكاملة على البحر… وفي المقابل، امتلاك أسطول أصغر لا يعني العجز عن التأثير في حسابات قوة أكبر. ومع انتشار الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيره والألغام والزوارق السريعة والغواصات الصغيرة، أصبحت هناك قدرة متزايدة على حرمان الخصم من حرية الحركة ورفع تكلفة عملياته من دون الدخول معه في مواجهة بحرية تقليدية.
هذه هي التحوّلات التي تكشفها تجارب البحر الأسود والخليج، وإن كانت لكل حالة ظروفها المختلفة. ففي الحرب الروسية – الأوكرانية لم تكن أوكرانيا تمتلك أسطولاً تقليدياً يوازي الأسطول الروسي، لكنها لجأت إلى الصواريخ والمسيرات البحرية والعمليات الخاصة والمعلومات الاستخباراتية لتقليص حرية حركة الأسطول الروسي وإجباره على إعادة حساباته، وهنا ظهر مفهوم مهم في الحروب الحديثة، ليس ضرورياً أن تسيطر على البحر حتى تمنع خصمك من استخدامه البحرية.
لكن هذه التطورات لا تعني بأي حال تمجيد التجربة الأوكرانية أو اعتبار الهجمات البحرية إنجازاً بحد ذاته، فالحرب الروسية – الأوكرانية خلّفت تداعيات إنسانية واقتصادية واسعة، واستهداف المنشآت والسفن والمصالح المدنية يظل خطراً على الأمن الإقليمي والدولي بغض النظر عن الطرف الذي ينفّذه.
وفي الخليج تتخذ المعادلة شكلاً أكثر حساسية، فقد طورت إيران على مدى عقود قدرات بحرية تعتمد على الصواريخ الساحلية والزوارق السريعة والألغام والطائرات المسيرة والغواصات الصغيرة، مستفيدة من طبيعة الخليج ومضيق هرمز. ولا تستهدف هذه القدرات منافسة البحرية الأميركية في حجم الأسطول وإنما تقوم بدرجة كبيرة على جعل أي مواجهة مكلفة ومعقدة ورفع مخاطر حركة السفن والقوات المعادية.
وهذا ما يصفه مفهوم «الحرمان البحري» أن تمنع القوة الأكبر من الاستفادة الكاملة من تفوقها بدلاً من محاولة هزيمتها في معركة مفتوحة.
لكن هذه الإستراتيجية الإيرانية لا تعني تفوقاً بحرياً تقليدياً ولا تبرر تهديد الملاحة الدولية أو استخدام مضيق هرمز وسيلة للضغط السياسي والعسكري، فتهديد السفن والممرات البحرية لا يضر بالخصوم وحدهم بل يهدد استقرار المنطقة واقتصادها وفي مقدمة المتضررين، دول الخليج.
وهنا تكمن خصوصية الخليج، فمضيق هرمز ليس مجرد مسرح للمواجهة وإنما شريان رئيسي لحركة الطاقة والتجارة العالمية، لذلك فإن أمن الخليج في ظل معادلة البحر الجديدة يحتاج إلى رؤية تتجاوز الاستعداد العسكري التقليدي، فدول مجلس التعاون مطالبة بتعزيز قدراتها في المراقبة والإنذار المبكر وحماية المنشآت والموانئ والمنشآت النفطية والتعامل مع تهديدات المسيرات والألغام والصواريخ إلى جانب تعزيز التعاون الخليجي والشراكات الدولية لحماية حرية الملاحة.
في المقابل يبقى خفض التصعيد والحوار الإقليمي جزءاً أساسياً من الأمن البحري، فالقوة الدفاعية مهمة لحماية المصالح، لكنها لا تكفي وحدها إذا تحولت مياه الخليج إلى ساحة مواجهة دائمة، وكلما ارتفع مستوى التوتر العسكري، ارتفعت احتمالات سوء التقدير وأصبح الاقتصاد والتجارة والطاقة عرضة للصدمات.
كما أن التعامل مع الهجمات البحرية يجب أن يخضع لمعيار واحد، فكما تُدان الهجمات الروسية التي تهدد الأمن والاستقرار يجب أيضاً إدانة الهجمات الأوكرانية التي تستهدف الملاحة والمصالح المدنية، وكذلك التهديدات والهجمات الإيرانية التي تعرّض حركة الملاحة الدولية للخطر… المبدأ يجب أن يكون حماية الملاحة ورفض استهداف المدنيين والمنشآت التجارية بصرف النظر عن هوية الطرف المنفذ.
إن التجربتين الإيرانية والأوكرانية تكشفان عن تحول أوسع في طبيعة القوة البحرية. فحاملات الطائرات والمدمرات والغواصات ستظل عناصر أساسية للقوة العسكرية لكن الصواريخ والمسيرات والألغام والأنظمة غير المأهولة أعادت توزيع جزء من القدرة على التأثير في البحر.
وبذلك لم يعد السؤال فقط مَنْ يمتلك الأسطول الأقوى؟ بل أصبح: مَنْ يستطيع أن يمنع خصمه من تحقيق أهدافه بأقل تكلفة؟
وهذه هي معادلة البحر الجديد، الانتقال من السيطرة الكاملة على البحر إلى القدرة على حرمان الخصم منه ومن الانتصار في المعركة إلى استنزاف قدرة الخصم على تحقيق أهدافه.
وبالنسبة إلى الخليج، فإن التحدي الأكبر ليس الدخول في هذه المعادلة وإنما منع تحويلها إلى واقع دائم في مياهه، فاستقرار الملاحة والطاقة والتجارة، مصلحة خليجية ودولية مشتركة وحماية هذه المصالح تتطلب قوة دفاعية موثوقة وتنسيقاً خليجياً فعّالاً وشراكات دولية ودبلوماسية قادرة على منع التصعيد قبل أن يتحوّل البحر إلى ساحة استنزاف مفتوحة.
ففي معادلة البحر الجديد لا تكمن القوة الحقيقية في القدرة على إغراق سفن الخصم فقط أو تحطيمها بل في القدرة على حماية البحر من أن يتحوّل إلى سلاح ضد أمن الدول واقتصاداتها واستقرارها.
