الدّين القديم بفائدة جديدة… من سيدفع الفاتورة؟


كتبت في أكثر من مقال سابق عن تصاعد الدين العام، خصوصاً في الاقتصادات الكبرى، وكنت أرى أنه سيكون إحدى المشكلات التي سيضطر الاقتصاد العالمي إلى مواجهتها السنوات المقبلة، واليوم أعتقد أن المشكلة بدأت تنتقل إلى مرحلة أكثر تعقيداً.

فالعالم لا يُواجه فقط ارتفاع الدين، بل انتقال ديون عصر الفائدة المنخفضة تدريجياً إلى ميزانيات عصر الفائدة الأعلى.

جزء كبير من ديون الدول الكبرى تراكم عندما كانت أسعار الفائدة شديدة الانخفاض. وهذه الديون تستحق تباعاً، ولا تختفي عند استحقاقها، بل يعاد تمويل جانب كبير منها بدين جديد، ولكن بتكلفة أعلى.

وحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن نحو 78 في المئة من اقتراض حكومات دول المنظمة في 2026 سيذهب إلى إعادة تمويل ديون قائمة، أي أننا لا نتحدث فقط عن زيادة الدين، بل عن دين قديم يعود بتكلفة جديدة.

وهذه ليست مشكلة أميركية وحدها. فبريطانيا وفرنسا واليابان وغيرها تواجه أيضاً، بدرجات مختلفة، مستويات مرتفعة من الدين وعجزاً مالياً وفاتورة فوائد تتزايد.

وقد لا نرى النتيجة خلال سنة أو سنتين. وهذا تحديداً ما يجعلني أكثر قلقاً منها. فهي ليست بالضرورة أزمة تنفجر في يوم واحد، بل مشكلة تتراكم إلى أن تصبح خدمة الدين بنداً يزاحم الاستثمار والتعليم والصحة والبنية التحتية والدفاع.

ولا تتوقّف المشكلة عند الحكومات. فكلما ارتفعت عوائد السندات الحكومية، ارتفعت تكلفة التمويل في الاقتصاد، وزادت الضغوط على تقييمات الأصول ومحافظ السندات، وأصبح الائتمان أكثر كلفة على الشركات والأفراد. وإذا اعتمدت الحكومات بصورة أكبر على البنوك والمؤسسات المالية المحلية لتمويل ديونها، فقد يأتي ذلك على حساب تمويل القطاع الخاص والاستثمار.

وهنا نصل إلى السؤال الأهم: كيف ستخرج الدول الكبرى من هذه المشكلة؟

الخيارات تاريخياً محدودة: نمو اقتصادي قوي يقلص عبء الدين نسبة إلى الاقتصاد، أو ضرائب أعلى وخفض للإنفاق، أو قدر من التضخم يقلل القيمة الحقيقية للدين.

وهناك طريق آخر عاد الحديث عنه أخيراً في الأوساط المالية، وهو «Financial Repression» أو الكبت المالي.

والمقصود به استخدام الدولة للسياسات والقواعد المالية والنقدية بما يساعد على توفير طلب مستمر على سنداتها وخفض تكلفة تمويلها، ما قد يجعل البنوك والمؤسسات المالية والمدخرين يتحملون بصورة غير مباشرة جزءاً من تكلفة معالجة الدين.

وهذه ليست فكرة جديدة، فقد استخدمت بدرجات مختلفة، خصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية، عندما خرجت دول كثيرة بمستويات مرتفعة جداً من الدين. وعرف التاريخ أيضاً الحل الأكثر قسوة، وهو إعادة هيكلة الديون أو شطب جزء منها، وإن كان هذا السيناريو لا يبدو مرجحاً في الاقتصادات الكبرى اليوم.

لذلك لا أعتقد أن السؤال هو: هل تستطيع الولايات المتحدة أو اليابان أو بريطانيا إصدار المزيد من السندات؟

بالطبع تستطيع اليوم.

السؤال هو: إلى متى تستطيع زيادة الدين وإعادة تمويل القديم منه بتكلفة أعلى من دون أن يظهر الثمن في مكان آخر من الاقتصاد؟

لأن الدين لا يختفي. إما أن يخفف النمو عبأه نسبة إلى الاقتصاد، أو يدفعه دافع الضرائب، أو يتحمله المدخر من خلال التضخم والعوائد الحقيقية المنخفضة، أو يتحمل الاقتصاد جزءاً من ثمنه عبر ضعف الاستثمار وارتفاع تكلفة رأس المال.

ولهذا، بعد أن كنت أراقب في السنوات الماضية حجم الدين، أصبحت أعتقد أن الرقم الأهم في السنوات المقبلة هو تكلفة خدمة هذا الدين.

ومن هنا تأتي أهمية مراقبة عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجلي 10 سنوات و30 سنة. فعندما تتغير تكلفة المال طويل الأجل، تتغير معها طريقة تقييم بقية الأصول.

وقد نكون أمام مرحلة يتغير فيها مفهوم «Asset Allocation»، أو توزيع الأصول نفسه. فكما كان المستثمر يسأل: ما العائد الذي أستهدفه؟ سيصبح عليه أن يسأل بالقدر نفسه: كيف أحافظ على القيمة الحقيقية لأصولي؟

وقد لا يعود توزيع الأصول مجرد بحث عن أفضل عائد مقابل المخاطر، بل موازنة بين تحقيق العائد والمحافظة على القيمة.

فربما لا تكون أزمة الدين المقبلة لحظة انهيار نراها على الشاشات، بل تحولاً تدريجياً في تكلفة المال، وفي تقييم الأصول، وفي الطريقة التي ستوزع بها الثروات والمحافظ.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *