
قبل عقود، كان السؤال بسيطاً: هل تستطيع أن تقرأ وتكتب؟ إذا كانت الإجابة «نعم»، خرج صاحبها من دائرة الأمية. أما اليوم، وفي عالم تُنجز فيه أي معاملة حكومية من الهاتف، وتدار الأموال وترسل وتستقبل عبر التطبيقات، وتُستقى الأخبار من المنصات الرقمية، ويدخل الذكاء الاصطناعي إلى الدراسة والعمل، فلم تعُد الإجابة بهذه البساطة.
فبينما يواصل العالم معركته القديمة مع محو الأمية الأبجدية، تتشكل على الجانب الآخر أمية من نوع جديد، قد تصيب شخصاً يعرف القراءة والكتابة، وربما يحمل مؤهلاً دراسياً أيضاً، لكنه لا يمتلك المهارات اللازمة للتعامل بكفاءة وأمان مع العالم الرقمي من حوله.
وهنا يتغيّر السؤال من: «هل تعرف القراءة والكتابة؟» إلى «هل تستطيع أن تقرأ العالم الذي أصبحت التكنولوجيا والرقمنة لغته؟».
وفي الذكرى الستين لإقرار اليوم الدولي لمحو الأمية، الذي يصادف اليوم 8 سبتمبر، يبدو هذا السؤال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، في وقت تؤكد اليونسكو أن القراءة والكتابة وحدهما لم تعودا كافيتين، وأن مفهوم محو الأمية بات يتقاطع أيضاً مع الثقافة الإعلامية والمعلوماتية، في عالم سريع التغير.
96 ألفاً… ماذا يقيس الرقم؟
في الكويت، تكشف أحدث بيانات الهيئة العامة للمعلومات المدنية، كما في 30 يونيو 2026، أن عدد المصنّفين ضمن فئة «أمي» من السكان في الكويت يبلغ 96,147 شخصاً من إجمالي نحو 4.75 مليون نسمة، أي ما يعادل نحو 2.03% من إجمالي السكان. ويبلغ العدد بين الذكور 49,998 شخصاً، مقابل 46,149 بين الإناث.
لكن قراءة الرقم من الداخل تكشف صورة أخرى. فمن بين الكويتيين، يبلغ عدد المصنفين أميين 13,739 شخصاً من أصل نحو 1.24 مليون مواطن بعمر 10 سنوات فأكثر، بما يعادل 1.1%، فيما يرتفع العدد بين غير الكويتيين إلى 82,408 أشخاص من نحو 3.5 مليون، بنسبة 2.35%.
وتظهر البيانات كذلك أن الأمية التقليدية ترتبط بصورة واضحة بالعمر، إذ تضم فئة من تجاوزوا 59 عاماً 32,962 أمياً، فيما تضم الفئة من 25 إلى 59 عاماً 61,955. وفي المقابل، يتراجع العدد إلى 1,036 شخصاً بين 20 و24 عاماً، و125 بين 15 و19 عاماً، و69 فقط بين 10 و14 عاماً.
هذه الأرقام تعكس المسافة التي قطعتها الكويت في مواجهة الأمية التقليدية، بعدما بدأت جهود تعليم الكبار مبكراً، وافتتحت وزارة التربية مراكز لمحو الأمية وتعليم الكبار منذ خمسينيات القرن الماضي، وصولاً إلى صدور قانون محو الأمية عام 1981. بل إن التعريف الرسمي للأمي، وفق قرار وزاري صدر عام 1982، كان محدداً للغاية: الفرد الذي تجاوز الرابعة عشرة ولم يصل في تعلمه إلى مستوى يعادل الصف الرابع الابتدائي، وليس ملتحقاً بالمدارس الابتدائية.
هل ما زال تعريف وُضِع قبل أكثر من 4 عقود قادراً وحده على وصف الأمية في مجتمع 2026؟
في أيامنا هذه، خرجت الأمية من الورقة إلى الشاشة، وهنا تبدأ القصة الجديدة. فالتحول الهائل في طبيعة الحياة والعمل أعاد رسم الحدود بين «المتعلم» و«الأمي». ولم تعد المهارات التي يحتاجها الفرد للمشاركة الكاملة في المجتمع محصورة في فك الحروف وكتابتها وإجراء العمليات الحسابية الأساسية.
