«Airbnb»… من بيع علب إفطار لأكبر منصة لتأجير الغرف والشاليهات


– كيف حول المؤسسون أزمة ديون خنقَت بداياتهم إلى قصة نجاح تجاوزت 100 مليار دولار

– الاستفادة من الموسم الانتخابي منحتها شريان حياة مالياً للتحول من الإفلاس إلى البورصة

– قدرة المؤسسين على التفكير تحت الضغط أنقذت الشركة في أوقاتها الحرجة

بعض أشهر قصص النجاح في عالم الشركات الناشئة لم تبدأ بخطة عمل متكاملة أو تمويل ضخم، بل بمحاولات غير تقليدية للبقاء على قيد الحياة. وهذا ما حدث 2008 مع مؤسسي «Airbnb»، حين كانوا يعانون أزمة نقدية خانقة، فقرروا بيع علب حبوب إفطار تحمل طابعاً انتخابياً ساخراً، دون أن يعلموا أنهم سيتحولون مستقبلاً لمنصة عالمية تعكس مفهوم «الاقتصاد التشاركي»؛ حيث يمكن لأي شخص لديه غرفة غير شاغرة، أو شقة كاملة، أو كوخ، أو حتى فيلا فاخرة، أن يعرضها للإيجار لفترات قصيرة.

وعملياً، لم تكن تلك العلب جزءاً من نموذج أعمال الشركة، لكنها وفرت لها سيولة عاجلة، وكشفت لأول مستثمرين كبار عن سمة اعتبروها حاسمة في شخصية مؤسسيها: القدرة على إيجاد حلول غير متوقعة عندما تبدو الخيارات التقليدية مسدودة.

صعوبة بناء سوق يضم طرفين

تعود بداية القصة إلى 2007، عندما أطلق برايان تشيسكي، وجو جيبيا، مشروعاً أطلقا عليه اسم إير بيد آند بريكفاست، بعد أن لاحظا امتلاء فنادق سان فرانسيسكو خلال مؤتمر للتصميم، وحسب الروايات التي نشرها المؤسسان لاحقاً، عرض الاثنان مراتب هوائية في شقتهما للزوار الذين لم يجدوا غرفاً فندقية، مع تقديم وجبة إفطار، لتتحول التجربة الموقتة لاحقاً إلى فكرة شركة.

وانضم إليهما لاحقاً ناثان بليتشارزيك، الذي تولى الجانب الهندسي والتقني للمشروع، لكن الشركة واجهت مشكلة أساسية في بداياتها: صعوبة بناء سوق يضم طرفين في الوقت نفسه. فلم يكن هناك عدد كافٍ من أماكن الإقامة لجذب المسافرين، ولم يكن هناك عدد كافٍ من المسافرين لإقناع أصحاب المنازل بعرض أماكنهم، وحسب تقرير نشرته مجلة وايرد عن قصة الشركة، كان المؤسسون بحلول 2008 يعانون نقصاً حاداً في السيولة وديوناً على بطاقات الائتمان، فيما ظل الإقبال على المنصة محدوداً.

المشروع يحقق اختراقاً حقيقياً

جاءت فرصة مهمة في صيف 2008، عندما استضافت مدينة دنفر المؤتمر الوطني للحزب الديمقراطي، في حدث ضخم جذب عشرات الآلاف من المشاركين والزوار، وحسب برايان تشيسكي في حديث نشرته كلية الدراسات العليا للأعمال بجامعة ستانفورد، حققت المنصة خلال ذلك الحدث نحو 80 حجزاً، ما منح المؤسسين انطباعاً بأن المشروع بدأ أخيراً يحقق اختراقاً حقيقياً.

لكن الحماس لم يستمر طويلاً، فبعد انتهاء المؤتمرات السياسية، تراجع النشاط بسرعة. ووفق رواية تشيسكي، جاء مؤتمر الحزب الجمهوري بعد ذلك بفترة قصيرة، لكنه حقق عدداً محدوداً جداً من الحجوزات، ثم عاد النشاط إلى مستويات شبه معدومة، وأدرك المؤسسون أن الاعتماد على المناسبات الاستثنائية لا يمكن أن يصنع نموذجاً تجارياً مستداماً.

حبوب الإفطار التذكارية

وسط أزمة السيولة، استعاد تشيسكي وجيبيا، اسم مشروعهما الأول: إير بيد آند بريكفاست. إذا كانت المراتب الهوائية لا تحقق المال، فلماذا لا يجربان الجزء الآخر من الاسم: الإفطار؟ وحسب برايان تشيسكي، جاءت الفكرة في ذروة الانتخابات الرئاسية الأميركية 2008، حين كان السباق بين باراك أوباما، وجون ماكين، يهيمن على اهتمام الرأي العام، فقرر المؤسسون إنتاج علب حبوب إفطار محدودة الإصدار تحمل طابعاً انتخابياً.

