
استمر الصراع في الشرق الأوسط فترة أطول من التوقعات الأولية، مع تسبّب إغلاق مضيق هرمز في رفع معدلات التضخم والضغط على النمو الاقتصادي عالمياً.
كما ارتفعت الضغوط على سلاسل التوريد إلى أعلى مستوياتها منذ موجة الارتفاع التي أعقبت الجائحة، فيما سجلت أسعار الغذاء العالمية أعلى مستوياتها منذ أكثر من 3 سنوات.
وحسب تقرير صادر عن بنك الكويت الوطني، تشير أحدث استطلاعات مؤشر مديري المشتريات العالمية إلى وجود ضغوط سعرية كبيرة في الطريق، في ظل الارتفاع الكبير لعوائد السندات الحكومية منذ اندلاع الصراع العسكري في نهاية فبراير، مدفوعًا ليس فقط بتفاقم توقعات التضخم، بل أيضاً بالضغوط المالية. وعلى الرغم من أن السحب من المخزونات النفطية العالمية ساهم في الحد من ارتفاع أسعار النفط، فإن هذه المخزونات تقترب من مستويات حرجة، مما يزيد من مخاطر ارتفاع أسعار النفط بشكل أكبر في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز. ومن الواضح أن صدمة ارتفاع أسعار الطاقة من جانب العرض قد زادت من تعقيد السياسة النقدية لدى جميع البنوك المركزية. فالتوجه نحو التيسير النقدي الذي كان سائدًا قبل الحرب تحوّل إلى توجُّه نحو رفع أسعار الفائدة.
كما يواجه الرئيس الجديد لـ «الاحتياطي الفدرالي» كيفن وارش، الذي تولى المنصب بتفويض لخفض الفائدة، وضعاً بالغ الصعوبة، في حين يستعد كل من البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان لرفع أسعار الفائدة قريباً، وكذلك بنك إنكلترا خلال النصف الثاني من العام.
الولايات المتحدة: تفاقم التضخم وتحسّن سوق العمل يعقّدان خطط التيسير النقدي لوارش
لا يزال الاقتصاد الأميركي يتمتع بالمرونة، حيث استوعب صدمات النزاع التجاري المرتبط بالرسوم الجمركية العام الماضي والارتفاع الحالي في أسعار الطاقة، مدعوما بقوة الإنفاق الاستهلاكي، واستمرار طفرة الاستثمار المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
كما شهد سوق العمل تحسُّناً، مع متوسط نمو للوظائف بلغ 114 ألف وظيفة شهرياً منذ بداية العام وحتى مايو، مقارنة بمتوسط شهري بلغ 10 آلاف وظيفة فقط في عام 2025، إلى جانب معدل بطالة يبلغ 4.3 بالمئة، وهو قريب من مستويات التوظيف الكامل.
وعلى الرغم من نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول بنسبة 1.6 بالمئة (النمو السنوي المكافئ) وبأقل من التوقعات، فإن النمو الأساسي كان أكثر قوة، إذ ارتفع مؤشر «المبيعات النهائية للمشترين المحليين من القطاع الخاص» بنسبة 2.4 بالمئة.
ويستمر الزخم القوي مع ارتفاع مبيعات التجزئة بنسبة 0.5 بالمئة على أساس شهري في أبريل، فيما تُظهر مؤشرات أخرى مرتفعة التكرار استمرار النمو القوي في مايو، بدعم من ارتفاع استردادات الضرائب والتأثير الإيجابي لارتفاع أسواق الأسهم إلى مستويات قياسية مدفوعة بقوة أرباح الشركات. وتشير التقديرات التوافقية إلى استمرار النمو القوي في الربع الثاني، إذ يبلغ تقدير نموذج GDPNow التابع لـ «الاحتياطي الفدرالي» في أتلانتا نحو 3.0 بالمئة.
في المقابل، ارتفع التضخم الذي كان يشكل تحدياً حتى قبل صدمة الطاقة الحالية، فقد سجل تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي 3.3 بالمئة على أساس سنوي في أبريل، ويُعد الأعلى منذ أواخر عام 2023 (وهو مستوى لم يُسجل منذ عام 1992، باستثناء فترة الارتفاع التي أعقبت الجائحة بين 2021 و2023)، كما بلغ التضخم الرئيسي 3.8 بالمئة، وهو أعلى مستوى في 3 سنوات. ومن المتوقع أن يبقى التضخم أعلى بكثير من مستهدف «الاحتياطي الفدرالي» البالغ 2 بالمئة خلال عام 2026، للعام السادس على التوالي.
ويجعل هذا المزيج من ارتفاع التضخم وتحسُّن سوق العمل مهمة وارش أكثر صعوبة، لا سيما أنه جاء بتوجه واضح نحو خفض أسعار الفائدة، وهو توجُّه لا يشاركه فيه معظم أعضاء اللجنة الفدرالية للسوق المفتوحة. وقد يشكّل قرار الإبقاء على توجه التيسير النقدي أو إزالته من بيان السياسة النقدية خلال اجتماع يوليو المقبل أول اختبار حقيقي لوارش في قيادة «الاحتياطي الفدرالي». وتشير أسواق العقود الآجلة حالياً إلى احتمال بنحو 75 بالمئة لرفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس بحلول نهاية العام.