فمن لا يستطيع التعامل مع التطبيقات والمنصات الرقمية، أو الوصول إلى المعلومة التي يحتاج إليها، أو تقييم صدقيتها، أو حماية بياناته وحساباته، يجد نفسه أمام عوائق حقيقية في عالم انتقلت أجزاء متزايدة منه إلى الشاشة. والفارق أن الأمية القديمة كانت ظاهرة يمكن التعرف إليها بسهولة، أما الأمية الرقمية فقد تكون صامتة.
قد يحمل صاحبها هاتفاً ذكياً ويستخدم وسائل التواصل يومياً، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنه يمتلك المهارات الرقمية التي تمكنه من استخدام التكنولوجيا بوعي وكفاءة. فامتلاك التكنولوجيا شيء، والقدرة على فهمها واستخدامها شيء آخر.
من «اقرأ واكتب» إلى «افهم وقيّم وتواصل»
هذا التحول لم يأتِ من فراغ. فمفهوم محو الأمية تطور بالتوازي مع تغير المهارات المطلوبة للحياة، ولم يعد الهدف مجرد تمكين الإنسان من قراءة نص، وإنما مساعدته على استخدام المعرفة والمعلومات والتواصل والمشاركة في المجتمع. وفي عالم 2026، تزداد أهمية هذا التحول مع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى التعليم والعمل والإعلام والاقتصاد، ما يضيف طبقة جديدة إلى المسألة. السؤال لم يعد فقط إن كان الفرد يستطيع الوصول إلى المعلومة، وإنما: هل يعرف كيف يسأل عنها؟ وهل يستطيع تقييم الإجابة؟ وهل يميز بين الحقيقة والمعلومة المضللة والمحتوى المصطنع؟. ومن هنا، لا تلغي «الأمية الرقمية» الأمية التقليدية، ولا تجعل القراءة والكتابة أقل أهمية، بل تبني فوقهما طبقة جديدة من المهارات. فالقراءة تظل الأساس، لكن ما يحتاج الإنسان إلى قراءته أصبح أكبر كثيراً من كتاب أو صحيفة.
60 عاماً… والمعركة لم تنتهِ
ويأتي هذا التحول في وقت يحتفل العالم هذا العام بمرور 60 عاماً على إقرار اليوم الدولي لمحو الأمية، بعدما أعلنته اليونسكو عام 1966 خلال الدورة الرابعة عشرة لمؤتمرها العام.
وتقام احتفالات 2026 تحت شعار «محو الأمية تحقيقاً لمصلحة الشعوب والأرض وبناء الازدهار»، فيما تستضيف المكسيك يومي 8 و9 سبتمبر الاحتفال العالمي الذي تنظمه اليونسكو بالتعاون مع الحكومة المكسيكية. وتقول المنظمة إن المناسبة تستهدف، إلى جانب الاحتفاء بما تحقق خلال العقود الماضية، فهم التحديات المستمرة والمستجدة وصياغة أجندة محو الأمية للمستقبل.
ورغم ستة عقود من الجهود، ما زال 739 مليون شاب وبالغ حول العالم يفتقرون إلى مهارات القراءة والكتابة الأساسية وفق أحدث الأرقام التي تعرضها اليونسكو، ما يعني أن المعركة القديمة نفسها لم تُحسم بعد، حتى في الوقت الذي بدأت فيه معركة جديدة على المهارات الرقمية والمعلوماتية.
هل نحتاج إلى إعادة تعريف «الأمي»؟
ربما تكون المفارقة الأبرز في اليوم الدولي لمحو الأمية هذا العام أن النجاح في تقليص الأمية التقليدية لا يعني انتهاء المهمة.
فكلما أصبحت التكنولوجيا وسيطاً أساسياً بين الإنسان والعمل والتعليم والخدمات والمعرفة، أصبحت القدرة على التعامل معها جزءاً أكبر من القدرة على المشاركة في المجتمع.
لذلك، قد لا يكون التحدي المقبل في الكويت والعالم مقتصراً على خفض عدد الذين لا يستطيعون قراءة الكلمات، بل أيضاً على تضييق الفجوة أمام الذين يستطيعون قراءتها، لكنهم لا يمتلكون الأدوات اللازمة لفهم عالم تُكتب لغته الجديدة بالبيانات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي.
وبعد ستين عاماً على إعلان اليوم الدولي لمحو الأمية، ربما تغير السؤال بالفعل. لم يعد فقط: من يستطيع أن يقرأ ويكتب؟ بل: من يستطيع أن يفهم، ويقيّم، ويتعلم، ويتواصل… في عالم رقمي لا يتوقف عن التغيّر؟
