
لم تكن توصية وزارة الشؤون الاجتماعية إلى مجلس الوزراء بتصفية شركة الدرة للعمالة المنزلية وإنهاء وجودها القانوني؛ بعد خسائر مالية فادحة وفشل في الإدارة، التي نشرتها جريدة «الجريدة» مطلع الأسبوع الجاري، إلا نتيجة طبيعية لمعالجة حكومية منحرفة تعاملت كالعادة مع ظاهر مشكلة في السوق دون حل أساسها.
فقد نشرنا في هذه الزاوية الاقتصادية تقريراً بتاريخ 21 ديسمبر 2017 وما تلاه من تقارير اقتصادية لاحقة مع بداية تشغيل أعمال الشركة التي بلغ رأسمالها حينها 3 ملايين دينار بمساهمة جهات حكومية وشبه حكومية وأهلية؛ هي الهيئة العامة للاستثمار، والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، والهيئة العامة لشؤون القُصّر، وشركة الخطوط الكويتية، والمساهم الأكبر اتحاد الجمعيات التعاونية، أن تأسيس شركة متخصصة لجلب العمالة المنزلية هو انحراف عن المعالجة السليمة وأنها ستؤدي الى نتائج سيئة وأمثلة أسوأ.
وعي وأسباب
ومع التأكيد على أن معالجة ملف العمالة المنزلية يستلزم وعياً اجتماعياً وسلوكياً نحو تخفيف الاعتماد عليهم من حياتنا اليومية، فضلاً عن الجوانب الإنسانية والحقوقية والعمالية المتعلقة بضرورة وجود آلية واضحة لضمان تطبيق شروط عقود الاستقدام؛ بما يضمن حقوق العمالة المنزلية والأسر على حد سواء، فإن المعالجة الاقتصادية يفترض أن تتوجه إلى أصل المشكلة المرتبطة بالاستقدام لا إلى نتائجه المرتبة بالأسعار، ومعالجة الأسباب ستفضي إلى اختفاء النتائج.
توطين الصناعات مسألة جوهرية لتخفيف تكاليف الاستيراد والشحن والجمارك والتأمين
احتكار وعقبات
فأزمة استقدام العمالة المنزلية إلى الكويت، في جانب مهم منها، هي أزمة احتكار أو محدودية في المنافسة؛ وهو ما يتمثل من جانب في صعوبة استخراج الرخص الجديدة لتأسيس مكاتب استقدام العمالة المنزلية وما يصاحبها في فترات معينة من قيمة مرتفعة للضمان المالي البالغ 100 ألف دينار، يضاف إليها 40 ألفاً لفتح أي فرع جديد، إلى جانب آخر متعلق بعدم وجود آلية في التعامل مع ممارسات مكاتب العمالة المنزلية المنسقة الضارة في السوق كالاتفاق على الأسعار أو حتى توقيت الاستقدام، وهو ما يعكس قصوراً في التعامل مع أصل المشكلة وما يترتب عليه من نتائج.
أرقام ونسب
ووفقاً للأرقام الرسمية؛ كان عدد فئة «الخدم ومن في حكمهم» مع بداية تشغيل أعمال شركة «الدرة» عام 2017 يوازي 690 ألفاً بما يمثل 22 بالمئة من إجمالي العمالة الوافدة، فيما وصلت حسب بيانات الإدارة المركزية للإحصاء حتى النصف الأول من العام الحالي إلى 783.9 ألف عامل منزلي؛ بما يوازي 25.6% من إجمالي العمالة الوافدة في الكويت؛ مما يعكس نمواً في استقدام العمالة المنزلية إلى البلاد لم تتمكن شركة الدرة من الاستفادة منه، كما يعكس الفشل الإداري، الذي يضاف إلى الخسارة المالية، علاوة على غياب الرؤية والفلسفة من تأسيس الشركة بالأصل.
في الكويت 783.9 ألف عامل منزلي بما يوازي 25.6% من إجمالي العمالة الوافدة
خيارات وأدوات
ربما يفترض بالدولة، إلى جانب تعزيزها تنافسية في القطاع، أن تنوّع عملية الاستقدام من خلال فتح أسواق جديدة للعمالة المنزلية لتنويع الخيارات؛ بالتالي تكون الأسعار في النهاية معقولة لطالبي الخدمة، فضلاً عن توفير بعض أدوات النقل الجماعي الميسرة مثل إعادة خدمات توصيل الطلبة داخل المناطق السكنية، كما يفترض بشركات القطاع الخاص أن تتوسع في تقديم خدمات العمالة المنزلية بالساعات لفترات أسبوعية.
درس جوهري
إلا أن الدرس الجوهري من قصة شركة الدرة الذي يجب فهمه واستيعابه يتمثل في أن الحديث عما يعرف بـ «ضبط الأسعار» وتحكّم الدولة فيها، رغم كل ما يمثله من قبول اجتماعي، يظل في حقيقته «كلاماً شعبوياً وعاطفياً» لا يفضي إلى نتائج عملية أو حلول مفيدة، فالأصل في سوق متنامي الاختلالات مثل سوق الاستهلاك في الكويت يجب أن يتجه إلى معالجة أسباب التضخم والغلاء الجوهرية، تحديداً الاعتماد على الاستيراد، وكذلك تفشي الممارسات الاحتكارية الظاهرة والباطنة، وأن تعمل مؤسسات الدولة الاقتصادية على تنظيم السوق وتطوير آلياته ورفع منافسته وتنمية تنافسيته، وليس الرهان على أفكار غير مجدية أو محدودة المنفعة وسهلة الاختراق كـ «ضبط الأسعار» أو «تحديدها».
الدور المفترض لمؤسسات الدولة الاقتصادية هو تنظيم السوق وتطوير آلياته وتنمية تنافسيته
إضافة للفاتورة
فالمستهلك في الكويت يدفع ثمناً إضافياً لفاتورة أي سلعة غذائية أو دوائية أو استهلاكية مشمولة بتكاليف الاستيراد والشحن والجمارك والتأمين، فضلاً عما زادته تكاليف التأزم الإقليمي مؤخراً نتيجة لضعف تغطية الصناعات الوطنية لاحتياجات السوق المحلية، كما يدفع المستهلك مرة أخرى تكلفة إضافية على أي فاتورة شراء نتيجة لسياسات الاحتكار المسكوت عنها والتي لا تنحصر في احتكار مستورد واحد لسلعة معينة؛ إنما أيضاً عقود الإيجارات بالباطن على أملاك الدولة، والتي تنعكس سلباً على تكاليف التشغيل ففاتورة المستهلك.
ولعله من المفيد القول إن تثبيت الأسعار مهما كان متشدداً فإن الالتفاف عليه بخفض الجودة أو تقليل الكمية سيظل خياراً متاحاً مما يسبب الضرر على كل مكونات السوق وخصوصاً المستهلك على عكس مكافحة السياسات الاحتكارية وتوطين الصناعات بما فيها منافع للاقتصاد والسوق.
تثبيت الأسعار مهما كان متشدداً فإن الالتفاف عليه بخفض الجودة أو تقليل الكمية يظل خياراً متاحاً
حظ المجتمع
ربما من حسن حظ المجتمع أن المعالجة المنحرفة جاءت هذه المرة في قطاع محدود أو متوسط الأهمية كالعمالة المنزلية ولم يكن اتجاه خدمة أساسية كالصحة أو الكهرباء مثلاً أو في مواجهة صدمة اقتصادية أو جيوسياسية قد ندفع ثمنها بصورة كبيرة نتيجة تراكمات مسكوت عنها من سوء الإدارة وانحراف العمل.
