
جاءت استجابة وكالة الطاقة الدولية سريعة لتحذير مسؤولين تنفيذيين في القطاع النفطي، خلال منتدى عُقد في لندن قبل يومين، من أن كميات النفط الموجودة في المخزونات والمتاحة للسوق العالمية آخذة في النفاد، مما يجعل السوق أكثر عرضة لشح الإمدادات ويؤدي إلى ضغوط تصاعدية على الأسعار.
فقد أعلنت الوكالة أن حكومات الدول الأعضاء اتخذت في اجتماعها، اليوم، قرار تسريع وتيرة طرح نحو 100 مليون برميل من مخزونات النفط لمعالجة «حالة الشح» في الأسواق العالمية، وذلك في إطار «إجراء العمل الجماعي» المقرر لشهر مارس 2026.
وأوضحت الوكالة، في بيان، أن الأعضاء أيدوا إعطاء الأولوية كذلك «لطرح مخزونات الديزل قدر الإمكان بسبب حالة الشح الحالية في الأسواق»، وبما يعادل أكثر من 200 برميل.
«كانت المخزونات آخر أداة رئيسية متاحة»، قالها الرئيس التنفيذي لشركة النفط الحكومية أرامكو السعودية، أمين الناصر، قبلها بيومين من لندن، مختتماً تصريحه في منتدى «إنرجي إنتيليجينس»، الذي أكد خلاله أنه «لم يتبق اليوم سوى أقل من 6 مليارات برميل من المخزونات التجارية، والغالبية العظمى منها غير متاحة عمليا، لذا، فإن النظام يتعرّض بالفعل لضغوط شديدة».
قبل أكثر من عقد من انعقاد هذا المنتدى الذي يبحث الاضطرابات غير المسبوقة في الإمدادات هذا العام بسبب الحربين في الشرق الأوسط وأوكرانيا، والتي أجبرت الحكومات وشركات الطاقة على سحب نفط من المخزونات لتخفيف الضغط عن سوق الخام العالمية، وتحديدا عام 2015، بدأ أول تقييم عالمي للاقتصاد الأخضر في اتفاق باريس التاريخي حين تعهّد المجتمع الدولي ممثلا بـ 195 دولة شاركت في هذا المؤتمر وخاضت مفاوضات صعبة للتوصل إلى هذا الاتفاق، بحصر ارتفاع درجة حرارة الأرض وإبقائه «دون درجتين مئويتين»، و»بمتابعة الجهود لوقف ارتفاع الحرارة عند 1.5 درجة مئوية». بعد تأكيد دول واقعة على جزر مهددة بارتفاع مستوى البحر أنها ستصبح في خطر إذا تجاوزت حرارة الأرض 1.5 درجة مئوية.
بعدها بـ 5 سنوات وجد الاقتصاد الأخضر ضالته في 2020 مع تفشّي جائحة كوفيد 19، وفي خضم التحديات الجمة التي يواجهها الاقتصاد العالمي وفي ظل حتمية وجود نظام عالمي جديد، ثم تنعقد الدورة السابعة والعشرون من مؤتمر الأطراف cop27 في منطقة الشرق الأوسط بمنتجع شرم الشيخ المصري في 2022، وهو المؤتمر الذي شارك فيه قادة وزعماء وممثلون مما يقرب من 200 دولة، واستهدف توضيح قواعد ميثاق المناخ العالمي الجديد، واتخاذ إجراءات بشأن مجموعة من القضايا المناخية.
ثم تأتي الدورة الثامنة والعشرون، بعد عام، في المنطقة نفسها، وتحديداً في دبي بالإمارات العربية المتحدة cop28، لتتوصل تلك الدول إلى اتفاق رائد يهدف للانتقال بعيداً عن الوقود الأحفوري الفحم، والنفط، والغاز، و»إعادة العالم إلى المسار الصحيح لإبقاء ظاهرة الاحتباس الحراري أقل من 1.5 درجة مئوية»،
وعلى الرغم من اتفاق اللحظة الأخيرة، فقد كان مبعث قلق بعض الدول أن الاتفاق لا يطلب من البلدان المتقدمة أن تتولى قيادة التحول بعيداً عن الوقود الأحفوري. إذ رأوا أنه ليس من العدل التوقع من جميع الدول أن تفعل ذلك في وقت واحد، في حين أن البلدان المتقدمة استفادت اقتصادياً بالفعل من استخدام النفط والغاز والفحم.
اتساقاً مع هذا التسلسل الزمني للأحداث، وإضافة إلى أن مؤتمر الأطراف أثمر تلك الدورة، عن تعهدات بلغت، خلال أسبوعه الأول، نحو 84 مليار دولار، وتزامناً مع «الصحوة» التي كانت، لـ «التخلّي» عن مصادر الطاقة التقليدية والمتمثلة في النفط والغاز، أتي انعقاد المؤتمر لدورتين متتاليتين في منطقة الشرق الأوسط الغنية بهذه الموارد الاقتصادية المتناقضة مع أهداف «cop»، كحلقة من سيناريو فرض، حينها، الكثير من التساؤلات حول الجهات التي دفعت باتجاه فرض هذا النوع من الاقتصاد على العالم بشكل عام، والمنطقة على وجه التحديد، وما هي الموارد التي أرادت بيعها والاستثمار فيها، وحجم المكاسب المنتظرة، وفي الوقت نفسه دقت جرس الإنذار في المنطقة الغنية بموارد، كان يتم بحث الاستغناء عنها، وفرض تحدياً اقتصادياً جديداً عليها.
أعضاء «الطاقة الدولية» يدعمون طرح 100 مليون برميل من مخزونات النفط لمعالجة الشح في الأسواق
لكن، وبسيل من الاتساق، تعود هذه التساؤلات لتفرض نفسها بقوة، حول ما آلت إليه الأمور في الوقت الحالي، خصوصاً، مع تضافر العديد من الوقائع التي التي وصلت إلى حد بحث الاستعانة بـ «آخر أداة رئيسية متاحة»، وارتهان الاقتصاد العالمي برمته إلى المورد الاقتصادي الرئيسي والوحيد، الذي كان هذا العالم نفسه يناقش، منذ عقد، في «صحوة» مناخية، أقرب إلى «التطرف البيئي»، التخلّي عنه ومشتقاته.
اليوم، وبعد دخول الحرب الروسية – الأوكرانية عامها الخامس، وبعد مرور 8 أشهر على الحرب الأميركية – الإيرانية، لا تنحصر المعضلة، فقط، في شح إمدادات هذا المورد وتعثُّرها، والتي أجبرت وكالة الطاقة الدولية، الجهة الغربية المكلفة بمراقبة سوق النفط وتنسيق احتياطياتها الاستراتيجية، لإطلاق 100 مليون برميل من النفط الخام والديزل للإسهام في تخفيف ارتفاع أسعار الديزل، ولتدعو مسؤولين بالقطاع لمناقشة سحب مخزونات، وصلت بالفعل إلى مستوى حرج، لكن في تأثير هذا الوضع على الاقتصاد العالمي بشكل عام، بعد ما تسببت قفزات أسعار هذا المورد «التقليدي»، الذي يطلب العالم منه يومياً نحو 102 مليون برميل، في ارتفاع معدل التضخم العالمي إلى 3 بالمئة، تعثرت أمامه كل محاولات السيطرة.
الحرب كشفت عن مدى هشاشة أمن الطاقة العالمي وحتمية ارتهان الاقتصاد الدولي لسلاسل إمدادات الطاقة التقليدية… رغم سنوات من الحديث عن التحول نحو الاقتصاد الأخضر
أما الشاهد على ذلك الواقع، فهو أن سيناريو «الاقتصاد الأخضر» أو «الصحوة المناخية» أو «التطرف البيئي»، سمّه ما شئت، جاء – قبل عقد – من الغرب، وأما المفارقة فهي أن سيناريو تأمين إمدادات الطاقة التقليدية المتمثلة في النفط ومشتقاته، جاء أيضاً من الغرب، وقبل المنتدى الذي يبحث السحب من المخزونات بـ 10 أشهر، حين استبقت الولايات المتحدة الأميركية بدء العملية العسكرية على إيران بعملية خاطفة في فنزويلا لتأمين احتياجاتها النفطية والسيطرة على رافد مهم للطاقة التي روّجوا، يوماً ما، للاستغناء عنها، وبما يؤكد مدى هشاشة أمن الطاقة العالمي، واستمرار ارتهان الاقتصاد الدولي لسلاسل إمدادات الطاقة التقليدية، رغم سنوات من الحديث عن التحول نحو مصادر الطاقة النظيفة والاقتصاد الأخضر.
وأما التساؤلات فقد أصبحت مشروعة وتبحث عن إجابة: إلى أي مدى يستطيع الاقتصاد الأخضر الإحلال محل الاقتصاد التقليدي؟ أو على الأقل الوصول إلى نقطة تعادل مع اقتصاد يعتمد بشكل رئيس على مصادر الطاقة التقليدية؟ وإلى أي مدى يستطيع العالم الاستغناء عن النفط؟ والأهم من ذلك، ما مصير الـ 84 مليار دولار التي تم جمعها في الأسبوع الأول من cop28، وأي تعهدات أخرى تم جمعها؟، وأخيراً، أين «صحوة الاقتصاد الأخضر»؟
التساؤلات
• إلى أي مدى يستطيع الاقتصاد الأخضر أن يحل محل الاقتصاد التقليدي؟
• هل يمكن الوصول إلى نقطة تعادل مع اقتصاد يعتمد بشكل رئيس على مصادر الطاقة التقليدية؟
• ما مصير الـ 84 مليار دولار التي تم جمعها في الأسبوع الأول من cop28؟
• إلى أي مدى يستطيع العالم الاستغناء عن النفط؟