أطلقوا على أحد المنتجات اسم أوباما أوز، في إشارة إلى المرشح الديمقراطي باراك أوباما، وحمل شعار إفطار التغيير، أما المنتج الآخر فأطلقوا عليه كابتن ماكينز، في إشارة إلى المرشح الجمهوري جون ماكين، وحمل شعار متمرد في كل لقمة.

40 دولاراً مقابل علبة حبوب

كانت الفكرة تبدو غير منطقية من الناحية التجارية، فكيف يمكن لشركة ناشئة تعاني أزمة مالية أن تنقذ نفسها ببيع حبوب إفطار؟ لكن المؤسسين لم يكونوا يبيعون الحبوب وحدها، بل كانوا يبيعون منتجاً تذكارياً مرتبطاً بحدث سياسي استثنائي. باعوا العلبة الواحدة مقابل 40 دولاراً، وهو سعر مرتفع جداً مقارنة بقيمة محتواها الفعلي.

وحسب برايان تشيسكي، جمعت التجربة ما يقارب 30 ألفاً، وهو مبلغ وفر للشركة السيولة التي احتاجتها للاستمرار في واحدة من أصعب مراحلها.

وانضمت «Airbnb» إلى برنامج واي كومبيناتور في دفعة شتاء 2009. وتشير واي كومبيناتور نفسها إلى أن نموذج الاستثمار المعتاد في تلك المرحلة كان يقارب 20 ألف دولار مقابل حصة تبلغ

6 % من الشركة، ما يتوافق مع الصفقة التي حصلت عليها شركات تلك الفترة. وبعد ذلك بفترة قصيرة، بدأت الشركة تجذب اهتمام المستثمرين الأكبر.

وفي أبريل 2009، بدأت «Airbnb» مع شركة سيكويا كابيتال، التي استثمرت في الشركة استثماراً أولياً بـ 585 ألف دولار، وفقاً لما نشرته سيكويا نفسها، وهنا بدأت الشركة تتحول تدريجياً من مشروع صغير يعاني من الديون ونقص السيولة إلى واحدة من أبرز شركات قطاع السفر والإقامة في العالم.

وعندما طرحت «Airbnb» أسهمها للاكتتاب العام في ديسمبر 2020، حددت سعر السهم عند 68 دولاراً، وجمعت الشركة مليارات الدولارات من الطرح، لكن المفاجأة جاءت في أول يوم تداول، عندما قفز سعر السهم بأكثر من الضعف، لتتجاوز القيمة السوقية للشركة 100 مليار دولار.

وهكذا تحولت «Airbnb» التي اضطر مؤسسوها ذات يوم إلى بيع علب حبوب إفطار للبقاء إلى واحدة من أكبر الشركات المدرجة التي خرجت من عالم الشركات الناشئة، لتصبح منصة رقمية عالمية وسوق عبر الإنترنت يربط بين الأشخاص الذين يرغبون في تأجير مساحاتهم العقارية (المضيفين) وبين المسافرين والسياح الذين يبحثون عن أماكن إقامة مريحة وبأسعار متنوعة (الضيوف).

الدرس المستفاد

قصة «Airbnb» ليست درساً في أن الأفكار الغريبة تنجح دائماً، ولا في أن على كل شركة ناشئة البحث عن حيلة تسويقية غير مألوفة، فالدرس الأهم يكمن في شيء مختلف.

عندما واجه المؤسسون أزمة حقيقية، لم ينتظروا المستثمرين لإنقاذهم، ولم يكتفوا بالاستسلام بعد رفض الفكرة مراراً. بحثوا عن وسيلة متاحة لتوليد السيولة، واستفادوا من حدث سياسي كان يشغل الرأي العام، وحولوا اسم شركتهم نفسه إلى فكرة تجارية غير متوقعة.

والأهم أن ما أقنع المستثمرين لم يكن مجرد علبة حبوب، بل ما كانت تمثله تلك العلبة. لقد كانت دليلاً على أن المؤسسين يمتلكون القدرة على التفكير تحت الضغط، وإيجاد حلول عندما تبدو الموارد محدودة والبدائل شبه معدومة.

وربما لهذا السبب أصبحت علبة حبوب الإفطار جزءاً من تاريخ الشركة، فأحياناً لا يكون العامل الذي يفتح الباب أمام فرصة العمر هو حجم التمويل، ولا أناقة العرض التقديمي، بل القدرة على إثبات أنك تستطيع الاستمرار والتصرف بذكاء عندما تصل إلى النقطة التي يتوقف عندها الآخرون.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *