
فتح قرار دولة الإمارات العربية المتحدة الانسحاب من منظمة أوبك ومجموعة أوبك بلس، اعتبارا من يوم غد الجمعة، آفاق تحليلات واسعة في أسواق النفط العالمية حول مبررات القرار وآثاره على مستقبل الإمدادات وتداعياته على أسعار الطاقة.
وربما يكون لازما لفهم جانب من الموضوع التفريق بين منظمة أوبك ومجموعة أوبك بلس، فالأولى – أي المنظمة – أُسست عام 1960، وتضم في عضويتها السعودية والإمارات والكويت والعراق وإيران والجزائر وليبيا ونيجيريا والكونغو وغينيا الاستوائية والغابون وفنزويلا، بهدف تحديد الحصص الإنتاجية بين الدول الأعضاء والاستجابة للعرض والطلب، في حين أن الثانية – أي المجموعة – أُسست عام 2016 لتلافي آثار صدمة الأسعار في نهاية عام 2014 من خلال تفاهمات أعضاء «أوبك» مع المنتجين المستقلين خارج المنظمة، وأكبرهم روسيا، الى جانب أذربيجان وكازاخستان وبروناي والمكسيك وعمان وجنوب السودان والسودان.
وقد شكّل تحالف «أوبك» مع المنتجين المستقلين تحت مسمى «أوبك بلس» نحو 50 بالمئة من إنتاج النفط العالمي، فيما شكّل إنتاج النفط، خصوصا من الولايات المتحدة وبحر الشمال، النصف الآخر من الإنتاج النفطي العالمي.
تعامل الكويت مع التداعيات يتطلب سياسات إصلاحية واضحة لخلق اقتصاد مساند يدعم «النفط»
مبررات القرار
وبغضّ النظر عن الأبعاد السياسية، فإن قرار الإمارات الخروج من «أوبك» و«أوبك بلس» قرار سيادي، ومبرراته تستند إلى قراءة أبوظبي لمستقبل أسواق الطاقة في العالم واحتياجات الطلب ومرونة الإمدادات ومستقبل الاستثمار في بناها التحتية، وبالتالي رفع القدرة الإنتاجية التي تتراوح حاليا بين 4.4 و4.8 ملايين برميل يوميا، في حين تنتج الإمارات – وفقا لحصص «أوبك بلس» – 3.3 ملايين برميل يوميا.. وحسب وزير الطاقة الإماراتي، فإن قرار الخروج من التحالفين النفطيين سيتيح إنتاج أكثر من 5 ملايين برميل يوميا بحلول عام 2027.
وهذا يعني أن الإمارات ستكون في منافسة مع كندا على ترتيب ثاني أكبر منتج للنفط بعد الولايات المتحدة خارج التكتلات النفطية.
والإمارات ليست أول دولة تخرج عن منظمة أوبك، فقد سبقتها قطر عام 2019، والإكوادور عام 2020، وأنغولا عام 2024، إلا أن حجم الإمارات الإنتاجي أكبر من الدول الثلاث المنسحبة سابقا، ويتوقع أن يكون لقرارها أثر أكبر، خصوصا أن الإمارات عبّرت خلال سنوات سابقة عن ملاحظاتها حول ما تعرّضت له من «ظلم» في تحديد الحصص الإنتاجية.
كازاخستان والعراق من الدول التي تسعى لزيادة الحصة الإنتاجية وامتثالها ضعيف
لا صدمة
اقتصاديا، وكقراءة أوليّة، فإن القرار الإماراتي لم يشكّل صدمة سريعة لأسواق النفط العالمية خلال يومين من إعلانه، فقد ارتفع خاما برنت وغرب تكساس بواقع 5 بالمئة، لأن توقيته اتسق مع تفاقم حالة عدم اليقين تجاه مستقبل الإمدادات العالمية مع استمرار إغلاق مضيق هرمز، الذي يمرّ من خلاله نحو 20 بالمئة من احتياجات العالم النفطية، وقد يكون ثمّة تقييم في الأسواق خلال الأشهر القادمة بين آثار القرار الإماراتي ومستوى درجة المخاطر الجيوسياسية في الإقليم الخليجي، حتى لو أعيد فتح المضيق.
