– البلاد ليست محصّنة ضد التضخم لكنها تمتص الصدمة قبل انتقالها كاملةً للمستهلك
– موجة ارتفاع الأسعار معتدلة محلياً وانتقائية السلع مقارنة بالاقتصادات الكبرى
– مراكز الخليج القوية مالياً تدعم أمنها الغذائي وتُؤمّن سلاسل تدفق إمداداتها
– اضطرابات البحر الأسود والمناخ ترفع تكاليف الذرة والصويا وتضغط على القمح
– «الفيدرالي» أمام «حزورة» التشدّد نقدياً لضبط الأسعار أم التخفيف لدعم النمو
– أوروبا تواجه صدمة طاقة جديدة وتتكبد المليارات وتضخم الصين لافت الانخفاض
ربما لا يُعدُّ «اختراعاً للبارود»، القول إنّ القفزة المسجلة بأسعار الطاقة والغذاء وتكاليف الإنتاج والنقل والشحن عموماً بالأشهر الأخيرة، باتت تحرق العالم اقتصادياً، للدرجة التي باتت معها الاقتصادات الكبرى تواجه صداعاً، بعنوان «التضخم المزمن»، مدفوعاً بنيران تصاعد التوترات الجيوسياسية بين روسيا وأوكرانيا وحرب الشرق الأوسط، وتجدد حرب الرسوم الجمركية.
فمع كل ارتفاع في تكلفة النفط أو الشحن أو التأمين، ينعكس الأثر السلبي على الغذاء والإنتاج والنقل سريعاً، ما يعيد الكويت لمواجهة شبح تنامي مخاطر التضخم المستورد الذي لا مفر منه محاسبياً، أخذاً بالاعتبار أنه رغم ظهور ضغوط واضحة في بعض مكونات سلة المستهلك تبدو الصورة محلياً أكثر اعتدالاً مقارنة بالدولة الكبرى.
فوفق أحدث بيانات الإدارة المركزية للإحصاء، سجل الرقم القياسي العام لأسعار المستهلك في يونيو 2026 نحو 139.9 نقطة، مستقراً على أساس شهري، بينما ارتفع التضخم السنوي 2.19 % مقارنة بيونيو 2025، فيما تعكس المعدلات أن الجزء الأكبر من الضغط السعري يتركز في مجموعات محددة وليس في موجة تضخمية واسعة تشمل جميع مكونات سلة المستهلك.
مقدرات تسمح بامتصاص الصدمة
وتقدم الكويت نموذجاً واضحاً لكيفية اختلاف التضخم العام عن الضغوط التي يلمسها المستهلك، فارتفاع أسعار الأغذية والمشروبات، إلى جانب السلع والخدمات المتنوعة والنقل، يكشف أن الصدمات الخارجية تصل بالفعل إلى السوق المحلية، لكنها لا تنتقل بالحدة نفسها إلى بقية مكونات سلة المستهلك، ما يعني أن مقدرات الكويت تسمح بامتصاص جزء من الصدمة بدلاً من تمريرها كاملة إلى المستهلك.
وما يؤكد أن التضخم لا يتحرك محلياً بوتيرة واحدة، ارتفاع أسعار مجموعة السلع والخدمات المتنوعة 5.8 % على أساس سنوي، بينما بلغت في الأغذية والمشروبات 5.55 %، والنقل 4.83 %، وبقي في خدمات المسكن عند 0.16 %، كما بلغ المؤشر العام باستثناء الأغذية والمشروبات 1.43 %، فيما تظهر البيانات استقرار بعض المكونات الرئيسية، وفي مقدمتها المسكن، الذي ساهم في إبقاء معدل التضخم الكلي معتدلاً.
وتعد هذه النقطة مهمة عند قراءة مستوى التضخم الكويتي، إذ إن الرقم لا يعني غياب الضغوط السعرية، وإنما يعكس قدرة المكونات الأقل ارتفاعاً على موازنة الارتفاعات المسجلة في قطاعات أخرى، ومن هنا، فإن الصورة الكويتية تبدو أقرب إلى تضخم انتقائي متركز في بعض السلع والخدمات وليس موجة شاملة.
صدمات مستوردة وهامش محلي
والمتتبع لمسار التضخم يستطيع أن يلحظ قدرة اقتصادات الكويت ودول الخليج عموماً في تجاوز الجزء الأكبر من الموجة التضخمية العالمية التي أعقبت جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، حيث بلغ المتوسط العالمي العام الماضي 4.2 %، مقابل 5.3 % في الاقتصادات الناشئة والنامية، و2.6 % بالولايات المتحدة و2.5 % بالاتحاد الأوروبي و3.2 % باليابان. فيما سجل معدل التضخم السنوي خليجياً 2.1 % خلال يونيو 2026، مع ارتفاع أسعار السلع والخدمات الاستهلاكية مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، بزيادة 0.71 نقطة مئوية.
ولا يعني ذلك أن الكويت ودول الخليج عموماً محصنة ضد التضخم، فهي في الواقع من الاقتصادات المعتمدة بدرجة كبيرة على استيراد السلع الغذائية الاستهلاكية، ما يجعل التضخم لديها مستورداً، لكن الفرق يكمن في قدرتها على امتصاص الصدمة قبل انتقالها بالكامل إلى المستهلك.
وتوفر وسائد الإيرادات النفطية للكويت، إلى جانب الاحتياطات الضخمة والأصول الخارجية المريحة، هامشاً مالياً أكبر لتمويل قفزات تكلفة الواردات والحفاظ على بعض أشكال الدعم وتخفيف أثر ارتفاع السلع والطاقة. كما يسهم استقرار الصرف في حد انتقال التضخم الناجم عن تقلبات العملات.
البحر الأسود يعيد إشعال القمح
ولا تقتصر المخاطر على الطاقة، فقد أظهرت بيانات حديثة لأسواق السلع استمرار صعود المحاصيل الرئيسية، مع ارتفاع عقود الذرة وفول الصويا بأكثر من 10 % خلال شهر واحد، بينما سجلت الذرة لشهر ديسمبر مستويات تقارب 5.39 دولار للبوشل، وتجاوزت عقود فول الصويا 13 دولاراً. كما بقيت أسعار القمح عند مستويات مرتفعة، في ظل تأثيرات الطقس واضطرابات الإمدادات المرتبطة بالحرب الروسية – الأوكرانية.
وحسب تقرير حديث لـ «Barron›s» يمثل البحر الأسود نحو 35 % من تجارة القمح العالمية في الظروف الطبيعية، وتعني هذه الأرقام للدول مستوردة الغذاء، الكثير، لأن ارتفاع أسعار الحبوب لا ينعكس فقط على تكلفة الدقيق والخبز، وإنما يمتد للأعلاف وإنتاج اللحوم والدواجن والأغذية المصنعة، فضلاً عن النقل والتخزين، ومن ثم إضافة طبقة جديدة لضغوط التضخم العالمية.
أما صدمة الطاقة والشحن، فتبدو أكثر خطورة نظراً لارتباطها بمضيق هرمز أحد أهم ممرات التجارة العالمية، فحسب تقرير حديث لموقع ياهو فاينانس، تراجعت حركة السفن عبر المضيق لمستويات شديدة الانخفاض، فيما ارتفع خام برنت لأكثر من 90 دولاراً للبرميل. وتكمن خطورة اضطراب هرمز في أنه لا يرفع سعر النفط فحسب، حيث يضيف ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وفترات الرحلات تكلفة جديدة إلى التجارة العالمية.
لكن الخبر السار في هذا النطاق أن وضع الكويت ودول الخليج عموماً في هذه المعادلة مختلف عن الاقتصادات المستوردة للطاقة، فارتفاع النفط يزيد تكلفة الواردات، لكنه في المقابل يرفع إيراداتها، بما يوفر مورداً مالياً إضافياً يساعد في امتصاص جزء من الصدمة، فيما تعكس قراءة المؤسسات الاقتصادية للأوضاع، مخاوف متزايدة من تحول صدمات الطاقة والتجارة والشحن من موجة تضخم موقتة لمستدام.
فاتورة ضغوط النمو بأوروبا وأميركا
وفي أميركا، ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين السنوي 3.36 % خلال يوليو 2026 مقارنة بالشهر نفسه 2025، مسجلاً تباطؤاً طفيفاً عن القراءة المسجلة في يونيو عند 3.53 %، وتُعزى هذه الضغوط بشكل أساسي للقفزة الحادة في قطاع الطاقة الذي ارتفع 14.73 % على أساس سنوي، في حين ارتفعت أسعار الأغذية 2.98 %. واستقر معدل الأساسي الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة عند 2.48 %.
ومع استمرار التضخم فوق هدف 2 %، تبدو مهمة الاحتياطي الفيدرالي بعيدة عن النهاية، ما يضعه أمام «حزورة» التشدد نقدياً بما يضغط على النمو وسوق العمل، أم التخفيف بسرعة بما يسمح بعودة الضغوط السعرية إذا استمرت صدمات الطاقة والشحن.
