
بدعوة كريمة من السيدة دلال البحر، حضرت ملتقى دار البحر بعنوان “الدبلوماسية الناعمة”. وكان الملتقى مع السيدة الفاضلة دلال يعقوب الحميضي، زوجة سعادة السفير خالد الدويسان، وشاركتنا محطات من مسيرتها إلى جانبه في تمثيل دولة الكويت، وكانت المملكة المتحدة آخر محطاته الدبلوماسية. وظلت فكرة الدبلوماسية الناعمة معي، فهي لا تقوم على السلطة الرسمية وحدها، بل على بناء الثقة، وفهم الناس، وصناعة العلاقات.
ومن هنا استوحيت هذا المقال: إذا كانت المرأة قد صنعت أثرا في الدبلوماسية والمجتمع، فلماذا لا ننظر إلى أثرها الاقتصادي؟
وللمصطلح الذي اخترته، (الاقتصاد الناعم)، سند فكري ياباني سابق. ففي منتصف الثمانينيات، طُرح في اليابان مفهوم سوفتنوميكس (Softnomics) ضمن دراسات رعتها وزارة المالية اليابانية، بوصفه عدسة لفهم اقتصاد تتزايد فيه قيمة المعرفة والتقنية والخدمات. لكنه ليس مدرسة اقتصادية ذات تعريف موحد، لذلك أتعامل معه هنا إطارًا لقراءة أثر المرأة في الاقتصاد، لا تعريفًا أكاديميا مغلقا.
الاقتصاد الناعم، في هذا المعنى، هو القيمة التي تصنعها المرأة حين تتحول المعرفة إلى استثمار، والفكرة إلى مشروع، والعلاقة إلى شراكة، والخبرة إلى قرار استراتيجي. إنها قيمة تنتجها المرأة مستثمرة ورائدة أعمال وقيادية وصاحبة رؤية، عبر بناء الثقة، وحسن إدارة الموارد، وقراءة الفرص، والانضباط في تنفيذ القرار. فالنعومة هنا ليست نقيض القوة، بل قوة تعمل بتراكم ووعي، وتظهر نتائجها في شركة ووظيفة وخدمة وسوق أكثر اتساعًا.
ولعل أوضح مثال على الربط بين المرأة والنمو نجده في اليابان. ففي عام 1999، نشر فريق بنك الاستثمار الأمريكي غولدمان ساكس (Goldman Sachs) في طوكيو، بقيادة كاثي ماتسوي (Kathy Matsui)، كبيرة الاستراتيجيين لسوق الأسهم اليابانية في البنك آنذاك، تقريرًا بعنوان (Womenomics: Buy the Female Economy). جمع المصطلح بين كلمتي Women (النساء) وEconomics (الاقتصاد)، وقرأ مشاركة النساء وقوتهن الشرائية بوصفهما فرصة نمو في بلد يواجه ركودًا وشيخوخة سكانية وتقلصًا في القوى العاملة. لم يكن طرح المرأة مجرد قضية حقوقية، بل قراءة اقتصادية تقول إن الدولة التي تستبعد جزءًا كبيرًا من مهارات سكانها تقيد قدرتها على الإنتاج والابتكار.
ومنذ عام 2013، وضعت حكومة رئيس الوزراء الياباني الأسبق شينزو آبي (Shinzo Abe) مفهوم (Womenomics) ضمن استراتيجية النمو، لا باعتباره ملفا اجتماعيا منفصلا، فوسعت خدمات رعاية الأطفال، وعززت دعم عودة الأمهات إلى العمل، وألزمت الشركات الكبرى بالإفصاح عن مؤشرات تمثيل النساء. وفي عام 2019، أصدر غولدمان ساكس تقريره (Womenomics 5.0: 20 Years On)، وهو الإصدار الخامس من السلسلة بعد عشرين عاما على التقرير الأول، وقدر فيه أن سد فجوة التوظيف بين الجنسين قد يرفع الناتج المحلي الياباني بنحو 10%، وقد يصل إلى 15% إذا اقترب فرق ساعات العمل من متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). لكن التجربة اليابانية لا تدعونا إلى الاكتفاء بالأرقام، فما زالت فجوة الأجور كبيرة، ويعمل عدد كبير من النساء بدوام جزئي، كما أن الوصول إلى المواقع القيادية لا يتقدم بالوتيرة نفسها. والعبرة أن المشاركة الحقيقية لا تعني دخول المرأة إلى سوق العمل فحسب، بل وظيفة جيدة ومسار ترقية منصف ومرونة في العمل وخدمات رعاية لا تحول الأمومة أو الأبوة إلى عقوبة مهنية.
ومن العمل ننتقل إلى رأس المال. فرأس المال لا يقتصر على حجمه، بل يشمل من يقرر وجهته. حين تستثمر المرأة، فهي تشارك في الملكية والقرار، وتوسع دائرة ممولي الأفكار والقطاعات التي تستحق الاهتمام. وفي دراسة (Women and Investing Study) الصادرة عام 2021 عن شركة إدارة الأصول الأمريكية فيدليتي إنفستمنتس (Fidelity Investments)، والتي حللت 5.2 ملايين حساب استثماري ذاتي في الولايات المتحدة خلال الفترة 2011–2020، تفوقت العوائد السنوية للنساء بمتوسط 0.4 نقطة مئوية. لا تعني هذه النتيجة أن النساء فئة استثمارية واحدة أو أن التفوق مضمون، لكنها تذكر بأن المعرفة والثقة والانضباط في الاستثمار أهم من الصور النمطية. وكلما امتلكت المرأة أدوات الادخار والاستثمار والمعلومات، انتقلت من انتظار الفرصة إلى صناعتها وتوجيهها.
