إلى جانب التأرجح بين مساري الدبلوماسية والضربات العسكرية، إيرانياً، فقد حظي الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أيضاً، بلحظة ارتياح. فقد أعلن عن التوصل إلى اتفاق بين مجلس السلام الدولي وحركة «حماس»، يقضي بانسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة على مراحل، بالتوازي مع استكمال عملية نزع سلاح التنظيمات الفلسطينية، وفق تحليل لصحيفة «هارتس».
وجاءت هذه الصيغة بعد مفاوضات استمرت أسابيع طويلة في القاهرة، قادتها الدول الثلاث الوسيطة: مصر وقطر وتركيا، التي مارست ضغوطاً كبيرة على قيادة «حماس» داخل القطاع وخارجه.
وستبذل الإدارة الأميركية الآن جهداً كبيراً لتسويق الاتفاق، المتوقع توقيعه رسمياً خلال أيام، باعتباره إنجازاً بارزاً في السياسة الخارجية لترامب.
«أمر واقع»
أما الحكومة الإسرائيلية، فلها مصلحة في ذلك لأسباب مختلفة. ويبدو أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، اضطر إلى القبول بالأمر الواقع، وربما كان ذلك شرطاً مسبقاً لزيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة. فقبيل مغادرته، اضطر المجلس الوزاري الأمني والسياسي إلى المصادقة على دخول أعضاء حكومة التكنوقراط وقوة الاستقرار الدولية إلى غزة. ومن وجهة النظر الإسرائيلية، توجد ثغرات في الاتفاق قد تؤدي إلى إفشاله، إلا أن نتنياهو، لا يستطيع في هذه المرحلة المخاطرة بإغضاب ترامب.
من حيث المبدأ، يشكل الاتفاق في غزة خطوة في الاتجاه الصحيح، تماماً كما كان الاتفاق الإسرائيلي – اللبناني الذي وُقع في نهاية يونيو، رغم أن مستقبله أيضاً لايزال غامضاً. وكان بالإمكان التوصل إلى هذا الاتفاق، أو إلى صيغة أفضل منه، في مرحلة أبكر بكثير، لكن نتنياهو، امتنع عن ذلك طوال أشهر؛ ففي البداية رفض أي دور للسلطة الفلسطينية في غزة، ثم تجنب اتخاذ خطوات لتنفيذ خطة النقاط العشرين التي عرضها ترامب، في أكتوبر الماضي، كما أن «حماس» من جهتها لم تعمل على تنفيذها. وحتى الآن، كان الإنجاز الرئيسي لتلك الخطة هو إتمام صفقات تبادل الأسرى.
«حماس»… والوقت
أما الاتفاق الحالي، فهو جزء من خطة النقاط الـ 15 التي وضعها نيكولاي ملادينوف، رئيس مجلس السلام، والتي تتضمن آلية أكثر تفصيلاً وعملية لتنفيذ خطة ترامب.
ويبدو أن «حماس» وافقت على الخطة أساساً لأنها تمنحها الوقت. فالأوضاع المعيشية في القطاع بالغة الصعوبة، والجيش الإسرائيلي يسيطر على نحو 60 % من الأراضي، ويواصل اغتيال قادة الجناح العسكري كل بضعة أيام.
كما أن القيادة المحلية المعروفة داخل غزة تكاد تكون غائبة، وانتقل مركز الثقل إلى قيادة الخارج، وعلى رأسها الزعيم الجديد خليل الحية. ومن شأن الاتفاق أن يخفف الضغط العسكري المباشر عن حماس ويمنحها أفقاً سياسياً، رغم أنه لا يمكن الجزم بأنها ستلتزم بشروطه عند بدء التنفيذ.
وكالعادة، تكمن المشكلة في التفاصيل. فإسرائيل تطالب بتسليم الأسلحة الخفيفة (البنادق) والثقيلة (الصواريخ)، ومواصلة تدمير الأنفاق، كما تشترط استكمال نزع السلاح قبل الانسحاب الكامل من القطاع.
في المقابل، ورغم أن «حماس» تلتزم الصمت نسبياً منذ الإعلان عن التقدم في المفاوضات، فإنها تؤكد أنها وافقت فقط على إيداع الأسلحة لدى حكومة التكنوقراط، وليس تسليمها لإسرائيل.
وفي الوقت نفسه، لا تضم قوة الاستقرار الدولية حالياً سوى 200 جندي من أوغندا والمغرب، ومن المتوقع أن تنتشر في المرحلة الأولى قرب معبر رفح لتأمين إدخال المساعدات الإنسانية.
إضافة إلى ذلك، تشمل خطة ملادينوف، تفكيك الميليشيات المحلية المعارضة لحماس، وهو ما قد يعرض أفرادها لخطر التصفية على يد الحركة، الأمر الذي قد يدفعهم إلى طلب الحماية أو الإجلاء من إسرائيل.
«أيديولوجية المقاومة»
وقال ميخائيل ميلشتاين، الباحث البارز في مركز دايان بجامعة تل أبيب، لصحيفة «هآرتس»، إنه يشك كثيراً في أن تكون «حماس» قد غيّرت نهجها، أو أصبحت مستعدة للتخلي عن «أيديولوجية المقاومة» وتسليم كامل أسلحتها.