التحدي اليوم في الاقتصاد العالمي مرتبط بحالة الضبابية التي شكّلتها الحرب الإقليمية، وهي التي تضغط على توقعات المديين المتوسط والطويل لأسواق الطاقة والإمدادات ومخاوف تباطؤ النمو العالمي، لكن مع تجاوز هذه العوامل – وتحديدا على المديين المتوسط والطويل – فإن المسؤولية تتصاعد على منظمتَي أوبك، وأوبك بلس في إعادة تموضعها لضبط سوق النفط العالمية.
مخاطر ومستويات
وسوق النفط – في إطارها العام خلال السنوات القليلة الماضية – مدعومة بمجموعة سياسات، إمّا مخاطر جيوسياسية متعلقة بالحرب الروسية – الأوكرانية، الى جانب حرب الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران وتوابعها من اعتداءات إيرانية على دول مجلس التعاون، لا سيما المنشآت النفطية، أو بسياسات «أوبك بلس» في تحديد مستويات الإنتاج النفطي لتحقيق توازن بين العرض والطلب بشكل يضمن مستويات أسعار قريبة من رضا المنتجين والمستهلكين.
المنافسة على الحصص السوقية تمثّل تحدياً كبيراً للكويت التي فشلت في رفع الإنتاج إلى 4 ملايين برميل يومياً عام 2020
احتمالات المستقبل
بالتالي، فإن احتمالات المستقبل ما بعد تراجع المخاطر الجيوسياسية في المنطقة الخليجية تشير الى خيارين، الأول: إما تشدد إضافي من منتجي النفط في «أوبك»، و«أوبك بلس» عبر خفض الإنتاج لرفع أو تثبيت الأسعار، وهذا خيار تزداد صعوبته مع ضعف امتثال بعض المنتجين، مثل كازاخستان التي تتراوح حصتها بين 1.47 و1.63 مليون برميل يوميا، وسبق أن لوّحت العام الماضي بإمكانية الانسحاب، أو العراق الذي عبّر أيضا عن عدم رضاه عن حصته من تصدير الخام البالغة نحو 3.5 ملايين برميل يوميا، وبيّنت إحصاءاته عدم الالتزام بالحصص المحددة.
أو الخيار الثاني المتمثل في إطلاق المنافسة على الزبائن، أي رفع الحصص السوقية لتعويض فاقد الأسعار من خلال كميات الإنتاج الإضافية، وبالتالي ضمان التواجد في الأسواق لمدد زمنية أطول.
وفي الحالتين، فإن التحديات أمام الكويت كبيرة، فهي في حالة خفض الإنتاج ضمن المجموعة الأعلى التزاما، وبالتالي تتحمل عبء غير الملتزمين على الأسعار، وفي حالة المنافسة على الحصص السوقية، فقد فشلت في تحقيق هدفها الاستراتيجي برفع مستويات الإنتاج الى 4 ملايين برميل يوميا بحلول عام 2020، وأجّلته الى عام 2023، حيث تنتج الكويت حاليا 2.6 مليون برميل يوميا.
استماع وسياسات
وقد كان لافتا على الساحة المحلية استماع المجلس الأعلى للبترول، خلال اجتماعه أمس، برئاسة رئيس مجلس الوزراء سمو الشيخ أحمد العبدالله، إلى شرح لتداعيات خروج الإمارات من منظمة أوبك وتحالف أوبك +، غير أن التعامل مع التداعيات يتطلب، بلا شك، سياسات إصلاحية واضحة لخلق اقتصاد مساند يدعم اقتصاد النفط الذي تتزايد مخاطره، وتقل قدرتنا كدولة حتى مع تحالفات المنتجين على التحكم في أسواقه.