وفي مشهد آخر، تبدأ رائدة الأعمال غالبا من حاجة تعرفها عن قرب، ثم تحولها إلى منتج أو خدمة، فتتسع حول مشروعها دائرة من الموظفين والموردين والعملاء.
ولا ينبغي اختزال ريادة الأعمال النسائية في المشاريع المنزلية، على أهميتها، فالمشروع الصغير قد يصبح شركة حين يجد التمويل والإرشاد والوصول إلى الأسواق. وفي دراسة مجموعة بوسطن الاستشارية (Boston Consulting Group) بعنوان (Why Women-Owned Startups Are a Better Bet) الصادرة عام 2018، بالتعاون مع شبكة مسرعات الأعمال الأمريكية MassChallenge، وشملت 350 شركة ناشئة، حصلت الشركات التي أسستها أو شاركت في تأسيسها نساء على تمويل متوسطه 935 ألف دولار، مقابل 2.1 مليون دولار للشركات التي أسسها رجال.
ومع ذلك حققت، ضمن عينة الدراسة، إيرادات تراكمية أعلى بـ 10% خلال خمس سنوات. هذه ليست قاعدة عامة، لكنها سؤال جاد للممولين: هل يصل رأس المال إلى الفرص بكفاءة وعدالة؟ وتؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في تقرير “The Missing Entrepreneurs 2023” أن التمويل ما زال عائقاً أساسياً أمام رائدات الأعمال، لذلك لا يكفي تشجيعهن على تأسيس المشاريع من دون معرفة مالية وشبكات مستثمرين وضمانات وإرشاد ووصول حقيقي إلى الأسواق.
وتكتمل مساهمة المرأة الاقتصادية بوصولها إلى مواقع صنع القرار. لذلك أرى أن زيادة عدد عضوات مجالس الإدارات والنساء في المناصب التنفيذية أولوية، لما تتيحه هذه المواقع من مشاركة في رسم الاستراتيجية وتوجيه الاستثمار وإدارة الموارد واختيار المواهب. وفي تقرير “Diversity Matters Even More” الصادر عام 2023 عن شركة الاستشارات الإدارية ماكنزي آند كومباني (McKinsey & Company)، كانت الشركات في الربع الأعلى من حيث التنوع بين الجنسين في فرقها التنفيذية أكثر احتمالا للتفوق المالي بنسبة 39% مقارنة بالشركات في الربع الأدنى. وهي علاقة إحصائية لا تضمن الربح، لكنها تدعم الاهتمام بتوسيع مشاركة المرأة في قيادة المؤسسات.
وهذا يقودني إلى النظر في الشأن المحلي، حيث نحتاج إلى عمل منظم يزيد حضور المرأة في مجالس الإدارات والمناصب التنفيذية، ويمنح الكفاءات النسائية فرصا واضحة للوصول والتقدم. وتبدأ هذه الخطوة ببيانات محلية منتظمة: كم امرأة تصل إلى هذه المواقع؟ وما الصلاحيات التي تتولاها؟ وكيف يجري ترشيحها واختيارها وترقيتها؟ وما العوائق التي تحد من تقدمها؟ وإلى جانب ذلك، نحتاج إلى معرفة حجم مشاركة المرأة في الاستثمار وريادة الأعمال ووصولها إلى التمويل. فهذه المعلومات تساعدنا على تطوير مسارات التأهيل والترشيح والترقية، وتوجيه الدعم إلى مواضع الاحتياج، ومتابعة التقدم بأرقام معلنة. وطموحي أن نرى نساء أكثر يشاركن في قيادة الشركات وتوجيه رؤوس الأموال وصناعة مستقبل الاقتصاد الكويتي.
لذلك، أرى أننا في الكويت نحتاج إلى مرصد دائم، أو تقرير سنوي بعنوان “Kuwait Womenomics، تشارك فيه الجهات الحكومية والجامعات والقطاع المالي والقطاع الخاص، يعرض بيانات مجمعة تحترم الخصوصية عن جودة الوظائف والترقيات، وملكية الأعمال واستمرارها، والقطاعات الواعدة، وطلبات التمويل، ونسب قبولها وشروطها. فالبيانات ليست غاية، بل أداة لتوجيه التمويل والتدريب والسياسات. وحين تتضح الفجوات، تستطيع البنوك والصناديق تصميم منتجات وضمانات وبرامج إرشاد تناسب الاحتياج الفعلي، لا الافتراضات.
الإلهام الذي خرجت به من حديث الدبلوماسية الناعمة في دار البحر، ومن سيرة السيدة دلال الحميضي، هو أن الأثر لا يكون دائمًا صاخبا كي يكون عميقا. فالحنكة التي تبني الجسور في أروقة الدبلوماسية قادرة، بلغة الأرقام والاستثمار والابتكار، على خدمة الاقتصاد أيضا.
لم يعد مقبولا، ونحن نتحدث عن رؤى تنموية طموحة، أن ينظر إلى المرأة كعنصر تكميلي. فالاقتصاد الناعم ليس قطاعا منفصلا عن الاقتصاد التقليدي، بل زاوية تستكمل أدواته وتكشف طاقة لم تستثمر بما يكفي. وحين تصبح الفرصة متاحة، والبيانات واضحة، والتمويل عادلا، تتحول طاقة المرأة من إمكان واعد إلى جزء أصيل من حساب النمو ومستقبل دولة الكويت.