وبرأيه، قد يتعثر تنفيذ الاتفاق تدريجياً. ويرى أن مصر وقطر وتركيا لعبت الدور المركزي في إقناع «حماس»، ويعزو ذلك إلى توجسها، من تهديدات نتنياهو، باحتلال كامل القطاع، ومن سياسة «الأحزمة الأمنية» التي يسعى إلى فرضها أيضا في سوريا وجنوب لبنان.
كما يعتبر أن تصريحات ترامب، وتحركاته الأخيرة قد تدل على تراجع النفوذ الإسرائيلي في واشنطن، وربما تمهد لمطالب أميركية بانسحابات إسرائيلية مماثلة مستقبلاً من سوريا ولبنان.
مسار تصادم مباشر
في السياق، يقدّر مسؤولون إسرائيليون رفيعو المستوى، أنه إذا أصرّت الولايات المتحدة على انسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة قبل نزع حماس سلاحها، «فقد نكون على مسار تصادم مباشر مع واشنطن» وفق ما أوردته القناة 13 العبرية.
ويرون أن «إسرائيل لن تتراجع قيد أنملة قبل أن تنزع حماس سلاحها»، ويقولون إن نتنياهو «على أعتاب الانتخابات ولن يوافق على أي انسحاب من دون نزع سلاح القطاع».
وذكرت هيئة البث الإسرائيلية (كان) أن مجلس السلام يتوقع أن يبدأ تنفيذ وثيقة النقاط الخمس عشرة خلال الأيام القليلة المقبلة.
ووفقاً للاتفاق، الذي ليست إسرائيل طرفاً فيه، وإنما هو وثيقة بين الحركة والوسطاء ومجلس السلام، فإنه خلال الأيام الأربعة عشر التي تُحتسب من تاريخ بدء التنفيذ، ستوقف حماس جميع أنشطتها العسكرية، بما في ذلك التعاظم العسكري وبناء القوة، وبعد ذلك ستبدأ عملية نزع السلاح.
وفي المقابل، سيكون على إسرائيل أيضاً الالتزام بوقف إطلاق النار وفقاً للاتفاق الذي وُقّع في أكتوبر 2025. وبحسب مصادر، فقد سلّمت «حماس» موافقتها على الوثيقة إلى الولايات المتحدة ومصر وقطر وتركيا.
وعلمت «كان» أن البند الثامن، الذي يمهّد الطريق لتحقيق حق الفلسطينيين في تقرير المصير، أثار انتقادات حتى داخل الحركة نفسها. ووفقاً لمصدر مطلع على المناقشات، أرادت حماس أن تنص الصياغة على أن تنفيذ الخطة يشكّل استيفاءً لجميع الشروط اللازمة لإقامة دولة فلسطينية.
وترى جهات أميركية أن من الإنجازات المهمة موافقة «حماس» على بند يقضي بأن تكون اللجنة التكنوقراطية (لجنة البيروقراطيين) في غزة هي الجهة الوحيدة التي تحتفظ بالسلاح.
وقال مسؤول في مجلس السلام لـ«كان»: «نحن لا نطلب من إسرائيل أي شيء لم تكن قد وقّعت عليه بالفعل. فإسرائيل تحصل هنا على فرصة لرؤية «حماس» تنزع سلاحها طوعاً. لا يوجد في هذه الوثيقة أي أمر لا يرد أصلاً في وثيقة النقاط العشرين، ونأمل أن تسير غزة في مسار الازدهار لا الإرهاب».
وأوضح«هذه وثيقة أعدها الوسطاء ومجلس السلام مع حماس. وقد أُخذت تحفظات إسرائيل بعين الاعتبار، وما لم يجد له حلاً في نص الوثيقة نفسها، سيُعالج خلال مرحلة التنفيذ، حيث من المتوقع أن تُستكمل خلال الأسبوعين المقبلين الإجراءات التنفيذية، وآليات التطبيق، والجداول الزمنية».
من جانبه، هاجم وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، مسودة اتفاق مجلس السلام وقال: «هذه المسودة غير مقبولة بالنسبة لإسرائيل، ولن تؤدي إلا إلى تمكين «حماس» من إعادة تنظيم صفوفها».
«الجهة الأقوى»
ويرى رون بن يشاي، المحلل العسكري لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، أن «خريطة الطريق، ستُبقي من خلف الكواليس حماس الجهة الأقوى في القطاع»، ويعتبر أن الخطة «ستكبل يدي الجيش الإسرائيلي».
وأضاف أن «بيان النوايا الغامض من مجلس السلام العالمي يجعل واقع الحركة في قطاع غزة، بالضبط كما هو واقع حزب الله في لبنان، وإن حماس ستحصل على حصانة من الاغتيال، وتحصل على إنجاز في الوعي على شكل مسار للدولة الفلسطينية المستقلة، كل هذا مقابل سلاح دمرته إسرائيل عملياً».
وأكد بن يشاي أن «الخطة تضع الحكومة الإسرائيلية في صورة الجانب الذي يعطي، وحركة حماس في الجانب الرابح».