وفي الصين، يظل التضخم منخفضاً بصورة لافتة، بما يعكس ضعف الضغوط السعرية المحلية مقارنة بالاقتصادات الكبرى الأخرى، إذ تظهر أحدث بيانات المكتب الوطني للإحصاء أن مؤشر أسعار المستهلك ارتفع في يوليو الماضي 0.5 % على أساس سنوي، بينما انخفضت أسعار الغذاء 1.5 %، وصعدت غير الغذائية 0.9 %. وعلى أساس أول 7 أشهر من 2026، بلغ متوسط ارتفاع أسعار المستهلك 0.9 %، في حين ارتفع التضخم الأساسي، باستثناء الغذاء والطاقة 0.9 %.
مساحة المناورة المالية أضيق
وأوروبياً تظهر البيانات الأولية الصادرة عن مكتب الإحصاء الأوروبي «يوروستات» ارتفاع معدل التضخم السنوي في منطقة اليورو إلى 3.3 % خلال أغسطس 2026، مقارنة بـ 2.9 % في يوليو، مدفوعاً بقفزة كبيرة في أسعار الطاقة التي سجلت 14.3 %، وتكمن حساسية الاقتصاد الأوروبي في اعتماده الكبير على الطاقة المستوردة، ما يجعل الآثار تمتد سريعاً لتكاليف النقل والإنتاج والأسمدة والصناعة والخدمات، بما يضغط على الدخول الحقيقية للأسر وهوامش أرباح الشركات.
من ناحيتها، قدرت المفوضية الأوروبية في توقعاتها الاقتصادية لربيع 2026 تكلفة الإجراءات التي أقرتها دول الاتحاد لتخفيف آثار ارتفاع الطاقة اجتماعياً واقتصادياً بـ 14.5 مليار يورو 2026، بما يعادل نحو 0.07 % من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد، وإذا جرى تمديد هذه الإجراءات لنهاية العام، فقد ترتفع إلى 38.6 مليار، ما يشكل 0.2 % من الناتج.
وفيما حذرت من أن مساحة المناورة المالية الأوروبية أصبحت أضيق مما كانت عليه خلال أزمة الطاقة السابقة 2022، لفتت إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض طويل الأجل في الدول الأكثر مديونية نحو 40 إلى 60 نقطة أساس منذ بداية صراع الشرق الأوسط، وهنا يبرز أحد الفوارق الرئيسية بين أوروبا والكويت في مواجهة الصدمة الحالية: فأوروبا تدفع فاتورة ارتفاع الطاقة من الخارج، بينما تستفيد الكويت والخليج عموماً من ارتفاع إيرادات النفط في تمويل جزء من تكلفة موجة التضخم المتجددة.
هل يمكن تحمّل تضخم مُزدوج التكلُفة إذا طال أمده؟
الخلاصة: تتفاوت آثار موجة التضخم الجديدة بصورة كبيرة بين الاقتصادات، فالدول المستوردة للطاقة والغذاء تواجه صدمة مزدوجة تتمثل في ارتفاع تكلفة الواردات، واحتمال تراجع عملاتها أمام الدولار، بما يزيد تكلفة السلع المقومة بالدولار.
أما الدول المنتجة للطاقة، وفي مقدمتها الكويت، فإن ارتفاع أسعار النفط والغاز يجعلها تمتلك مصدراً إضافياً للإيرادات، ما يمنحها مساحة أكبر لتخفيف أثر التضخم من خلال الإنفاق الحكومي والدعم والاستثمار في البنية التحتية، لكن هذه الميزة لا تعني تجاهلها لمخاطر التضخم، وإنما في منع تحوله بسهولة لموجة شاملة ومستدامة.
وهنا تكمن أهمية احتياطات الكويت مالياً، فالقوة المالية لا تخفض سعر القمح أو تكلفة الشحن مباشرة، لكنها تمنح الحكومة قدرة تحمل جزء من الزيادة، وتأمين الواردات، ودعم بعض السلع والخدمات، وتمويل المخزونات الإستراتيجية، والاستثمار في الأمن الغذائي والطاقة، كما أن استقرار الدينار المرتبط بالدولار ضمن سلة عملات عالمية، يقلل الضغوط.
لكن الاعتماد المستمر على الدعم المالي ليس حلاً دائماً، فالصمود أمام موجة تضخم واحدة يمكن تمويله، أما أمام عالم أكثر تقلباً فيحتاج لبناء اقتصاد أقل تعرضاً للصدمات من الأساس. واتساقاً مع ذلك، إذا كانت الكويت تتمتع بأصول خارجية ضخمة وتدفق إيرادات النفط ستكون هذه الميزة أكثر قيمة إذا استُخدمت لتغيير بنية الاقتصاد عبر تنويع مصادر الغذاء والطاقة، وتطوير سلاسل الإمداد، وزيادة المخزونات الإستراتيجية، ورفع كفاءة الإنتاج المحلي لمكافحة التضخم طويل الأمد.
